مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

الفكر والفعل الدرامي – اسامة غانم

Gemini Generated Image iaiqd1iaiqd1iaiq 1 1 300x265 1 300x265 1

إن كل طبقة تضع نفسها في مكان الطبقة الحاكمة قبلها ، تضطر ، لمجرد إنجاز هدفها ، لتمثيل مصالحها بوصفها المصالح المشتركة لكل اعضاء المجتمع ، أي ، المٌعَبر عنها بشكل مثالي : يكون عليها أن تمنح أفكارها شكل الكلية ، وتقدمها بوصفها الأفكار العقلانية الوحيدة الصحيحة عموماً .
ماركس و انجلس

لقد حاول الكاتب الدكتور محمد عطا الله ، عند كتابته مسرحية ” كلاب سائبة ” ، الغوص في دواخل النفس البشرية من خلال تناوله مشكلة إنسانية هامة ، الا وهي وصول امرؤ ما الى داخل السلطة الحاكمة عن طريق الانتخابات الخطأ أو المزورة ، مٌكلف الذين انتخبوه الكثير الكثير دون ان يدروا ما ارتكبوا من خطأ قاتل ، ليصل في بعض الاحيان الى تصفيات جسدية .
مع قيام هذا الشخص بتنكره لكل ما كان يؤمن به ، وان ابحاره اتى متسقاً من الخارج ومن الداخل ، لقد كان يلتف ويدور حول نفسه ثم يلتف ويلتف الى ان يصل الى الاعماق ، كدوامة ال مصادر الانحطاط والتعفن ، وخلع الاقنعة ، لبيان حقيقة الوجوه العارية .
ولم يؤد الابحار الى مجرد اكتشاف التناقض الخارجي بين الحالات التي يمارسها بطل المسرحية ، ففي البداية كانت اللا حقيقة تسود افعاله مؤجلاً الواقع الحلم لديه ، وهذا يظهر بوضوح في المشهد الاول من الفصل الاول ، في اللعب على كل شيء ، من اجل الوصول الى الغاية بــ : الكذب – الخداع – استغلال مشاعر الفقراء – حتى المشاريع الخيرية يستغلها بلا حدود ضمن الادعاء المزيف ، لكسب عطف و ود الفقراء ” ما يهمني هو اشباع جياع ” الأسفري لاتينيا “كلهم ” .
إن الكاتب استطاع ببراعة أن يبين التناقضات الظاهرة للوجود الإنساني ولكنه لم يخطط لها ان تواجه قوانا العقلية مباشرة من اجل اعطاء حكم اخلاقي ، بل ان تواجه شعورنا بهذا التناقض الإنساني – الظاهري ، وهذه الاخلاقية المزدوجة تظهر بجلاء ووضوح بعد الصعود ، ويوجد لذلك ما يبرره ويدعمه اجتماعياً ونفسياً ، فهو مغمور النسب واصله وضيع ، ويجتاحه شيطان الوهم منذ اليوم الذي اعتقل فيه بالوهم والاشتباه ، فهو كان مدركاً ابعاد هذا الوضع عن طريق معاناته النفسية والفكرية القاصرة ، لكن دون ان يدري انه تجسيد لهذه ” العلة ” فالنص يقدم لحياة رجل قبل استلام السلطة ثم بعد استلام السلطة ، هنا تتعدد فيها زوايا الرؤيا الاجتماعية – السياسية – الإنسانية المتصلة اتصالاً مباشراً بمصائر الجماهير ، وقابلة للتفسيرات والتأويلات المتعددة ، وهو مختلف مع الكل ، وبالذات مع الناس الاخيار ، مع زملائه الذين لم ينضموا تحت هيمنته ، ولكنه كان في اروع صورة من الانسجام والتوحد مع الذات ، فلا انفصال ولا انفصام بينهما ، وهذا يجعلنا نشعر بعدم وجود ازدواج بالشخصية الى نهاية المسرحية .
وتمر المشاهد بتدفق وانسيابية ، مصورة الدمار والشر ، وان الأخرين يتساقطون كالثمار الفجة ، يحتويهم الشر ويجتاحهم ، بينما هم لا يستطيعون فعل شيء ، بل يستسلمون بشكل غريب ولذيذ للوضع المرسوم لهم بدقة .
فمن ثوريين الى انانيين مصلحيين ، ومن النضال من اجل الاغلبية ال العمل على إبادة الاغلبية ، ومن تلاوة الكتب الثورية الى التفنن والفهلوة في السرقة في وضح النهار ، وكل ذلك يأتي لتعميق رعب الموقف – ليس الموقف الوجودي – وخضوع بطل المسرحية ” ظافر ” الخضوع الكامل والتام لرغباته ولرغبات اقطاب الراسمال ، وايجاد مجتمع فاضل مضاد ، حين تقدم صور كابوسية خانقة لمجتمع مبني عل الزيف والنفاق والرشوة والتسلق والتضليل ، بسبب وجود ترشيح شخص ، وزمر تأتي بمن يخدم مصالحها افضل ، وهذا الشخص يكون مصدراً من مصادر هلاك جماعته أو حزبه وتفتيت الائتلاف القائم .
وهو لهذا لم يٌعرف المؤلف هذه الدولة التي تجري عل ارضها احداث المسرحية ، لتتحول الى رمز ودلالة لاي دولة مقهورة ، وهذا الشيء يؤكده الناقد جورج لوكاش عندما يقول : ” ان حقيقة الانماط المعادية مصورة إنسانياً ليست هي التي تشير ال هذا التغلب البطيء المتردد على التحيزات البرجوازية – الرجعية ، بل هو الموقف غير النقدي مع هذه الانماط في كليتهما الاجتماعية والإنسانية ، أي عدم ادراك قدم المؤلف محدودياتها الاجتماعية والإنسانية ” .
وهكذا قدم المؤلف الدكتور محمد عطا الله ” رئيس المجلس ” الدموي ، إنساناً في شكل فني متطور ، وتقنية عالية متصاعدة ، ومن خلال توظيف الواقع والرمز بشكل فني .
ان استعمال الحوار غير المكثف في النص بل استعمال الحوار السطحي ليشير عن طريقه الى الواقع المخفي ير المعبر عنه بالكلمات والموجود خلف النص المسرحي . هذا العالم المشوه كما عكسه النص يقوم اساساً عل ارضية البرجوازية والراسمالية الريعية .
ونقطة الصراع ، كانت في البدء بين ظافر والاخرين ، واذ بدأ هكذا انما يخترقه ليصبح صراعاً دامياً حول التسلط ، وبالعون الكبير بصورة خفية من قبل اعضاء المجلس لارضاء غروره وتحقيق ماربهم من خلاله ، ينجحون في ذلك .
ويبقى الكاتب يعمل على تعرية سؤات ظافر ببساطة رهيبة ، كاشفاً على ما يخفي خلف قناع منصب رئيس المجلس من نزعات سلطوية مدمرة للأخرين باستمرار ، ويكفي ان ندلل بمثال على ذلك ، عندما يأمر بتشكيل فرق لإبادة ” الكلاب السائبة ” التي تشير في النص الى رمزية الوفاء والاخلاص والنقاء عند الناس البسطاء ، وهم الذين يعرفونه حق المعرفة ، والذين اصبحوا بالنسبة له يشكلون خطراً عليه ، لذا عمل على قطع كل ماله صلة بهم ولو كانت هامشية ، وتنتهي المسرحية بانتصار الشر متعدد الالوان ، لتكون نهاية مفتوحة . نهاية محفزة للمتلقي في استثارة غضبه .
عليه يكون المؤلف قد وفق في تقديم وبناء الفكرة الكلية ، أي الصراع من اجل التسلط والعمل على تدمير كل ما هو نظيف ، ونقي ، وجميل ، عالم مكتظ بالأخطاء ، وهناك من ينجو من المصيدة التي في داخل مصيدة مثل شخصية ” انور الكتبي ” ، ولكن نجاته لا تضف للحدث الدرامي أية اضافة ، ويكون موقفه خطابياً ، واخيراً ينسل هارباً بصمتٍ ، وهناك ايضا ، امرأة تتنقل من حضن رجل الى آخر بسرعة الضوء وحسب الموقف الانتهازي .
إن مسرحية ” كلاب سائبة ” انما هي مسرحية اخلاقية تقوم على الشخصيات بمقتضى تعريف ارسطو ، من ان الشخصية هي ما يكشف عن الهدف الاخلاقي مبيناً ماهية الاشياء التي يختارها الإنسان او يرفضها ، فهي تبين ماهية ما اختارته شخصيات المسرحية .
وهذا ما نراه عند اعضاء المجلس ، فهم كالاخطبوط القاتل الذي يلف ارجله حول الضحية ببطىء الى ان يسحقها ثم يلتهمها ، والكل هنا يتعاطون السياسة بالإضافة الى اختصاصاتهم الاصلية ، فدلال تدير نوادي الليل وهي تسبح بالعفة ، وزلخا صاحب البنوك التي عن طريقها تدار المؤامرات ، وكونا صاحب ترسانات الاسلحة وهو يصلي من اجل احلال السلام في ربوع الاوطان . فهذه النخبة تمثل اعضاء المجلس المرسوم بتهكمية ساخرة وقصدية مبطنة .
في هذا النص ثمة هنأت قليلة ونجاحات كثيرة ، ولعلنا نشعر ببعض الملل جراء التطويل المتعمد والاستطراد الصوري المكرر ، وكنت افضل لو اقتصر العمل على ثلاثة فصول عوضاً عن خمسة ، لأن المؤلف ما اراد ان يوصله للمتلقي او المشاهد قد وصل من خلال الفصلين الاول والثاني .
والشخصيات جميعها تقريباً مستلبة ، تحركها هواجس ملعونة ، مندفعة من دهاليز قوى الظلام ، دون فسح مجال او اعطاء بصيص نور ولو ضئيل للجانب المضيء من السلوك الإنساني لاحتدام الفصل الدرامي وبلوغ الصراع مداه .
واخيراً ، جاءت المسرحية فكرية اكثر من درامية ، فعنيت بالأفكار اكثر مما عنيت بالأفعال .

*قرأت هذه المقالة في اتحاد الادباء بالموصل ربيع عام 1995م ، في ندوة استعراض ومناقشة مسرحية ” كلاب سائبة ” للدكتور محمد عطا الله ، وكان يدير الجلسة بشار عبد الله القليجي .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading