البنية الجمالية والدلالة الأسطورية في ملحمة رقيم الفاو – اسامة غانم – الموصل

تحفر الذاكرة مع الرموز والأساطير – التي هي اساساً صوراً من التخييل – عميقاً في كلية النص الشعري لملحمة رقيم الفاو لتعلن عن تأسيس جمالية محسوسة تخضع للواقع المعمَد بالتجربة الشعرية التي تطمح الى تطوير البلاغة الشعرية ، التجربة التي ترتبط بزمنها والناضحة به التي ترتبط ضمناً بالوعي المؤسس لها والذي يؤدي الى فهم هذا الواقع وتأويله والسيطرة عليه موضوعياً ومن ثم اعادة بنائه وفق منظور تعددي ملحمي ، ليشكل مساحة كبيرة من ارضية النص ، ومانحة النص تماسكاً قوياً ، ونفساً طويلاً للاستمرارية ، بعيداً عن دائرة الترهل الفني ، والتكرار ، لتجعل النص يحتوي على طاقات ايحائية / دلالية ، وعمق الرؤية التاريخية وحيوية الخطاب الشعري ، وهذه العملية تشتغل تحت جدلية اتحاد الاسطورة بالجمالية ، وهي الجدلية التي خضعت لها كلية النص مع العمل على مغاليقه لأن الاسطورة هي الشكل ” التعبيري المعقد والمتغير والمفصح عن حال الانسان ازاء الحقائق الغامضة التي تحف به ” 1 ، كما يقول مرسيا الياو ، وهنا تبرز لنا دلالة تحدد علاقة الواقع بالاسطورة واستيعابها لهما ، مع موازنة ذكية بينهما ، فلا الواقع طغى على البنية الدلالية للاسطورة ، ولا الاسطورة جردت البنية الواقعية من محتواها الانساني ، فأن بنية النص في رقيم الفاو ، بنية منشطرة ، بنية عميقة لها استقلالها ودلالتها الخاصتين :
بسم الله
ومنْ جمرة صُلبي
منْ حقل ضلوعي
منْ سلة اغنيتي
منْ كرمة قلبي
نبني بغدادُ .
وبؤرة العمل مع المعنى يتحقق كنتيجة للتفاعل بين النص الشعري والمتلقي وتكون وظيفة التلقي من حيث هي جمالية لتصور الدلالة الكامنة في النص ، وتشكيل وعي جمالي بالنص محكوم بشروطه الثقافية – المعرفية – التاريخية ، وعندئذ يكون المتلقي المصدر النهائي للمعنى الشعري في الخطاب الشعري ، وبهذه الطريقة تتضح قيمته الجمالية في القصيدة :
اقواس
من جامع نور الدين
تصفق
بالظل
وبالضوء .
ويكون العنوان للنص ، المُفتتح الاولي للولوج اليه ، واستجلاء معانيه ، واكتشاف محوره والعمل على اضاءة النص برمته احياناً ، ويكون هذا العنوان بنية مؤسسة للدلالات المحتشدة في البنيات الفنية الايديولوجية التاريخية ، فرقيم الفاو يتألف من دلالتين تقبل كل منهما واقعاً عملياً مجازياً ، فالرقيم هو الاثر التاريخي الذي تدون فيه الذاكرة الجماعية ، بمعنى تدون فيه جوهر الانسان خلال سير التاريخ ، ويغتني بأستمرار بالمرجعيات والثقافات مع احتفاظه بدلالة وبقيمة ” وبقدرة على اثارة الانفعال الجمالي ” 2 ، فهو الذاكرة التي تكتسب الصيرورة والديمومة من الطين المفخور ، وكذلك الفاو :
الفاو
قبيلة ضوء
قافلة من الوان
موسيقى
تعزفها ريح الساحل
الفاو مدينة صغيرة تقع في اقصى الجنوب ، لكنها اكتسبت دلالة مجازية – رمزية ملحقة بالرقيم ، وهي تتضمن ذات الخصائص والقيم الموجودة في الرقيم ، وان الفضاء / العراق مختزل فيهما ، وهو الفضاء العملي الحقيقي لنص القصيدة – ولكنه متوارٍ وراء الدلالات الرمزية والاسطورية ، وما العنوان الا واجهة رمزية للعراق .
وظل العراق
كما ولدته الضفاف .
فتوح السماوات .
بسملة الكائنات .
بداية عصفورة
في نشيد البنفسج
وعملية التفكيك تحيلنا الى العبور من خلالها للفضاء / العراق ، لان استراتيجية رقيم الفاو تستخدم التحويلة الدلالية التي تتخذ شكل انتقالة من الجزء الى الكل ، بطريقة جدلية ، من الفاو الى العراق ، مما يجعل القصيدة تصريحاً سياسياً ، وتكون سلطته – اي العراق – وهيمنته السيميولوجية المسيطرة ، ويكون البؤرة التي تمد المقاطع بالحس الشعري الجمالي – الاسطوري ، وبها يعمل على تغطية مسافات القصيدة كلها ، وهكذا تكون بنية العنوان تناضل في شكل غامض ضد الانزلاق او الانحراف عن جوهرية الانسان .
وان الفاو – الذي هو العراق – يتشكل عند امجد محمد سعيد من فسيفساء ملونة شفافة ذات احجام واشكال واقواس مختلفة متلاحمة ، ( الفاو – قبيلة ضوء ) انها النهارات المشرقة والحياة التي لا تنطفي ، فيها الخلود والديمومة ، ( الفاو – قافلة من الوان ) انها التدفق والتنوع والتعدد ، ( الفاو – موسيقى ) انها الروح المتناغمة الابدية .
ومن الممكن قراءة هذا المقطع بطريقة مغايرة ومختلفة عن قراءته بالشكل الافقي ، أي القراءة بالشكل العمودي :
قبيلة ضوء
الفاو
قافلة من الوان
ومع ذلك تبقى الصورة الشعرية تمتلك سماتها الجمالية ، وتعطي للمتلقي رؤية واسعة ، وحرية كبيرة في التحرك ، والتأويل يتجاوز حدوده النصية ، مع بقاء الدلالة الرمزية ضمن حدود فضاء المقطع الشعري ، ولا تستعيرها من خارجه ، انها تتناسل داخله عبر جدلية النص المحكومة به ، وتظهر حقيقة ان التعامد في التعبير يخلق تعامدا في الفكرة ، لان التركيب يجمع ما بين ( القبيلة والالوان ) وما بين (الضوء والقافلة ) بشكل يدل على ان دوريهما لابد ان يكونا مختلفين .
وتأتي بغداد المدينة الحلم ، مدينة الذاكرة الاسطورية الخرافية ، المدينة المتشكلة في مصباح علاء الدين السحري ، في المقطع الرابع ، لتعمل على توحيد الدلالات الانشطارية في بؤرة واحدة ، مع العمل على اختزالها في اللحظة ذاتها ، مع انبثاق رؤية قرائية جديدة مضافة :
وقامت بغداد
اختصرت
تاريخ اللون
قبائل من نرجس
جغرافية الموسيقى
انها المدينة التي تتلاقى فيها الازمنة ، المدينة التي يتداخل فيها نصب الحرية بمسلة حمورابي ، المدينة التي انبثقت من النار الازلية لتكون مبتدأ الالواح التي انتجها العقل العراقي ، ليرسم معنى الحياة ولتتفتح فيها نوافذ الوعي الانساني على آفاق لا محدودة لتستوعب لحظة المستقبل ولطرق ” ابواب اليوتوبيا ” ، انها مدينة الحلم والواقع ، مدينة الحكمة والكلمة ، المدينة المسكونة بلغات العالم ، مدينة ليالي انكيدو السبع ، مدينة الف ليلة وليلة :
اللون
بغداد النرجس
الموسيقى
هكذا يشكل الشاعر اللوحة التكوينية لبغداد ، من ( اللون – النرجس – الموسيقى ) وهذه ما هي الا انعكاساً لصور رمزية توحي بتدفق دلالاتها وابعادها الاسطورية ، فبغداد لم تعد فضاءاً جغرافيا بل اصبحت فضاءا كونياً .
وعند مقاربة المقاطع الشعرية التي تتناول الفاو نعثر على الدلالات المشتركة التي يرسلها النصين ، متناسقة ، منسجمة مع بعضها ، عبر تفجر اللغة المستخدمة بوصفها نظام متكامل من الشفرات الجمالية ، مع احتمال تضمنها لدلالات متعددة ولقراءات مختلفة :
الفاو بغداد
قبيلة ضوء تاريخ اللون
قافلة من الوان قبائل من نرجس
موسيقى تعزفها ريح الساحل جغرافية الموسيقى
فقد اتضح لنا ان الفاو في النص هو العراق ، ولكن العراق في مقطع بغداد يغيب فيه ، ليصبح تورية ، لانه اساساً هو دلالة اسطورية ، انه عنقاء النص ، وهذا ما تكشفه لنا الاستراتيجية التأويلية في المقطع ، بأن بغداد هي العراق ، وسأقوم بقراءة بغداد / المدينة من خلال نصين في ذات اللحظة مستبطناً منهما نقاط الاختلاف والالتقاء فيهما :
بغداد
لمعت
في حلم ابي جعفر هي ذي بغداد
ذاكرة صوت التاريخ
لينابيع الزرقة النابع
فصل قناديل من بهجة اور
فنارا يهب الزورق ومن غيمة بابل
غصن سلام من ترنيمة اشور
كانت
نائية
خلف حدود الرؤية
كانت
غبشاً
بين سواحل مبهمة
كانت
افقاً بحرياً
تكون القراءة للنص الاول ، تاملية ، مستوى التركيب اللغوي فيها باطني ، غير مباشرة ، يكون الرمز الدلالي الاسطوري ذهنيا ، معانيه مغلقة ، أما قراءة النص الثاني فتكون فورية ، مستوى التركيب اللغوي ظاهري ، مباشرة ، يكْون الرمز الدلالي الاسطوري حسياً ، معانيه مفتوحة ، جاءت مفردة بغداد في النص الاول مسبوقة بالفعل ” كان ” الذي يعني مجازاً بأنها موجودة مع وجود العراق ، فالعراق و بغداد واحد ، أما في النص الثاني فمفردة بغداد سابقة لحرف الجر ” مِنْ ” بمعنى انها اختزلت الأمتداد التاريخي الحضاري كله فيها ، فاصبحت والعراق واحد .
وتظهر ثنائية واقعية – متضمنة للوظائف الدلالية الجمالية – في القصيدة بمستويين مختفي ومكشوف ، تحكمها موازنة و وعي ، وهذا الوعي يتكون داخل لغة النصْ الشعري ، فالثنائية المختفية هي نكون / لا نكون ، والثنائية المكشوفة الحياة / الموت ، لذا علينا الاعتماد على التأويل بغية اصطياد المعنى المستتر في النصْ ، والمتحول الى مدلول باطني ، لهو الكشف عن الدلالات الباطنية للمعنى ، وهذا يمنح النصْ دلالة مرصودة تجاه فضاء النص الشعري :
هيئة الصاروخ
والغزلان
اشكال البراعم
والرصاص
ثياب مولود
وقيثارة الشهيد
هنا تتأسس ثنائية المتوازيات المترادفة ( الصاروخ – الرصاص – الشهيد ) و ( الغزلان – البراعم – مولود ) ، هذه المتوازيات هي دلالة الموت / الحياة ، فالصاروخ والرصاص ينتج جحيم اسمه الحرب ، يخلف الموتى او كما يسميهم الشاعر الشهداء ، بينما الغزلان تعبير عن الانطلاق والحرية ، والبراعم تنتج التفتح والميلاد …ميلاد الحياة ، وما بينهما تتواجد الكينونة واللاكينونة .
وتكشف القصيدة عن وعي عميق لأهمية الالوان وتحولاتها في تجربة الشاعر المحكومة بطاقة المخيلة والواقع اليومي ، وتفجر هذه التحولات عند الاستخدام والقيام بتوظيف اللون كبنية تعيد تأسيس الواقع على هيئة رموز :
ازميلي
بيدي
وحقول المرمر
ملك يميني
ازرق
ابيض
اخضر
قداس حشود
لساحل اسمائي
الالوان هنا نابعة من ” المرمر ” وهي مملوكة له ، لأن المرمر كائن متحول في المقطع ، كائن خرافي ، والصفات اللونية رموز لها معان مرجعية / الازرق = السماء ، الابيض = الانسان ، الاخضر = الارض ، وهم المثلث المتناظر : السماء / المطر ، الانسان / الفعل ، الارض / العطاء ، الذي يرتكز عليه المرمر .
وتتقاطع بنية الازميل مع بنية المرمر في الصورة الفنية ، لانحراف اللغة التي تجعلنا نقوم بقراءة مجازية اخرى للنص ، ولمنحنا امكانية اخرى للانفتاح على قيمة المرمر الدلالية ، بينما الانحراف يعمل على ايهام المتلقي / القارىء بأعطاءه قراءة مظللة مبهمة ، وهذا يخلق علاقة تماثلية بين الازميل والمرمر ، ولتظهر لنا ان المرمر غير تابع الا لذاته الا لأسطورته .
وان قصيدة ( ما بين المرمر والدمع ) لــ امجد محمد سعيد تعتمد في بنيتها وتكوينها الفني على المرمر ، الدمع ، اللون ، المْستلة من قصيدة رقيم الفاو ، فالنواة التكوينية لقصيدة ( ما بين الدمع والمرمر ) كانت متواجدة في احشاء رقيم الفاو ، ونحن لسنا بصدد ذلك ، لان الموضوع يحتاج الى دراسة معمقة و واسعة ، فقط وددنا ان ننوه عن ذلك .
ان قصيدة ” رقيم الفاو ” هي الفضاء الجمالي – الاسطوري ، الذي استطاع ان يفجر مكبوتات الذات الابداعية في تلاحمها الملحمي مع افرازات الواقع اليومي بكل حمولاته المأساوية .
الاحالات :
1- محمد بن عياد ، التلقي والتأويل ، مجلة الاقلام العدد 4/ 1988 ص 13 .
2- هنري لوفيفر – علم الجمال ، ت محمد عيتاني ، دار الحداثة ، بيروت ص 44 .
*امجد محمد سعيد – رقيم الفاو ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد 1989.





