مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

Gemini Generated Image 2c57s52c57s52c57 249x300 1

” تقاس قوة المجتمع بقدرته على إنتاج القدوات التي تمنح القيم مصداقيتها، لأن الأفكار لا تستقر في وعي الأفراد ما لم تجد من يجسدها في الواقع الاجتماعي ” (الكاتب).

لم تعد أزمة القدوة في المجتمع المعاصر مجرد مشكلة أخلاقية أو تربوية تخص الأسرة وحدها، بل أصبحت قضية سوسيولوجية تمس البنية العميقة للمجتمع وآليات استمراره. فالطفل لا يكتسب قيمه من الكلمات بقدر ما يكتسبها من الأشخاص الذين يمنحونه معنى لما يقولونه ويفعلونه. وحين تتراجع المكانة الرمزية للأب والأم والمعلم والمربي في المجتمع، وتتقلص قدرة هذه الشخصيات على التأثير، تتسع المسافة بين القيم التي يتعلمها الفرد نظرياً والسلوك الذي يراه يومياً. عندها تبدأ الشخصية بالتشكل وسط حالة من التردد والارتباك، لأنها لم تعد تجد نموذجاً مستقراً يحتذى به، بل تجد صوراً متغيرة تتبدل مع كل ترند وحدث تافه، وكل شهرة عابرة، وكل نجاح سريع لا يرتبط بالعلم أو الجهد أو المسؤولية.

وتزداد هذه الأزمة عمقاً مع انتقال مركز التأثير الاجتماعي من مؤسسات التنشئة التقليدية إلى الفضاء الافتراضي، حيث أصبحت مواقع التواصل (التفكك) الاجتماعي تنافس الأسرة والمدرسة سلبياً في تشكيل الوعي والذوق والقيم للأبناء. وحسب علم النفس، يحتاج الإنسان منذ طفولته إلى نموذج يمنحه الإحساس بالأمان ويحدد له الحدود الفاصلة بين الممكن والمرفوض، وبين النجاح الحقيقي والنجاح الوهمي. لكن حين تصبح الشهرة معياراً للقيمة، ويغدو عدد المتابعين بديلاً عن المعرفة، يتحول التقليد إلى عملية عشوائية تفتقد المعايير. أما حسب علم الاجتماع لا تعني هذه الحالة غياب القدوة فقط، بل تعني دخول المجتمع في حالة من الاضطراب المعياري والقيمي، حيث تتراجع المرجعيات المشتركة التي تنظم السلوك، ويصبح الأفراد أكثر عرضة للحيرة، وأكثر استعداداً لتبني قيم مؤقتة لا تمت بصلة لثقافته ومبادئه تتغير بتغير سوق الترندات الإعلامية التافهة والثقافة الاستهلاكية.

ولهذا فإن مستقبل المجتمعات المعاصرة لا يتوقف على كثرة المناهج الدراسية أو وفرة الوسائل التقنية، بل على قدرتها على إعادة الاعتبار للقدوة بوصفها مؤسسة اجتماعية تصنع الثقة قبل أن تصنع المعرفة. فالتربية لا تنجح عندما تكتفي بتلقين المبادئ، وإنما عندما تقدم نماذج حية تجسدها في الواقع اليومي. وكل مشروع يسعى إلى بناء الإنسان من دون أن يعيد بناء المكانة الأخلاقية للمربي والأسرة والمعلم، سيظل مشروعاً يعالج النتائج ويترك الأسباب. لذا فإن المجتمع الذي يفقد قدوته لا يخسر شخصيات مؤثرة فحسب، بل يخسر البوصلة التي تمنح أفراده القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يتبع، وما يستحق أن يتجاوز.

وفي الختام، نعتقد أن أزمة القدوة ليست نتاج قوة الفضاء الافتراضي وحده، بل هي أيضاً نتيجة تراجع النماذج الواقعية القادرة على الإلهام والتوجيه داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. فالفراغ القيمي لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما تملؤه نماذج أخرى، سواء كانت جديرة بالاقتداء أم لا. لذلك تقع على عاتق الآباء مسؤولية أن يكونوا قدوة حاضرة في السلوك قبل القول، وأن يقتربوا من أبنائهم بالحوار والثقة والاحتواء، وأن يمنحوهم من وقتهم أكثر مما يمنحونهم من الأشياء المادية، وأن يحرصوا على أن يكون أبناؤهم أفضل من أنفسهم بالأمس، لا أفضل من الآخرين. أما أنتم أيها الأبناء، فأنصتوا إلى خبرات والديكم، وقدروا ما يقدمونه لكم من نصح وتجربة ومحبة، وأحسنوا اختيار من تؤثرون بهم ومن يؤثر فيكم، واجعلوا العلم، والأخلاق الحميدة، والعمل الصالح رفاقاً لمسيرتكم. فالمجتمعات التي تتبادل أجيالها الثقة والاحترام، وتبني علاقاتها على الحوار والمسؤولية، هي الأقدر على صناعة مستقبل أكثر تماسكاً واستقراراً وازدهاراً.

د. حسام الدين فياض

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة