مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

السكينة النفسية الوهمية (حين يصبح البحث عن السلام الداخلي حرباً استنزافية) د. حسام الدين فياض

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية ويظهر مبتسمًا. تظهر خلفية الصورة بلون فاتح.

في أروقة الفكر الإنساني المعاصر، نُصبت أصنام جديدة تحت مسمى “التطوير الذاتي “، حيث يُساق الفرد نحو معركة لا تهدأ، سلاحها المثابرة ودرعها ورش العمل اللامتناهية. تغلغلت عقيدة ” الجهد المقدس “ في الوجدان الجمعي حتى شملت المناطق الأكثر رقة في النفس البشرية، فلم يعد السلام الداخلي حالة من الوجود الفطري، بل أضحى مشروعاً رأسمالياً يتطلب خطة عمل، ومؤشرات أداء، وجهداً مضنياً للتحصيل.

إن هذا الاعتقاد المتأصل بأن السلام ينتزع انتزاعاً من براثن القلق هو في الحقيقة المنزلق الأول نحو الاغتراب النفسي، حيث يتحول البحث عن الطمأنينة إلى مصدر إضافي للتوتر والاحتراق الذاتي، مما يجعل الهدف السامي عبئاً فيزيقياً يرهق الكاهل ويهتك نسيج الروح.

تشير الأدبيات النفسية والتحليلية إلى مفارقة مدهشة تُعرف بظاهرة ” الجهد العكسي “، وهي الحالة التي يبتعد فيها الهدف طردياً كلما زادت حدة الرغبة القهرية في تطويقه. إن الشخص الذي يحاول العمل بجد للوصول إلى السلام يشبه من يحاول تهدئة سطح الماء المضطرب بضربه براحة يده، فكل حركة غرضها التسكين تزيد من وتيرة الاضطراب وتخلق تموجات جديدة.

وفي هذا السياق، تروج أدبيات التنمية الذاتية لسراب الإنجاز، واضعة الفرد في حالة تأهب دائم هي في واقعها النقيض البيولوجي والعصبي لحالة الاسترخاء المطلوبة، مما يولد ما يسميه علم النفس الإكلينيكي ” القلق بشأن القلق “. فعندما يفشل المرء في بلوغ السكينة الموعودة بعد استهلاك الموارد النفسية والزمنية، يتولد لديه شعور بالذنب والدونية، مما يحول السعي وراء السلام إلى ثمن باهظ يُدفع من رصيد الصحة النفسية.

وهنا يبرز المنظور الأكاديمي الذي تتبناه مدارس العلاج النفسي بالقبول والالتزام والوجودية المعاصرة، وهو نهج ” الاستسلام الواعي . وهذا المفهوم لا يعني الهزيمة أو التراخي، بل هو ” كف يد ” العقل عن المقاومة العبثية، والاعتراف بأن السلام لا يمكن أن يكون نتاجاً لعملية تصنيعية قسرية.

إن فلسفة التخلي هنا تعمل على إلغاء الفجوة النفسية بين الواقع الراهن والمثال المنشود، فبمجرد أن يتوقف المرء عن مطاردة السلام كغرض خارجي، تبدأ آليات الدفاع النفسي بالاسترخاء، مما يسمح للسكينة بأن تتدفق بشكل طبيعي وجاذب.

في واقع الأمر، إن الاستغناء عن “فكرة السعي ” هو في حد ذاته حالة الوصول، حيث يكتشف الإنسان أن السلام ليس جزيرة نائية نحتاج لبناء سفن من الكدح لبلوغها، بل هو المحيط الذي يسبح في أعماقنا حين تتوقف عواصف الإرادة المتصلبة، فالسلام في جوهره لا يكتسب بعملية تراكمية، بل يسترد بتعرية الذات من ضجيج المحاولة.

وفي نهاية المطاف، يتجلى لنا أن السعي وراء السلام هو العائق الأكبر أمامه، وأن الجذب الحقيقي للطمأنينة يبدأ من اللحظة التي يقرر فيها الإنسان وضع سلاحه في معركته ضد نفسه. إنها العودة إلى الفطرة الساكنة التي لا تحتاج لترويج أو ورش عمل، بل تحتاج فقط إلى شجاعة التخلي عن الركض. فعندما نكف عن محاصرة السكينة بمطالبنا وشروطنا، تفتح لنا أبوابها تلقائياً، مؤكدة أن أبهى صور الوجود ليست في ” الفعل” المستمر، بل في ” الكينونة ” الهادئة التي تقبل الأشياء كما هي، لتجد أن ما كانت تبحث عنه بجنون، كان ينتظرها دائماً خلف جدار المحاولة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading