وجهاً لوجه

حوار مع الباحثة التونسية هاجر خنيفر-شمس الاصيل العابد

صورة توضح برنامج أدبي بعنوان "من النص إلى القارئ"، يتضمن لقاءات مع أدباء وكتاب وشعراء، ويشير إلى تغطية معرض الكتاب الدولي في القاهرة 2026. تشمل الصورة صورتي متحدثتين ومعلومات عن الفعالية.

في هذه السهرة، نصغي إلى تجربة بحثية تضع النصوص في مواجهة الواقع، وتبحث فيما تقوله الكلمات وما تخفيه بين طبقاتها، لنكتشف مع ضيفتنا كيف يمكن للقراءة أن تتحول من فعلٍ أكاديمي إلى رحلةٍ لفهم المجتمع من الداخل، وأن نرى كيف يعيد الخطاب الثقافي تشكيل صورتنا عن أنفسنا وعن العالم من حولنا.

دكتورة هاجر، في زمن تتسارع فيه الخطابات وتتشابك فيه القراءات، هل ما زال النص قادرًا على كشف حقيقة المجتمع، أم أن المجتمع أصبح يكتب نصوصه الجديدة خارج الكتب؟

أعتقد أن العلاقة بين النص والواقع لا تقوم على الكشف أو الإبراز رغم ما تحيل عليه الدلالة اللغوية للجذر (ن.ص.ص) من معنى البروز والظهور.. لأنّ النص في رأيي لا يعكس سوى رؤية الكاتب لما حوله ومن زاوية نظر معينة، وتلك الرؤية هي حصيلة ما يشد انتباهه ويقلقه ويتطلع إليه.. وفي ظلّ التعددية الفكريّة وتنوع المقاربات وتسارع إيقاع التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة فإن الحديث عن قدرة النص على نقل صورة ما عن الواقع ـ وليس الحقيقة ـ يُعدّ رأيا مبتسرا لأن الكتابة ليست محاكاة بل هي إعادة بناء للواقع وتمثل له، ولذلك لا يمكن فهم النص دون العودة إلى السياق الذي أنتجه ويقتضي ذلك  النظر في مكونات السياق المتصل بالتجربة الذاتية للكاتب والإطار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي حف به.

وبالنظر إلى النقلة التي شهدتها وسائط الكتابة جراء القفزة التكنولوجية والتراجع الملحوظ لدور الكتاب الورقي أمام هيمنة سلطة السمعي المرئي يمكن الحديث عن تحرر الكتابة من دوائر النخبة المثقفة وانفلاتها من قيود الإبداع التي تحكم كل أجناس الكتابة وتمردها على سلطة الرقابة بمختلف أنواعها. ورغم ما سمح به هذا التحوّل من تعديد الأصوات ووجهات النظر وتنويع أشكال التعبير فإنّ فئات منسيّة ومقصيّة من المجتمع تظلّ على هامش تلك النصوص .. المجتمع أغنى وأعمق مما تنقله لنا النصوص والخطابات مهما كانت أدوات التعبير وطرائقه

 متى شعرتِ أن الاشتغال على النصوص لم يعد مجرد قراءة أكاديمية، بل طريقًا لفهم المجتمع العربي من الداخل؟

لقد مكنني البحث الأكاديمي في مسائل اجتماعية وسياسية وثقافية انطلاقا من مدوّنات مكتوبة حينا ومرئيّة حينا آخر من إدراك محدوديّة المقاربات الكلاسيكية التي كنت أعتمدها وأنا في بداية مساري الدراسي في الجامعة، إذ كنت مكتفية بأدوات منهجية لا تتجاوز  حدود فاعليتها البنية اللغوية والبلاغية لتلك النصوص مع تناول بسيط لسياقاتها التاريخية الدقيقة أو على أقصى تقدير النظر في مرجعيّات النص والإيديولوجيا التي شكلته. لقد دفعني تخصصي في مجال الدراسات الحضارية إلى إدراك أن تلك النصوص هي نتاج وعي اجتماعي لا سيما إثر انكبابي لفترة هامة على دراسة المنجز الفكري لنوال السعداوي، تلك النصوص التي تطرقت إلى أدق تفاصيل العلاقات الاجتماعية وعرّت تناقضاتها وبنيتها التسلطية وفضحت ازدواجها الأخلاقي كانت فاصلة هامة في طريقة تعاملي معها وطبيعة الأسئلة التي أنطلق منها في البحث.

عندما بدأتِ الاشتغال على قضايا الخطاب والنوع الاجتماعي، هل كان الدافع اكتشاف ما يقوله النص عن المرأة، أم اكتشاف ما يقوله المجتمع عن نفسه من خلالها؟

هذا السؤال يضع احتمالين شكّلا معا مساري البحثي فقد كانت البداية بتناول تلك النصوص ضمن محور بحثي يتصل بقضايا النساء في العالم العربي وأدوارهنّ وحقوقهنّ وإشكاليات الخطابات النسوية العربيّة  السائدة ومآزقها السياسية والإيديولوجية، لكن تناولي لهذه المسائل حملني إلى البحث في طبيعة المجتمعات العربية الراهنة وعلاقات السلطة التي تحكمها وما تعكسه التمثلات السائدة للذكورة والأنوثة من معايير وقيم راسخة في أعماق الوعي الجمعي. وأعتقد أنّ كل نصّ ـ وليس فقط ما اتصل منها بقضايا النساء ـ  يكشف بطريقة ما عن البنية الرمزية للمجتمع وأنساقه الثقافية.

حين تحلّلين خطابًا ثقافيًا، هل تبحثين أولًا عمّا يقوله النص، أم عمّا يخفيه بين طبقاته العميقة؟

لا غنى لنا عن المنطلق الوصفي للنص بتناول الخطاب في مستواه الدلالي المعلن ومعالجته معالجة بنيوية وتداوليّة، وإنّ هذه المرحلة من التحليل تحيلنا إلى تبيّن ما سكت عنه النص أو ما اخفاه وهو ما يدفع بنا إلى طبقاته العميقة التي تستدعي منا قدرة على الفعل التأويلي للمضمر فيه والكشف عن مضمونه الإيديولوجي.

هل تعتقدين أن النصوص الثقافية في العالم العربي تكشف تحولات المجتمع، أم أنها أحيانًا تحاول تجميل هذه التحولات؟

غالبا ما يكون الخطاب الثقافي العربي مؤدّيا وظيفة الكشف عمّا يشهده المجتمع من تحوّل على مستوى بنية العلاقات أو الأنماط الثقافية أو ما يطرأ على مسارات التحوّل من عوائق، ولكنّه ليس خطابا تسجيليا أو مرآة عاكسة بل هو محكوم بإيديولوجيا منتج الخطاب وموقعه الاجتماعي. وتلك الإيديولوجيا قد تدفع إلى تجميل التحوّلات أو تقبيحها أو تقديمها وفق رؤية مخصوصة، وفي إعادة التشكيل ما يخلق تنوع النصوص الثقافية.

في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية، كيف تحافظين على دقة الباحثة دون أن تفقدي حسّ القراءة النقدية للواقع؟

إن البحث العلمي في حقل الإنسانيّات إجمالا مشروط بحضور الفعل النقدي ولا ينفصل عنه، ويقتضي ذلك معرفة بمناهجه ليكون نقدا علميا يضفي الدقة والصرامة العلميّة على البحث. إن النقد الذي أقصد ليس محاكمة مبنيّة على مواقف انفعاليّة أو خلفيّة إيديولوجيّة أو أحكام مسبقة بل هو نقد عقلاني يستند إلى نتائج العمل التحليلي لتلك التحولات.

كيف تقرئين صورة المرأة في الخطاب العربي المعاصر: هل تغيّرت اللغة التي تُكتب بها هذه الصورة، أم تغيّر الوعي الذي ينتجها؟

نشهد اليوم  تغيّرا تدريجيّا في صورة المرأة وذلك من خلال غلبة الخطاب المبني على نقد الصورة النمطيّة التي تحكم تمثّلات المجتمع لأدوار النساء ومواقعهنّ الاجتماعيّة. فما تغيّر طبعا هو الوعي بدرجات متفاوتة وإذا تغيّر الوعي تغيّرت اللغة وإن كان ذلك بنسق بطيء فصار الحديث عن الوصم الاجتماعي للمرأة وعن هشاشة الوضع النسائي وعن حقوق  الأم العزباء وعن قوانين مناهضة العنف وعن التمكين الاقتصادي.. وبما أن إنتاج المعنى لا يكون خارج اللغة فإنّ التعبير عما يطرأ من تغيّر على الصورة ودلالاتها لا يكون إلا بتغيّر اللغة نفسها. على أنّنا ندرك جيدا أنّ تغيّر الوعي قد يكون سابقا وأعمق مما يطرأ على اللغة إضافة إلى أنّ تغيّر اللغة لا يكون ذا جدوى إن لم يصب البنية الرمزية لها  وقد يكون ذلك من مآزق أو إكراهات الخطابات المعاصرة المتعلّقة بقضايا النساء عموما. وأضرب مثالا على ذلك إذ حضور قيمة التسامح في بعض الخطابات الداعية لاحترام كرامة المرأة لا يمكن ان ينتج تصوّرا مناسبا لمبدأ المساواة لأن التسامح ينطوي على إقرار بغياب التكافؤ بين الطرفين.

هل تشعرين أن الجامعة اليوم ما زالت قادرة على إنتاج الأسئلة الكبرى، أم أن هذه الأسئلة بدأت تولد خارجها؟

لا  شك أنّ الجامعة لم تعد تستأثر بالموقع نفسه الذي كانت عليه بالأمس أي باعتبارها فضاء معرفيا تبنى فيه العقول وتتحدّد فيه أولويّات البحث وتضبط فيه المشاريع الفكريّة. ويعود هذا التغير إلى ما صارت تشهده من منافسة شبكات التواصل ومحركات البحث ومنصّات الذكاء الاصطناعي علاوة على الإعلام وفضاءات المجتمع المدني.. فقد أضحت هي أيضا مصدر معرفة ومبعث أسئلة حارقة ومحور تفكير في حد ذاتها. غير أنّ ما يحفظ للجامعة مكانتها أنّها مؤسسة تضع الضوابط العلمية وتوفّر الإطار العلمي الذي يشرف ويراقب ويساعد على تحويل السؤال إلى إشكاليّة منهجيّة جديرة بالبحث العلمي. بل لعلّ في حضور هذه الفضاءات المنافسة ما يفتح الطريق لتكون الأسئلة الكبرى وليدة تفاعل معها أو مع المجال العام فتكون متشابكة مع مجريات الواقع.

مع التحول الرقمي وانتشار الخطابات السريعة، هل أصبح النص الثقافي أكثر هشاشة أم أكثر انفتاحًا؟

قد نتحدث اليوم عن سيولة النص باعتبار ما أتاحته الثورة الرقميّة من تعميم النشر وتيسير التواصل والاتصال فلم تعد تلك النصوص حكرا على نخبة مثقفة أو عالمة بل باتت متاحة في إنتاجها وتلقيها للجميع وهو ما يجعلنا نتحدث عن تحقيق الانفتاح وتغيّر في شكل النص وبنيته وتحرّره من قيود الكتابة الكلاسيكيّة أو بتعبير أدقّ هو تغيّر في شروط الإنتاج والتلقي. وما قد يبعث على الخوف هو وقوع النصوص فريسة نزعة استهلاكية قد نفقد معها القدرة على التمييز بين الجيد والرديء أو بين عميق والسطحي نظرا لسرعة إيقاع التلقي وهو من علامات الهشاشة.

إذا نظرنا إلى أعمالك البحثية ككل، ما الفكرة التي ظلّت ترافقك وتعود في كل مرة بشكل مختلف؟

ربما تتعدد الأسئلة فيما أنجزته وإن كان الرابط الظاهر بينها هو النظر في قضايا النساء وما اتصل بها من خطابات بين الماضي والحاضر. لكنني منذ انطلقت في البحث والسؤال الذي يلح عليّ كيف يُنتج الخطاب العربي تمثلانه، وكيف تتحول هذه التمثلات إلى بنى ثقافية تنظّم علاقتنا بذواتنا وبالآخر؟

سؤال قبل الأخير: دكتورة هاجر، في زمن يتقدم فيه الذكاء الاصطناعي بسرعة ويؤثر في تشكيل الوعي والخطاب العام، كيف يمكن توظيف هذه التقنيات لتفكيك العقلية الذكورية السائدة، والمساهمة في الحدّ من العنف المسلّط على المرأة، بدل أن تعيد هذه التقنيات إنتاج الصور النمطية نفسها؟

أعتقد أنّ الذكاء الاصطناعي رهين وعي المستخدم بل المسؤولين قبل أيّ طرف آخر. لقد بات مبحث التحيز الجندري الذي يمارسه الذكاء الاصطناعي مدار بحث جندري نظرا إلى ظهور أشكال مختلفة من التمييز الجندري الذي يحكم هذه المنصات. فلابد أولا من تغيير البيانات الكبرى التي تغذي تلك المنصات أي أن تكون مصحوبة بتصميم وعي جندري أو أن تشرف خبيرات في النوع الاجتماعي على وضع شروط وضوابط يلتزم بها المشرفون على جمع البيانات.. وإن لم يكن ذلك فإننا لن نجني سوى إعادة إنتاج للصور النمطية ولعلاقات السلطة السائدة.

السؤال الختامي في هذه السهرة الرمضانية التي تجمعنا حول الكلمة والمعنى، ما الرسالة التي ترغبين في أن تصل من النص إلى القارئ… ومن الباحثة إلى المجتمع؟

أعتقد أنّ النص يدعو قارئه دائما إلى تجاوز سطحه وألا يكون شديد الثقة مما يبدو في ظاهر النص وألا يبحث فيه عن إجابات بل عن الأسئلة

أما باعتباري باحثة فإنّ رسالتي للمجتمع أن يكفّ عن محاكمة الباحث ونواياه واعتباره خطرا يهدد الاستقرار بما يثيره من أسئلة تستفز الثوابت بل هو أحد أهم الفاعلين في مسار التغيير الاجتماعي وتحرير الوعي من قيود صدئة.

وفي ختام هذه الحلقة الثرية “من النص إلى القارئ”، لا يسعنا إلا أن نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الباحثة الدكتورة هاجر خنيفر على ما قدمته من رؤى عميقة وأفكار فتحت أمامنا آفاقًا جديدة لفهم النصوص وتحليل الخطاب الثقافي وقضايا المجتمع.

كان هذا الحوار فرصةً للتأمل في العلاقة بين الكلمة والواقع، وبين البحث الأكاديمي وأسئلة الإنسان المعاصر.

إلى لقاءٍ قريب في حلقة جديدة، حيث يواصل النص رحلته نحو القارئ… ويواصل القارئ اكتشاف المعنى.

مع تحيات: شمس الأصيل العابد             

الباحثة والخبيرة الدولية في التواصل بين الثقافات. المكلفة بالإعلام بالرابطة العربية للآداب والثقافة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading