محمد إقبال.. ارتقى بشعره إلى آفاق إنسانية✍سوسن كامل

يعد محمد إقبال واحداً من أهم الأصوات الفكرية والشعرية، التي أنجبتها الحضارة الإسلامية في العصر الحديث، فقد تجاوز في شعره حدود الجغرافيا، وارتقى بفكره إلى آفاق الإنسانية الواسعة، حتى غدا شاعراً عالمياً، وضميراً حياً لأمة كانت تبحث عن ذاتها في زمن الانكسار.
لم يكن اإقبالب شاعر وجدانٍ عابراً، ولا فيلسوف تأمل مجرداً، بل كان عقلاً يقظاً وقلباً مؤمناً، صاغ رؤيته للوجود بلغة الشعر، وحوّل الكلمة إلى أداة بعث ونهضة، وجعل من الإيمان طاقة فاعلة لا تنفصل عن الواقع.
آمن بأن رسالة الإنسان هي التجديد الدائم والسعي المستمر، فقال:

له نقشٌ يجدَّدُ كل حين
فلا تبقى الحياة على غُرارِ
فإن صوَّرت يومَك مثل أمس
فما يحوي ترابُك من شَرارِ
ولد محمد إقبال العام (1877م) في مدينة سيالكوت بولاية االبنجابب، في أسرة عرفت بالصلاح والتقوى والتصوف، تعود أصولها إلى كشمير، في عهد السلطان زين العابدين، فتبدل مسار الأسرة الروحي، وصارت مثالاً للزهد والتقوى.
نشأ اإقبالب في هذا الجو الإيماني، وكان لوالده الشيخ نور محمد أثر بالغ في صياغة شخصيته، إذ ربّاه على صفاء الروح ومراقبة النفس، وغرس فيه حبّ القرآن والتأمل في أسراره. وقد عبر إقبال نفسه عن سر عمق فهمه للدين، حين أرجع الفضل إلى أبيه، الذي أوصاه أن يقرأ القرآن، لا قراءة ألفاظ فحسب، بل قراءة وعي وحضور، فكانت تلك الوصية نبعاً لا ينضب لفكره، وأساساً لنظرته الروحية العميقة التي صاغها بشعره لاحقاً فيقول:

اتخذتُ لخلوتي طيني ومائي
وبُوعد بين أفلاطون وبيني
فلم أستجدِ يوماً عينَ غيري
ولم أر عالَمي إلا بعيني
بدأ اإقبالب تعليمه في سن مبكرة، فتنقل بين مدارس سيالكوت، ثم انتقل إلى لاهور، حيث التحق بالكلية الحكومية، وبرز نبوغه، وتألق في اللغتين العربية والإنجليزية، فنال درجتي البكالوريوس والماجستير بامتياز. ولم يكتف بما بلغه في وطنه، بل دفعه شغفه بالمعرفة إلى الرحلة في طلب العلم، فسافر إلى أوروبا، حيث درس في جامعة ميونيخ بألمانيا، ونال درجة الدكتوراه، ثم قصد بريطانيا، فدرس في جامعة كامبردج، وتعمق في الفلسفة والاقتصاد، ونال شهادة في المحاماة، وانتسب إلى مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية في لندن.
وخلال إقامته هناك، لم يكن متلقياً سلبياً للفكر الغربي، بل ناقداً واعياً له، يدرسه بعين المفكر، لا بعين المنبهر، فكان يحاضر عن الإسلام، ويعمل أستاذاً للغة العربية، محاولاً أن يعرف الغرب بروح الشرق، تأثر أثناء دراسته بألمانيا بنيتشه وبرغسون وقرأ أغلب مؤلفاتهما.

عاد اإقبالب إلى الهند العام (1908م)، فجمع بين التدريس والمحاماة، وتولى تدريس والتاريخ والسياسة، وكان حضوره الفكري يزداد عمقاً وتأثيراً، حتى أصبح من أبرز رموز الشعر والأدب في شبه القارة الهندية. ولم يقف عند حدود الفكر، بل انخرط في العمل العام، ودعا بوضوح إلى ضرورة قيام وطن مستقل عن التبعية، وكانت هذه الرؤية نواة الفكرة التي تحققت بقيام دولة باكستان بعد وفاته بسنوات، وهو الذي كان يرى في الوحدة والقوة سبيل النجاة، داعياً إلى الاستقلال في الفكر، والابتكار في العمل يقول في إحدى قصائده:
طريقَك فاتحتها في كِفاحٍ
طريقُ سواك مسلكها عذاب
فإن أبدعت في عملٍ فَرِيّ
وإن يَكُ مأثماً فلك الثواب
شعر محمد إقبال، كان امتداداً طبيعياً لفكره، وصدى صادقاً لإيمانه، إذ سخر قلمه كله لخدمة الوطن ومنظومة الأخلاق، وجعل من قصائده دعوة إلى اليقظة، وإحياء الذات، وبعث العزة في النفوس عاصر أعلام الأدب العربي، فقد تأثر بشعراء مدرسة المهجر أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، كما كان الأديب أحمد حسن الزيات معجباً بشعره ووصفه بـ(شاعر الرسالة). كتب تسعة دواوين شعرية، ضمت ما يقارب اثني عشر ألف بيت، توزعت بين عدة لغات، فجاء شعره ممتلئاً بالمعاني الإيمانية، مشحوناً بروح التوحيد، متصلاً بالله اتصال القلب باليقين. ولم يقتصر عطاؤه على الشعر، بل خلف ثروة فكرية كبيرة تمثلت في عشرين كتاباً في الفلسفة والاقتصاد والسياسة والتربية، منها (رسالة المشرق، وأسرار معرفة الذات)، إضافة إلى مقالات ورسائل كشفت عن عمق نظره وسعة أفقه. وكان شعره نابضاً بحرقة التغيير وألم الأمة، كما عبّر عن نفسه قائلاً:
أنا في الروض منفردٌ غريبٌ
على غُصني أنوح مع الرياح
فدعني يا رقيق القلب وابعد
فإن دمي ليرشح في نُواحي
وكان تعلق اإقبالب بالإسلام تعلق وجود وهوية، فالحجاز عنده مهد الرسالة وقد تحدث عن ذلك في كتابه (الفتوحات الحجازية)، فهي منبع النور، وذاكرة التاريخ الحي. وحين زار الأندلس ووقف أمام مسجد قرطبة العام (1932م)، فهزه المشهد هزاً عميقاً؛ فقد رأى آثار المجد الغابر، فانبثق حزنه شعراً خالداً. وقف أمام مسجد قرطبة باكياً، وأنشد قصيدته الشهيرة التي صور فيها قرطبة رمزاً للحضارة الإسلامية، لا مجرد مدينة فقال:
لحورية الغرب وجه جميل
وجناتها أذنت بالرحيل
ثم خاطب المسجد بخشوع المؤمن، مستحضراً روح التوحيد التي شيد عليها، فقال:
نسيمك عذب رقيق الهبوب
أيا جامع قرطبة هل تعود
فكانت هذه الأبيات مرثية حضارة، وصيحة وعي، لا بكاء أطلال، عبر فيها اإقبالب عن إيمانه بأن قوة الإسلام ليست في الحجر، بل في الروح التي صنعت ذلك المجد، وأن عودة الأمة مرهونة بعودة تلك الروح.
وقد وقف اإقبالب موقفاً نقدياً صارماً من الحضارة الغربية، فرأى أن التقدم المادي وحده لا يصنع إنساناً، وأن القومية الضيقة مزّقت الأوطان وحوّلتها إلى أجزاء متناحرة، داعياً إلى أن تعود للأمة وحدتها ورسالتها. حيث يقول:
عشقك فاض بغتةً بقلبي
وحلَّ كل عُقدة في لبِّي
غنيتُ عن ومض العلوم
حسبي دمعي ووجدي وخفوق قلبي
وفي سنواته الأخيرة، أثقل المرض جسده، وضعف بصره، وخفت صوته، فاضطر إلى اعتزال المحاماة، غير أن المرض لم يُضعف عزيمته، إذ ظل يكتب ويؤلف، حتى آخر أيامه. وقبيل وفاته، واجه الموت بثبات المؤمن، معلناً يقينه وطمأنينته، مجسداً في لحظاته الأخيرة صدق ما نادى به طوال حياته، من أن الهمة لا تعرف الكلل، والسعي لا يعرف النهاية فيقول:
طلبي النهاية في مدى
لا ينتهي فيه المُسائل
توفي محمد إقبال في العام (1938م) في لاهور، فغابت شمس من شموس الفكر، غير أن نورها لم ينطفئ، إذ بقيت كلماته حية في ضمير الأمة، شاهدة على شاعر آمن بأن الإيمان فكر، وأن الكلمة إذا خرجت من قلب صادق، كانت قادرة على أن تغيّر مجرى التاريخ.
الشارقة الثقافية



