النافخ والمنفوخ/يوسف علاري

البالون العظيم وجوقة النافخين
لا طغيان بلا عبيد، ولا دكتاتور بلا جوقة من النافخين يتنازلون عن كرامتهم لينفخوا في كيانه الهش، كما ينفخ الطفل بالونًا صغيرًا ملوّنًا حتى ينتفخ ويعلو في الهواء، فيظن أنه سيّد السماء والأرض وما بينهما. لكنه في الحقيقة لا يعدو أن يكون وهمًا أو فقاعة تنتظر إبرة الحقيقة لتنفجر، فتتلاشى ويغدو ذكرُه نسيًا منسيًا، أمَّا من كانوا حوله فيفرّون متفرقين.
ولعلّ في تاريخنا العربي الحديث من الأمثلة ما يكفي ويغني.
السلطة الدكتاتوريَّة: وهم الألوهيَّة الأرضيَّة
لا يختلف اثنان على أن كثيرًا من الأنظمة العربيَّة تحكم بعقلية “الحاكم الإله”؛ ذلك الذي يرى أنه معصومٌ من الخطأ، ويعامل كل معارض له كما يُعامل من يكفر بالمقدّسات.
لكن الأخطر من ذلك هو وجود طبقة سياسيَّة وإعلاميَّة ودينيَّة منافقة، وظيفتها الأساسيَّة تبرير أفعاله وما صدر عنه من قول أو فعل أو إشارة، ليظل في أعين الجماهير مُعظَّمًا ومهابًا، بل ومقدسًا.
هؤلاء النافخون هم من يجعلون من الحاكم بالونًا ضخمًا، يملؤونه بكل نعوت العبقريَّة والبطولة، حتى إذا ما ثقبه الواقع، انهار في لحظة.
هم يعرفون أنهم يكذبون، ويعلم الحاكم وأعوانه أنهم يكذبون، ومع ذلك تستمر اللعبة، لأنها تخدم مصالح الطرفين. الحاكم يبقى مغمورًا بتمجيدٍ زائف، والنافخون يضمنون مواقعهم وامتيازاتهم.
المجالس النيابيَّة: مسارح النفاق المنظّم
أكثر ما يُثير السخرية والغضب أن يكون من ضمن هؤلاء النافخين أعضاء في المجالس النيابيَّة. حين تسمع بعض خطابات النواب العصماء في تمجيد “سيدهم”، تظن أنهم يمثلون الحاكم أمام الشعب، لا الشعب أمام الحاكم، وأنهم حُرّاس الحكومات، لا حماة حقوق المواطنين الذين انتخبوهم.
تبدو مداخلات بعض النواب في الكثير من البلدان العربيَّة أقرب إلى تبرير سياسات السلطة والثناء عليها، بدلًا من مساءلتها أو الدفاع عن مصالح من انتخبوهم. هذا الانحراف عن الدور الرقابي والتشريعي يُثير تساؤلات مشروعة حول حدود العلاقة بين ممثلي الشعب والسلطة.
في المجالس النيابيَّة العربيَّة، خَفَتَ صوت المسؤوليَّة وارتفع صخب الوصوليين؛ أولئك الذين يلمّعون صورة السلطة بكلماتهم المعسولة، ويساومون على ضمائرهم في مزادات المصالح.
يتحدثون عن “الحكمة النادرة”، و”القيادة الفذّة”، و”العهد الميمون”، وكأنهم يتلون من كتابٍ مقدّس، بينما الوطن ينزف، والجوع ينهش الشعب، والعدالة تُدهس، والكرامة تُباع في المزادات.
يكفي أن ترى أحد ممثلي الشعب يخطب في البرلمان، لتدرك أنك أمام ممثل هاوٍ يؤدي دورًا يفوق قدراته، في مسرحيَّة هزليَّة يعرف الجميع نهايتها، ورغم ذلك يستمر التمثيل.
في خضمِّ هذا العبث، قد يتساءل المرء: هل للمجالس النيابيَّة وظيفة أخرى غير التصفيق والتبرير؟ وهل اقتصرت وظيفتها على تزيين القفص بدلاً من فتح أبوابه؟
لا معنى لمجالس نيابيَّة تُجالس السلطة وتُجافي الشعب، ثم تعود لتبيعه الأمل في موسم انتخابي جديد، بئس المجالس التمثيليَّة تلك، وبئس الممثلون، وأيضًا بئس من يعيد انتخابهم.
ختامًا، حين ينفجر البالون الذي شارك في نفخه حزبيون وسياسيون وإعلاميون ورجال دين ونواب أمة، حتمًا لن يبقى منه سوى قطعٍ مطاطيَّة يلعب بها الأطفال. أما النافخون، فسيتسابقون إلى بالونٍ جديد، وكأن شيئًا لم يكن؛ لأنهم ليسوا أوفياء للبالون، بل للنفخ ذاته.
تلك هي حكاية النافخين والمنفوخ؛ قد يتغير البالون، لكن النافخين لا يتغيرون، ودورنا أن نعرّيهم.



