غرفة انتظار التاريخ/يوسف علاري*

لم يكن سقوط الدولة العثمانية مجرد انهيار إمبراطورية أفلت شمسها، بل كان أشبه بلوحة فسيفسائية ضخمة تحطمت إلى عدة قطع، امتدت من البلقان التي كانت من أوائل مناطق الانفصال، مرورًا بالأناضول التي أصبحت مركز مشروع الدولة الجديدة، وصولًا إلى العالم العربي الذي كان القطعة الأكبر والأكثر تأثراً، حيث تحولت أراضيه إلى قطع ملتهبة وغنيمة سياسية على طاولات القوى الكبرى.
في لحظة تاريخية وجيزة، تحولت الدولة العتيقة من فضاء مترابط إلى أجزاء متناثرة، ساهمت بريطانيا وفرنسا، وفق اتفاقية سايكس-بيكو السرية عام 1916، في إعادة رسم حدودها، كما لو أنها لعبة استراتيجية لا علاقة لها بسكانها. لم تكن هذه الاتفاقية مجرد تقسيم للعالم العربي، بل كانت حلقة ضمن صراع إمبراطوري عالمي على أنقاض دولة عريقة؛ حيث رُسمت الحدود الجديدة لا لتعبّر عن إرادة الشعوب، بل لتخدم مصالح المستعمرين وتؤمن نفوذهم.
تغيرت الأسماء، وجيء بزعماء وأنظمة حكم جديدة، وظهرت الشعارات القومية، وفُتحت السجون، وقُمعت الأصوات المعارضة للواقع الجديد وسياساته، وأصبح المواطن العربي أسير حدود لم يخترها، وأنظمة حكم لم تكن تعبّر عن تطلعاته، بل فُرض كثيرٌ منها عليه.
أما فلسطين، فكانت الجرح الأعمق. لم تُعامل كأرض وشعب وتاريخ، ولم يُكتفَ برسم حدودها أو إقامة نظام حكم عربي عليها كما حدث في كثير من الأقطار العربية، بل جرى تجاوز ذلك كله إلى مشروع استعماري صهيوني صاغته القوى الكبرى، وقام على تحويل فلسطين إلى أرض لمشروع استيطاني إحلالي، عبر توطين موجات من المهاجرين الصهاينة القادمين من بلدان متعددة، على حساب شعب عريق عاش في أرضه أجيالًا متعاقبة.
شعب كان يزرع زيتونه، ويؤذن في مساجده، ويقرع أجراس كنائسه؛ بينما كانت صفقات الغرب تُعقد في مكاتب باردة، لا ترى في فلسطين إلا موقعًا استراتيجيًا، وفي شعبها مجرد عقبة يجب تذليلها.
لم تكن المأساة الفلسطينية حدثًا عابراً، بل كانت النموذج الأكثر صراخًا على فشل الضمير الإنساني، حين أصبحت إرادة الشعوب أضعف من صفقات القوى الكبرى، وصار القلم الذي يرسم الخرائط أقوى من صوت الإنسان الذي يعيش فوقها.
واليوم، بعد أكثر من قرن، لا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة. فالحدود التي رُسمت بالأمس ما زالت تحمل تناقضاتها، والصراعات التي بدأت في غرف السياسة البعيدة عن نبض الأرض وأهلها لم تجد نهايتها في حياة الشعوب.
لكن التاريخ لا يبقى في غرفة انتظار إلى الأبد.
فالشعوب التي عاشت طويلاً على هامش القرار لا بد أن تدرك أن الماضي لا يُستعاد بالحنين، ولا تُبنى الأوطان بتكرار أخطاء من سبق. فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط: من أخذ منا؟ ومن رسم حدودنا؟ بل أصبح: متى نمتلك القدرة على كتابة فصلنا بأنفسنا؟
فالتاريخ لا يمنح مقاعد دائمة للمتفرجين؛ إما أن تصنع الأمم مكانها فيه، أو يكتب الآخرون قصتها نيابةً عنها.
كاتب ومخرج سينمائي فلسطيني*



