مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات السهلة ✍ د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

رسم توضيحي لرجل بأناقة يرتدي بدلة، مبتسم ويظهر تفاصيل وجهه بشكل واضح.

” النجاح ليس لحظة وصول، بل حصيلة تراكمية لجهود صغيرة تتكرر بصبر حتى تتحول إلى إنجاز يراه الجميع بعد أن كان تعباً لا يراه أحد ” (الكاتب).

تمضي الحياة بين ما تراه العيون ممكناً وما يتمناه القلب مستقبلاً، وبينهما مساحة واسعة من الانتظار والرجاء والتأويل. فالإنسان بطبيعته كائن حالم، لا يعيش واقعه فقط، بل يعيش أيضاً الصور التي يرسمها لمستقبله في مخيلته. ومن الناحية السيكولوجية، تمثل الأحلام والأمنيات آلية داخلية تمنح الفرد القدرة على مقاومة القلق والإحباط، إذ تساعده على الاستمرار رغم تعثر الظروف وقسوة التجارب. لذلك لا يتوقف الإنسان عن بناء التوقعات، ولا يكف قلبه عن التعلق بما يراه خيراً له، حتى حين تبدو الطرق مغلقة والنتائج بعيدة. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الحياة لا تسير دائماً وفق ما نرسمه لأنفسنا، بل وفق ما تسمح به شروط الواقع وما يقدره الله تعالى من مسارات قد لا ندرك حكمتها إلا بعد زمن.

ومن الزاوية السوسيولوجية، لا تتشكل الأحلام بصورة فردية خالصة كما يعتقد الكثيرون، بل تتأثر بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه الإنسان. فالأمنيات التي يحملها الأفراد هي في جزء كبير منها انعكاس للقيم السائدة والصور الجماعية للنجاح والسعادة والمكانة الاجتماعية. ولذلك نجد أن المجتمعات الحديثة تدفع الأفراد أحياناً إلى مطاردة أحلام لا تنبع من ذواتهم بقدر ما تنبع من الضغوط الاجتماعية والمقارنات المستمرة مع الآخرين. ومن هنا يظهر التوتر بين ما يتمناه الفرد وما يستطيع الواقع تحقيقه، فتزداد مشاعر القلق وخيبة الأمل عندما تتحول الأحلام إلى مطالب ملزمة لا إلى آفاق مفتوحة للأمل. إن المشكلة ليست في الحلم ذاته، بل في الاعتقاد بأن الحياة مدينة لنا بتحقيق كل ما نرغب فيه.

وفي المقابل، يكشف النضج النفسي والاجتماعي عن قدرة الإنسان على الموازنة بين السعي والتسليم، بين العمل والأمل، وبين الرغبة والقبول. فالحياة ليست سلسلة من الأمنيات المتحققة، كما أنها ليست سجناً للحتميات القاسية، بل هي ميدان تتقاطع فيه إرادة الإنسان المحدودة مع حكمة إلهية أوسع من إدراكه. ولهذا يبقى الأمل ضرورة نفسية، ويبقى السعي واجباً أخلاقياً واجتماعياً، لكن الطمأنينة الحقيقية تنشأ حين يدرك الإنسان أن قيمة الرحلة لا تختزل في بلوغ ما تمنى، بل فيما تعلمه أثناء الطريق. فعيون تحلم، وقلوب تتمنى، ورب كريم يهب الإنسان أحياناً ما أراد، ويمنحه أحياناً ما هو أفضل مما أراد.

نصيحتي لك… ثق بالله تعالى وخذ بالأسباب، أي لا تكتفي بالانتظار، وارفع سقف طموحك، وطور من قدراتك، ونافس مهاراتك القديمة كل يوم من خلال إضافة الجديد عليها، فالحياة لا تفتح أبوابها لمن يكتفي بالتمني، بل لمن يجعل من العمل لغة لأحلامه. فالأحلام العظيمة لا تتحقق لأن أصحابها تمنوها كثيراً، بل لأنهم عملوا عليها طويلاً. فاجعل من كل يوم فرصة لتعلم جديد، ومن كل تجربة درساً، ومن كل عثرة دافعاً، فالمستقبل يصنع بالوعي والجهد قبل أن يستقبل بالأماني.

وللناجحين نقول حافظوا على ما حققتموه، فالمجتمع لا يرى عادة إلا النتائج النهائية، أما سنوات التعب والانضباط والتضحية والعمل الصامت فتظل بعيدة عن الأنظار. كثيرون يرون الثمرة الناضجة، لكن قلة فقط تدرك حجم الجهد الذي بذل في زراعة الشجرة ورعايتها حتى أثمرت. لذلك لا تجعلوا النجاح محطة للراحة، بل مسؤولية للمحافظة على المكتسبات وتطويرها، فالوصول إلى القمة يحتاج إلى جهد، أما البقاء فيها فيحتاج إلى وعي أكبر وانضباط أشد. وما بين الحلم والإنجاز قصة طويلة من العمل لا يراها الناس، وما بين الإنجاز والمحافظة عليه قصة أطول لا ينجح فيها إلا أصحاب العزيمة والبصيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading