مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

 الخيال السردي: بين جدلية المحاكاة والواقع الراهن✍اسامة غانم

غلاف رواية "المُضَاحِصُون" لعَبَّاس خلف علي، يظهر صورة شفافة لشخصية غير واضحة مع خلفية تضم معالم تاريخية.

هل لا يزال للخيال دورٌ يلعبه في الثقافة المعاصرة ؟ وهل باستطاعتنا ان نحافظ على فكرة خيالٍ خلاقٍ ومسؤول في آن واحد في زمنٍ تزداد فيه التحديات التي تواجه ممارسة السرد من قبل تكنولوجيا المعلومات والمحاكاة ؟ وهل سنكون قادرين عل التمييز بين الصور الحقيقية والصور المزيفة ، تستحق هذه التساؤلات تفكيراً فلسفياً . واتفق مع الرأي القائل بأنها تستحق ذلك في إطار هرمينوطيقا نقدية تستند الى وجهة نظرٍ مفادها ان الخطاب السردي يتضمن أحداً ما ، يروي شيئاً ما ، لأحدٍ ما ، عن شيء ما “1 .

وهنا ، امام هذه التساؤلات التي تجعلنا في وضع المحتاج دائماً لمصطلح بول ريكور الذي صاغه في كتابه ” فرويد والفلسفة ” 1965م ، الذي هو ” هرمينوطيقا الشك ” ، وقد استلهم ريكور هذا المنهج التأويلي النقدي من ثلاثة مفكرين وصفهم بأنهم ” اسياد الشك ” : ماركس ( شك في الوعي كأيديولوجيا تعكس مصالح طبقية )، وفرويد ( شك في الوعي كونه خاضعاً للاوعي والمكبوت )، ونيتشه ( شك في القيم الاخلاقية عبر جينالوجيا الأخلاق ) ، وبما ان هذا المنهج يسعى الى تجاوز المعنى الظاهري المباشر للنصوص بغية الكشف عن المعاني الباطنية ، المخفية ، المطمورة ، عليه ستكون هنا السرديات غالباً ما تعمل بصفتها تمثيلاً للسلطة ، مما يستدعي ضرورة مواجهتها بسردياتٍ مضادة لكشف وتعرية ميولها التعسفية ، ومن ثم عَكْسِها أي الاشتغال على السرد والسرد المضاد . لأن هذه السرديات المضادة : هي من تنبش التاريخ وتحاكم السلطة الحاكمة ، المتنفذة ، أو أية سلطة قامعة .

إن ما نحتاجه هو جدلية – تأويلية بين فكر نقدي وخيال خلاق ، لإنتاج رؤية معمقة شاملة ، تتدفق من خلالها الأشياء بكل شفافية ووضوح ، رغم ان ”  التأكيد على الجانب التأويلي من قبل القارىء تجاه الرواية ما بعد الحداثية له معنى عظيم الأهمية ينبع من أنّ جعل الرواية عملاً متطلباً وعصياً بعض الشيء عل الفهم المباشر إنما يعمل على رفض الخواتيم والنهايات المقفلة المبسطة للروايات الواقعية ، الأمر الذي يتطلب جهداً اكبر من جانب القارىء الذي غدا يلعب دوراً اساسياً في تقرير الغايات التي تبتغيها الرواية ما بعد الحداثية “2  .  اما من حيث الخيال السردي الذي هو إمكانية المؤلف على خلق عوالم، شخصيات، وأحداث من وحي خياله، حيث يُمزج الواقع بالخيال لإضفاء المتعة وتشكيل “متخيل سردي” قد يتوافق مع الواقع أو يتجاوزه .

لقد زعمت ليندا هاتشيون أن الأدب ما بعد الحداثي برمته يمكن وصفه بعلامات الاقتباس الساخرة، وأن الكثير منه يُمكن اعتباره تهكمًا. هذه المحاكاة الساخرة ، إلى جانب المحاكاة الساخرة ومفهوم “اللعب” بشكل عام ، تُعد من أبرز سمات ما بعد الحداثة. ورغم أن فكرة توظيف هذه العناصر في الأدب لم تبدأ مع ما بعد الحداثيين (إذ كان الحداثيون غالبًا ما يتسمون باللعب والسخرية)، فقد أصبحت سمات أساسية في العديد من أعمال ما بعد الحداثة. عليه ادعى بودريار ، ان المجتمع الحالي قد استبدل كل الواقع والمعنى بالرموز والاشارات ، واصبحت التجربة الإنسانية هي محاكاة الواقع .

لقد اطلاق الروائي عباس خلف تسمية غريبة بعض الشيء على روايته حيث أسمها ” البصَاصون ” ، مما يعني ان هنالك قصدية عميقة في تسميته للرواية حيث تشير للماضي / الحاضر . وفي اللغة ، البصاصة هي العين التي تدقق النظر ، والبصاص هو كثير التطلع والتجسس . أي هم الجواسيس ، الوشاة ، المخبرون الذين يتتبعون الاخبار وينقلونها ، وهنا المهم في هذه الكلمة الاستخدام السياسي الذي يطلق على المخبرين أو الجواسيس الذين يكتبون تقارير على الناس ، خاصة في سياق المراقبة وتلفيق الاشاعات . ولقد اطلقت في عهد المماليك تسمية ” البصاص ” ، وهي كانت وظيفة معروفة في مصر المملوكية ، تتوارثها معانٍ سلبية تعني الفتان او الواشي ، وفي الوقت الحالي تعني ” الخباص ” .

والملفت للنظر ان الروائي قام بالاشتغال في ذات اللحظة على الوقائع التاريخية والاحداث الحاضرة ، لتشابهة الكبير ، لذا دمج الماضي بالحاضر ، فكان السرد ، متداخل ، متنافذ ، فيما بينهما ، واصبح كليهما يستمد ” قوته من المشابهة مع الواقع اكثر مما يستمدها من أي حقيقة موضوعية ، وكلاهما يتم التعرف عليه بوصفه تركيباً لغوياً ، يخضع بقوة للمواضعات في كله السردي ، ويبدو كلاهما متناصاً بالمثل ، ينشر نصوص الماضي ضمن نصانيته المعقدة “3 :

” المؤلف ، أخذ يحاكي هذه الفترة مما أشرت الى بعض وقائعها وليس كل ما جرى في زمن التلصص والحرامية ، وسراق قوت الفقراء بل جزء منه استند عليه ، مما أوردته أن الحكم بمجمله انتهازي ومرائي ومجافي للحقيقة تصور حتى السلطان مرتشي والأدهى من ذلك كان بعض الامراء يستغل عواطف الناس الدينية ويضرب على هذا الوتر بغية شراء ذممهم – ص 9 الرواية  ” .

   ومن أجل العمل على تركيز الفكرة وتعميق المعنى ، ذهب الروائي عباس خلف الى اطلاق كلمة ” سِفرٌ ” على الفصول ، وجعل الرواية تتكون من ثمانية اسِفار ، ولو علمنا ان السِفر ” اسم بكسر السين ” معناه الكتاب العظيم أو المجلد ، اما لغوياً يرتبط  معنى ” سِفر ” بالظهور ، الكشف ، والوضوح . ووضع لكل سِفر عنوان رئيسي بالإضافة الى عنوان ثانوي يشير الى المحتوى السردي ، وبعض الاسفار ارفق معها تاريخ الاعوام :

1-سِفرالرحلة : شلة المماليك .

2- سِفر التاريخ ” ابن إياس ” .

3- سِفر التجلي : ما يقطفه الحلم من النافذة .

4- سِفر التدوين : قنوط وترقب يشارفان ان يحكما قبضتهما . حسن الوزان 2005 .

5- سِفر الحواشي : متى تصيح بي الأمنيات 2001 .

6- سِفر الرمل : شلة الاصدقاء / تقدر وتضحك منك الاقدار 2007 .

7- سِفر الهروب : كاسرة الوهم .

8- سِفر جنة عدن .

       تبدأ الرواية بجملة اخبارية صادمة ، عن شخص لا يثير الاهتمام ولا يلتفت اليه أحد نهائياً ، كانه غير متواجد في المكان الذي يكون فيه ، اسمه ” مشكور حمادي ” ، وهو الشخصية الرئيسة في العمل كله ، يقول عن نفسه ” ربما أنا المنسيٌ الوحيد الذي يرى كلٌ شيء ولا يقوى على القول الإ لماما ، أقتصد بالكلام قدر الإمكان ، بعض الأحيان أكتفي بالإيماءة ، لي لسان وشفتان ولكن غير متحررين ، وعليّ أن أبقى هكذا حتى يؤذن لي .. متى ؟ لا أعلم .. ربما ما شاء الله .. وعليّ أن أحتمل – ص 5 الرواية ” .

وهذه الشخصية ، تذكرني بشخصية روائية قد قمت بالقراءة عنها ، عندما كنت طالباً في المتوسطة ، اعتقد في كتاب اللامنتمي لـ كولن ولسن ، للروائي النمساوي روبرت موزيل ” 1880 – 1942 ” ، واسم الرواية ” رجل بلا صفات ” والبعض ترجمها ” رجل بلا سمات ” THE MAN WITHOUT QUALITIOS ، بطل الرواية يدعى أولريش، وهو في الـ 33 من عمره وأحداث وزمن الرواية في آب 1913، أي عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى. تراوده مشاعر وأحاسيس بأنه (ولد مع رغبته في أنه سيصبح رجلاً عظيماً)، إلا أنه يعجز عن تحقيق هذا الحلم، فيتخلى عن عمله، ويجلس في المقاهي يتأمل هذا الحلم. لكنه يصطدم بعصر التحولات، ويكتشف أولريش أنه غير قادر على اتخاذ موقف يخصه، فيكتفي بدور المُشاهد السلبي الذي يجلس في مقهى الحياة ويستغرق في التأمل، من دون أن يكون له موقفٌ أو سِمات، ويسعى إلى أن يفهم نفسه بطريقة أخرى .

لذا حالما بدأت اكتب عن  شخصية ” مشكور حمادي ”  ظهرت امامي شخصية ” اولريش ” ، رغم ان هنالك اختلافات عديدة بينهما ، نعم ، ولكن القاسم المشرك واحد بينهما : اللا انتماء ، والشعور بالخواء ، وعدم الاستطاعة في اتخاذ موقف مهما كان ،التناقض الحاد في الافعال. والاختلاف الجوهري عند ” مشكور حمادي ” هو انه موظف في قصر ضخم بحيث ” ان صاحب القصر هو شخص لا احد يجرؤ عل ذكر اسمه اطلاقاً – ص 23 ” . وغرفته تقبع في الطابق السفلي تحت السلالم . وحتى عندما يغيروا وظيفته يبقى في غرفته ذاتها وليحولها الى وكر تجسس على الاخرين صورة وصوت ، أي ليعيد ” إنتاج هذه الغرفة التي تتجسس على جميع من يسكنوا في القصر ، ما الذي دعاني الى قبول هذه المهنة ، وكيف سمحت لنفسي أن أقبل بها طوعاً لا مرغماً – ص 28 الرواية ” . ومتصورا انه عندما يكتب على باب الغرفة ” القلم السري ” سوف تنطلي الخدعة على بقية موظفي القصر . ورغم امتعاضه من هذه الوظيفة الا انه ينغمس فيها الى حد القرف والاشمئزاز من ما وصلت اليه إنسانيته ان كان هناك بقايا منها :

” تذكرت مسخ ” كافكا ” أهون ، تحول الى حشرة بينما أنا بقيت إنساناً وعقلي هاجسه المتناقضات ( الرفض والقبول والإنكار ) إني لم أكن مختلاً ، وأنا أتجرأ على كل ما هو منافي لطبيعتي الساكنة والهادئة ، كل التقارير التي ارفعها تقوم على مبادىء الخيانة ، وأكثر الأشياء التي تفننت فيها اخرجت حقدي وجام غضبي بالتلفيق ، لم أعد أستحي من نفسي ، فكنت أكره من يقابلني واضحك كذباً مع الآخرين – ص 85 الرواية ” .

إن رواية ” البصاصون ” لا تكتفي بنقل الواقع أو تمثيله ، بوصفها خطاباً سردياً ، بل تعمل على اعادة تشكيله وفق رؤية جمالية فكرية ، وتخريج التداخل الكبير الحاصل بين الازمنة التاريخية من جهة ، وبين الازمنة والسرد الروائي ، يكشف عن جدلية خصبة بينهما :

” نظرتٌ في عيني ذلك المؤرخ الصبور مليّا وقلت على الفور ، انك عاصرت فترتين العهد المملوكي والعصر العثماني ماذا اضاف اليك ” جمال الغيطاني ” في روايته – الزيني بركات – ؟ قال بلا تردد : إنَ معشر الكٌتّاب لا سيطرة عليهم في تناول الموضوعات ، لديهم خيال لا يتوقف ، خصب ، يفوق ما يحدث في الواقع ، فالتاريخ الذي نعرفه غير ما يتبناه المؤلفون فهم يرون ما يناسبهم لمحاكاة شخصياتهم – ص 8 الرواية ” .

على القارىء ان يتمعن في هذه اللوحة الحوارية التي رسمها الروائي ، ما بين الشخصية الرئيسة ” مشكور حمادي ” التي تعيش في بداية القرن الواحد والعشرين وبين المؤرخ المصري ” ابن إياس ” المولد في القرن الخامس عشر ، وهما جالسين في مقهى ” الفيشاوي ” بحي الازهر الذي يرتاده الكثير من الأدباء والمثقفين المصريين والعرب ، يدور بينهما حديث عن الروائي جمال الغيطاني وما الذي اضافه في روايته الى ابن إياس ، لوحة مرسومة بريشة الواقعية – السحرية ، وليس ذلك فحسب ، وعلى هذا المنوال حتى اولاده قد أسماهم بأسماء الشخصيّات الروائيّة التي قرأ عنها ، ولشدة انجذابه وايمانه في التشابه الكبير في الاسقاطات التاريخية والواقع العراقي التي ضمنها في رواية ” البصَاصون ” وهم : ابن إياس – حسن الوزان  – أسوف ، ابن إياس ، خريج علم الحاسبات ، بقيَ بعد التخرج يعمل في مكتبة ابراهيم الصلال ” جنة عدن ”  ، يمقت التاريخ ويشمئز منه ، و ” حسن الوزان ”  يعمل في صحيفة ، يهتم بالفضائح لأن بدونها لا يستلم فلساً من محاسب الصحيفة – بالطبع للأخير لا نعرف اسم الصحيفة – وأسوف خريج اكاديمية الفنون الجميلة قسم النحت .

بينما في الوقائع التاريخية غير ذلك ، ويتبين ان الروائي قد قام بختيار شخصياته الثلاث ، بعناية فائقة ، لأسباب تتعلق ، لتشابه ظروفهم الاجتماعية والسياسية والفكرية ، وطروحاتهم الايديولوجية . ابن إياس ” 1448 – 1523م ” ، هو ابو البركات زين الدين محمد بن احمد ، ابرز مؤرخي مصر في نهاية العصر المملوكي ومطلع العثماني . اشتهر بكتابه الموسوعي ” بدائع الزهور في وقائع الدهور ” الذ وثق فيه بدقة انهيار الدولة المملوكية ودخول العثمانيين مصر كمحتلين عام 1517م .امتاز تدوينه للوقائع التاريخية عن غيره من المؤرخين بالنزاهة والموضوعية وإثبات الحقيقة دون مُحاباة أو تحيّز لاستخلاص العبر من مجريات التاريخ مع أنّه كان يكتب تاريخ عصرٍ كان قومه من الشراكسة هم حكامه وسلاطينه، أي تاريخ عصر السلاطين الشراكسة في مصر وبلاد الشام. ومما ساعد المؤرخ الكبير ابن إياس على التفرّغ لتدوين الحوادث التاريخية بموضوعية وحرية أنه كان يعتاش من إقطاع ممنوح له لكونه من أولاد الناس (أبناء الأمراء المماليك).

ففي رواية “الزيني بركات” (1974)، لم يكتفِ جمال الغيطاني بنقل التاريخ عن المؤرخ ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” ، بل قام بإعادة صياغته وتطويره ليحوله من مجرد وثيقة تاريخية إلى عمل إبداعي معاصر. وأبرز ما أضافه الغيطاني لتاريخ ابن إياس هو تحويل الشخصية من “خبر” إلى “نفسية”: بينما ذكر ابن إياس الزيني بركات كشخصية تاريخية موصوفة بالمكر والدهاء في الحسبة، غاص الغيطاني في عمق هذه الشخصية، محللاً دوافعها، ومصوراً صراعها الداخلي، وكيفية إدارتها لآلة القمع، مما منح الشخصية أبعاداً إنسانية ونفسية لم تكن موجودة في السرد التاريخي المجرد .

الحسن بن محمد الوزّان الزياتي الفاسي والمشهور بليون الأفريقي أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي (1488م – 1554م). هو جغرافي ورحالة ” وجاسوس ” ، اُشتهر بتأليفه الجغرافي في عصر النهضة،. يُرجّح البعض أنه ينتسب إلى قبيلة زناتة الأمازيغية، عاشت أسرته حقبا من الزمن في الأندلس، وولد هو بمدينة غرناطة قُبيل سقوطها في يد الأسبانيين. يختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادته، فيجعلها بعضهم عام 901 هـ / 1495م وبعضهم عام 906 هـ / 1500م. وانتقل للمغرب للعيش بفاس، حيث تلقى تعليمه في الكتّاب ثم في القرويين، تقلد وظائف سامية وهو لايزال يافعا، وأرسل في بعثات عديدة أيام الوطاسيين داخل المغرب وخارجه، وأصبح سفيراً لسلطانها محمد البرتقالي في سفارة مَرَّ بها على تمبكتو وممالك أفريقيّة أخرى، وقد زار كذلك مصر وإسطنبول في رحلاته كما حج أثناء إقامته في غرب آسيا، ثم سقط في الأسر خلال توقّف سفينته في جزيرة جربة، وعندما انتبهوا إلى مكانته وتعرفوا على شخصيته ،اقتيد إلى روما كهدية للبابا ليون العاشر الذي حمله على اعتناق المسيحية ، والبقاء لتدريس العربية في روما، التي كتب فيها مجموعة كتب في اللغة والأدب والجغرافيا أشهرها كتاب «وصف أفريقيا» الذي تُرجم للعربية ونشر في عام 1399 هـ / 1979م على يد د. عبد الرحمن حميدة. لم يعلم هل مات في روما أم لا وإن كان الغالب أنه قفل راجعا لتونس ليعيش في دار الإسلام دون أن يشتهر في الجانب الإسلامي كشهرته في الغرب .  

وكتب الروائي اللبناني امين معلوف رواية ” ليون الافريقي ” صدرت عام 1986م في باريس ، ولقد اشتهرت هذه الشخصية من خلال رواية معلوف كالهشيم في النار ،  تسرد الرواية سيرة ذاتية تخييلية بلسان بطلها ” حسن الوزان ” . فمعلوف روائي متعدد الهويات والألسنة، اضطرته ظروف الحرب الأهلية اللبنانية إلى الاغتراب بفرنسا، وهو ما يطابق شخصيته مع ليون الإفريقي في بعدي الهوية المتعددة / واغتراب المثقف .

هل من الممكن ان نعثر على خيط الارتباط ما بين الشخصيات الروائية الموجودة في النصوص الادبية  ؟ وبين الشخصيات الروائية الموجودة في ” البصَاصون ” ، وبين النص التاريخي ، باستثناء تشابه الاسماء ؟  .

لنأخذ مثالاً على ذلك ، عندما يذكره ابراهيم الصلال امام اخيه إياس قائلا له : ” لا تجعل ” حسن الوزان ” يخطو في مسار التهور ، وانت أدرى ما سببَ لنا من مضايقات لا ناقة لنا فيها ولا جمل حينما كتب مقالاته عن ” ليون الافريقي ” واحتراق الكتب وموضوع البصَاصين الذي حول فيه كل السلطات الى عبارة عن ” واشي ومرتشي ” – ص 173 الرواية ” .

اما شخصية ” اسوف ” ، بطل رواية ” نزيف الحجر ” للروائي الليبي ابراهيم الكوني ، نُشرت في الأصل عام 1990 وأعادت نشرها في يناير 2013 م دار النشر المصرية اللبنانية. تحكي الرواية قصة اسوف، وهو بدوي وحيد يحب الصحراء ويحترمها ويتعاطف مع مخلوقاتها. يعرف اسوف بالضبط المكان الذي يمكنه أن يجد فيه حيوان الأروية، وهو خروف بري معروف بلحومه، ويعيش في الصحراء الجبلية النائية في جنوب ليبيا. لكن يجد اسوف نفسه مهددًا هو وحيوان الأروية مهددان من الصيادين الذين ذبحوا بالفعل أعدادًا غفيرة من غزال دوركاس الصحراوي. تعكس الرواية هروب الإنسان من زيف المدينة إلى طهر الصحراء، وتناقش قضايا الهوية، الوجود، والاغتراب من خلال مزج الواقع بالخرافة والميثولوجيا .

يعثر على أسوف العراقي ميتاً  ” مغموراً في رمال الصحراء وكان ابوه من قبلٌ ، قد وجد مٌختنقاً فوق سريره في ردهة المصح . والأم التي افترستها الأمراض ولم تمهلها ساعة – ص 173 الرواية ” . ولكنه كان مبتلى في لعب القمار ” الروليت ” . وشرب الخمر ، والخيانة العميقة المؤلمة من قبل اولاد نرجس الذين كان يعتبرهم اخوة له ، وخيانة لمى وخيانة التعبير له ، هذا كله جعله يشعر بقوة بالقبح في نفسه ، والإحباط ، وان القادم مجهول :

” أولاد  ” نرجس ” الذين أحسبهم إخوتي في تلك الجلسات ، كانوا يظنون أنني لستٌ في كامل قواي العقلية عندما يقايضون القطع المعدنية الصغيرة وليرات الأميرات والحلي القديمة بالعملة الصعبة ، ثم يدخلون في حسابهم أمامك مبلغاً زهيداً والباقي لا أدري كيف يتبخَر ، كان ذلك يحصل أمامي وأحاول أن أدفنه في اعماقي بالكتمان ، كيف لا وهم أبناء من وهبتني الحياة ، وكلما أشعر بأنكِ تستدرجيني لا افرط بما أراه وأسمعه – ص 148 الرواية ” .  

وفي رواية ” نزيف الحجر ” يدفع ” أسوف ” الليبي ثمن الاختيار ان يعيش حراً طليقاً في الصحراء ، كان الثمن حياته لها ، وهذا كان الثمن الذي دفعه الوالد ايضاً ، لان لا معجزات في الصحراء . اذا وقعت في الفخ لن تخرج منه وحدك ابداً ، واذا لم يكن الأمر كذلك فتقبل مصيرك بطيب خاطر . مرفوع الراس ، فسوف تموت ، تموت ، الآن ، أو بعد يوم أو ايام أو.. ما اقسى الحياة ! نعم ، يصبح باستطاعته رؤية الموت وجهاً لوجه ومغادرة ابيه جسده تاركاً شر العالم :  

” خيل اليه ان رائحة غريبة غزت انفه فجاة . قفز قلبه ، واستولى عليه الغثيان الصداع ، ازدادت الصخور ارتفاعاً وحدة وسواداً كلما اقترب من القمة في صعودي الجنوني كان يتسلق بيديه ورجليه معاً . ازدادت رائحة العفن . وتحت القمة المشؤومة بالضبط ، بجوار صخرة مستطيلة امتدت عبر السفح بضعة أذرع ، وجد العجوز راقداً على ظهره ، وجه يتجه نحو السماء . لا اثر لنزيف ، ولا بقعة دم ، باستثناء خدوش في يديه الممدودتين بموازاة جسده . لقد كسر الحيوان المسكون رقبته ، كما كسر هو يوماً رقبة ذلك الودان الذي انتحر “4 . 

إن ما بعد الحداثة تخلط عمداً فكرة كون مٌشكلة التاريخ هي التوثيق ، بينما مشكلة المتخيل الصدق ، ان كلا هذين الشكلين من اشكال السرد يشكل ما اطلق عليه البروفسور والروائي الامريكي إي إل دوكتورو ( 1931 – 2015 ) ” تأمل العالم من أجل تقديم المعنى ” فيقول :

 ” أحداث الماضي يمكن تبديلها . التاريخ تعاد كتابته . حسناً ، لقد اكتشفنا تواً أن هذا ينطبق على العالم الواقع أيضاً … ربما يتغير التاريخ الواقعي بصفة مستمرة ، لماذا ؟ لأن التاريخ متخيل ، إنه حلم في عقل البشرية، يسعى دائماً … الى ماذا ؟ إلى الكمال ” 5 .

أخيراً ، نتوصل الى أن من يقرأ رواية ” البصّاصون ” ، يجبره عباس خلف ، على قراءة ( الزيني بركات – ليون الافريقي – نزيف الحجر ) ، لمعرفة ما يجري في الاحداث المذكورة من مديات عمق التناص بين النصوص الأدبية من جهة ، والنص التاريخي من جهة أخرى . لقد اضاف عباس خلف رؤية سياسية معاصرة . مستخدماً الشخصيات الروائية المختلفة لإسقاط الأضواء على ما يمر به العراق حالياً ، الرواية ليست مجرد سرد للماضي ، بل هي نقد ظاهرة القمع ، وتكميم الافواه ، والخوف ، وتدجين البعض من المثقفين العراقيين ، والاستبداد الذي يمارس باسم الدين والمذهب . وتعدد الرواة جعل القارىء يرى الحدث الواحد من زوايا مختلفة ومتعددة ، مما أضافة عمقاً حوارياً .

الهوامش والاحالات

1-ريتشارد كارني – بوطيقا الحداثة : نحو خيال هرمينوطيقي ، ترجمة : عدي جوني ، فواصل للنشر والتوزيع ، اللاذقية / سوريا ، 2022م ، ص 159.

2- روبرت إيغلستون – الرواية المعاصرة : مقدمة قصيرة جداً ، ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي ، دار المدى ، بغداد ، 2017م  ، ص 73.

3- ليندا هاتشون – شعرية ما بعد الحداثة : التاريخ ، النظرية ، المتخيل ، ترجمة : السيد إمام ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، 200م ، ص 161 .

4- ابراهيم الكوني – نزيف الحجر ” رواية ” – دار التنوير للطباعة والنشر ، بيروت / لبنان ، ط3 ، 1992م ، ص 33 .

5 – ليندا هاتشون – م . ن . ص 168 .

*عباس خلف علي – البصَاصون  ” رواية ” ، مؤسسة الامة للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2023م .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading