الكاتب والقارئ والنص جدلية نقدية في سرد عزت القمحاوي✍سيد الوكيل

إذا كانت القصة القصيرة، ابنه حدس اللحظة، فمعنى هذا أن الكتاب الذي يحوى عدة قصص، هو في الواقع تمثيل لمستويات من السرد، مختلفة في تقنياتها ، وأساليب الحراك اللغوي فيها، وموضوعاتها، بل وأبنيتها السردية.غير أن كل هذا التعدد، لا يمكنه أن يظل في النص الواحد متجاورا كوحدات سردية صغرى، معزولة عن بعضها البعض، بل عليه أن يدخل في علاقات دلالية متساوقة، أو بمعنى أدق أن تتفاعل كل هذه العناصر فيما بينها، لتمنحنا نسيجا واحدا. غير أن هذا النسيج لا يحرمنا من انفراد كل دلالة بذاتها، فقط هو يخلق نظاما بنائيًا، أو بمعنى أكثر دقة إيقاعا سرديا محكما، هو البديل لمفهوم الحكبة الذي يقوم عليه بناء الرواية التي تحتاج بطبيعة معمارها الكبير، إلى تصميم مسبق يرسم ملامحها ويحدد هويتها.
حتى وإن بدت القصة في بنائها مخلوقا صغيرا، لكن البناء الإيقاعي يمنحها هوية مكتملة. ولعل هذا البناء الإيقاعي، هو بالتحديد ما يسميه باشلار بحدس اللحظة، الذي يعني به، الطاقة المولدة للشعور لحظة الإبداع وكأنها روح جديدة تلبس الكاتب. هذه الطاقة – التي لا تفني ولا تنشأ من العدم – تتسرب داخل النص وتنتقل إلى المتلقي. في الواقع نحن نفرق بين الرسالة التي تحملها القصيدة وتلك التي تحملها الرواية. فالأولى شعورية والثانية موضوعية. لهذا فالقصة القصيرة بوصفها فنا بينيا يتعين عليها أن تنتج موضوعها عبر تيار من الشعور، بحيث لا يشعر القارئ بوطئة الحدث كأنما كل شئ يحدث هنا والآن وبلا بداية أو نهاية.
ومن ثم يظل النص القصصي واعدا بدلالات مخبوءة، قد لا تعلن عن نفسها بوضوح في وعي كاتبها، لكنها تمنح القارئ فرصة إنتاجها وفقا لحدسه هو. بعكس البناء الروائي، الملتزم بوجهة النظر، ويستهدف قيادة القارئ إليها.
إن وجهة النظر هذه هي التي تعلن عن هوية الرواية. لهذا يمكننا أن نصف رواية ما بأنها تاريخية، أو سياسية أو نسوية.. إلخ. فيما لا يمكننا، أن نحدد هوية القصة على نحو اصطلاحي يتفق عليه الجميع، تظل القصة ابنة حدس اللحظة ليس في كتابتها فحسب، بل في تلقيها أيضا.
إن الإيقاع المُنتج عبر لحظة كتابة القصة، هو تجسيد لتوترات الذات المبدعة إزاء موضوع الكتابة. ونظرًا لتفاوت مستويات التوتر – من لحظة إلى أخرى – لدى الكاتب الواحد، تتفاوت مستويات السرد داخل الحكاية الواحدة. فكل لحظة توتر هي انحراف جديد في مسار الحكاية. هذا ما يمكن أن نلمحه بوضوح في مجموعة قصص ( السماء على نحو وشيك ) للقاص والروائي عزت القمحاوي، بينما لو تأملنا روايته (غرفة ترى النيل ) سنشعر بأسبقية التصميم تقود الكاتب والقارئ معا. أما في قصصه فأنا مدعو إلى بوفيه مفتوح.
أنا شخصيًا، انفتحت شهيتي، وسال لعابي عندما قرأت قصة ( الموقد ) لكن هذا شأن شخصي، لا يعني أن المأدبة التي نزلت من السماء على نحو وشيك، لم تكن حافلة بالكثير والمتنوع من القصص. بقدر ما يعني حقي في الاختيار. هذه حالة من التلقي أكثر فاعلية، تنشأ عن حدس قرائي لا يقل أهمية عن حدس الكاتب. بمعنى أن حكم القارئ يمكنه أن يغض الطرف عن أحكام القيمة، وأي معيارية مسبقة مهما تسلحت من منطق أو منهج. إنه يخضع لآليات تلقي مختلفة تماما عن آليات الناقد تدخله في علاقة جدلية مع النص والكاتب معا.
في الواقع، لو سألتني لماذا قصة الموقد بالتحديد؟ سأقول لك لا أعرف. ربما لأنها منحتني كلمة السر للدخول إلى عالم عزت القمحاوي. يمكن لـ ( أيزر ) أن يعرف هذا أكثر مني ومنك بوصفه صاحب نظرية القارئ والاستجابة. ميكانيزم الإبداع مراوغ وماكر، يبطن أكثر مما يظهر. تخيل أنك تمشى في مكان لا تعرف عنه أي شيء، فارغ تماما من البشر، ومن أي علامات تدلك على هويته، أنت وحيد وتائه، ثم فجأة آنست نارا لعجوز وحيد أيضا يجلس أمام موقد، يحدق في النار كأنما يستنطقها. هذا مارأيته بالضبط وأنا اقرأ القصة.. وعندما انتبه لوجودي دعاني على كوب شاي. كان يستدرجني لأسمع حكاية لا تهمنى عن موقد اشتراه بعشرة جنيهات. هذه الحيلة هي ما تأسست عليه قصة: الموقد.
. ليس ثمة قضية هنا. فقط عجوز يثرثر بكلام عن تاريخ الموقد. وليس ثمة وجهة نظر ولا رسالة واضحة يرغب الكاتب في نقلها إلىّ أنا القارئ. هذه الحيلة جعلتني مشغولا أكثر بالبحث عن جدوى الحكاية. في الواقع أنا أيضا وحيد وتائه، في حاجة إلى كوب شاي وحكاية تشغلني عن همومي، فلماذا أبحث عن جدوى الحكايات؟ في الحقيقة هي حكاية واحدة، لكن لديها قدرة عجيبة على تغيير مساراتها، لتصبح حبلى بحكايات صغيرة. يحكي عن قدرة الموقد على بث الدفء في ليالي الشتاء، على إنضاج كوب شاي مظبوط، وفنجان قهوة يعدل المزاج. إنه أخف وزنا من الموقد القديم، لا أحد كان يمكنه حمل الموقد القديم غير محمود، لكن محمود مات. أما هذا فالأولاد والأحفاد يمكنهم حمله عندما يأتون لزيارته، يتحلقون حوله للدفء، ربما، لشواء كيزان الذرة.. اللحم أيضا.. لما لا؟ هو قادر على أن يمدهم بكثير من أسباب السعادة. السعادة إذن متاحة وبثمن بخس ” انظر! بعشرة فقط، وصغيرة. أفضل من الشواية الكبيرة. خفيفة وتكفيني. ماذا أصنع بالكبيرة؟ لا أستطيع حتى أن أحركها من مكانها. هذه سهله الحمل…”
الشاهد السابق هو أول مقطع في النص، ولكنه يستعصي على النقاد الذين اعتادوا الطرق على عتبات النص، سحقا لجيرار جينت، أنا حصلت على كلمة السر، النص أعطانيها بدون الوقوف على عتباته. فلا معنى لها هنا.. في الواقع ليس ثمة بداية ولا نهاية في هذا النص. كل شيء يحدث هنا والآن، أمام عينيي أنا القارئ، أنا مشارك فيه، بل أنا جزء منه الآن، صاحب الموقد يخاطبني أنا. سأجلس معه أمام الموقد وأستمع لحكايته.. فقط أستمع. واستمتع بدفء النار ورائحة الشاي المغلي.. ما أهمية العتبات هنا يا سيد جيرار جينت؟ هه؟ ليس ثمة مكان أصلا ولا أبواب مغلقة يمكنك أن تخمن أين يجلس صاحب الموقد..على قارعة الطريق؟ على رأس غيط؟ أظنه أمام البيت، في الخارج.. في كل الأحول ليس ثمة عتبات، لهذا سوف يباغتك بأن ثمن الشواية عشرة جنيهات فقط، وكأنك كنت هنا من قبل، وكأن الحوار كان ممتدا بينكما قبل لقائك به!! لهذا ليس ثمة بداية وليس عليك أن تتوقع نهاية. لا معنى للسؤال عن بداية أو نهاية هنا.. أنت بالفعل في قلب الحدث.. أنت الآن واحد مش شخصيات النص ولست مجرد قارئ. ” تشرب قهوة؟ شاي؟ كل شيء هنا، لن أتعب، كل شيء هنا. وهذه القصعة خفيفة ومريحة وبعشرة جنيهات. سبحان الله! تعرف؟ اشتريتها صدفة. من ستة أشهر؟ لا؟ يمكن من سنة؟ غريب! لم أعد أتذكر”.
أنا القارئ.. أعي أنني مجرد قارئ. وأجلس هنا والآن أمام شخصية في نص سردي، الكاتب لم يذكر شيئا عن أبعاد الشخصية، ملامحه، عمره، بيئته الثقافية. فقط وضعني في مواجهة معه. إنه يحادثني بحميمية وتلقائية كأنه يعرفني من زمن. يتكلم بهيام عن شواية.. إنها مجرد شواية.. لكن يبدو أنها تعنى له الكثير. غريب هذا الرجل.. يتذكر بدقة أن ثمن الشواية عشرة جنيهات، ولكنه لا يعرف متى اشتراها. لا بد أن علاقته بالزمن مضطربة، لابد أنه رجل هرم كل ما تبقى في رأسه هذه الشواية، كأنها محور حياته… ماذا تعنى شواية بدائية الآن؟ وما حاجتنا إليها في الحياة المعاصرة؟ مجرد وعاء من الصاج يضع فيه الحطب، يحدثني عن أحفاده وشغفهم بالشواية؟ ألا يدرك أن عصر الحطب قد انتهى؟ الناس الآن يستخدمون شوايات كهربائية وهو مازال عالقا في عصر الحطب يقول ” أصبحت قديمة، تُسرِّب الرماد، أكلتها الباروما من ناحية أو من ناحيتين، لا أعرف. تحتاج إلى سمكري، لكنها تحتاج إلى سيارة لنقلها، محمود ممكن يأخذها إلى السمكري، عنده صبر لهذه الأشياء. ممكن السمكري يضع لها قطعة صاج صغيرة ويلحمها، ترجع جديدة تمامًا. يووه، محمود مات، الله يرحمة، من زمان، ستة أشهر، أكثر، أقل. والله صرت أنسى”
من محمود هذا؟ ربما كان ابنه، أو أخيه الصغير لآ أدرى، على كل حال محمود مات.. غريبة!! كيف ينسى أن محمود مات، ويتذكر شواية قديمة أكلها الصدأ والزمن. إنه يتكلم عن وزنها وكأنه يحس بثقلها بين يديه، ولكنه لا يعرف متى مات محمود!!
لدي تفسير لذلك.. مازلت أعى أنني القارئ، ومن حقي تأويل النص. والآن.. ما معنى أن ترتبط حياة الإنسان بالأشياء أكثر من ارتباطها بالبشر؟ ليس للأمر علاقة بموت المشاعر، بالعكس.. كلما هرمنا تصبح مشاعرنا أكثر رقة، لكنه طغيان الأشياء.. اللعنة على آلان روب جرييه. يعتقد أن الأشياء تمتلك ذواتا، يكسب وجودها معنى، ومن ثم فإن علاقة البشر بها عميقة ومؤثرة. هكذا كان (مانيكان الخياط ) القصة الشهيرة لـ (آلآن روب جرييه) لتبدو حياة الخياط أكثر ارتباطا بالمانيكان من زبائة. نحن لم نعرف عن الخياط أي شيء، إذا ما كانت له زوجة، عشيقة، حتى زبائنه لا نعرف عنهم أي شيء. الزبائن بشر، والبشر يموتون كما مات محمود، والأشياء تبقى هى الشاهد الوحيد على أنهم كان موجودين في الحياة، أشياؤنا هي التي تبقينا في ذاكرة الأحياء بعد أن نموت. هل الرجل يصنع خلوده عبر شواية؟ ومع ذلك، هو يتذكر ملامح بائع الشواية، ربما لأنه عجوز مثله ” عجوز يا ولداه، ويحمل على ظهره مناخل وغرابيل، وقصعتين؛ كانت هذه وواحدة أخرى. هه؟ والله لا أذكر، اثنتان أو أربع. هذا الكلام فات عليه ثلاثة أشهر أو ستة لا أذكر. أنت لم تأت من وقتها على ما أظن، لم ترها، رأيتها؟ لا، أنت رأيتها، واستغربت سعرها، أليس كذلك؟ تخيل أنت، عشرة جنيهات! “
مسكين، يعتقد أنني زرته من قبل، وتحدثنا عن الشواية من قبل. مسكين .. ذاكرته مضطربة. عجوز. لا بأس يا جدي.. أنا اصدقك
– هوووووه.. أيها القارئ استيقظ، إنها مجرد قصة وأنت فقط مجرد قارئ، ولكني أعذرك.. فكاتبها ليس سهلا.. لماذا يورطك في أن تكون شاهدا على صدق حكايته؟ جعلك تتعاطف مع العجوز، استدرجك بهراء عن شواية! وأوحى لك بأنه يكلملك أنت فصدقته ؟
– في الحقيقة لست متأكدا، إن كان يكلمني أنا؟ أم يكلم شخصا آخر، أو حتى يكلم نفسه؟ إنه عجوز خرف، ذاكرته تتداعي. ومع ذلك صدقته ببساطة. ما الضرر في أن اصدقه؟ أليس هذا مايسمونه الصدق الفني؟ إنه تيار الشعور الذي ينتقل من الكاتب إلى القارئ، الذي حدثتك عنه في البداية..هل تذكر؟
– لدرجة أن تنسى هويتك كقارئ؟
– وهل عليّ أن أضع عزت القمحاوي حائلا بيني وبين النص؟ ألم تسمع بما قاله رولان بارت عن موت المؤلف؟
– يا لوقاحتك!! أتقتل صديقك بدم بارد؟
– ألا ترى أنه منحني الحق في هذا؟ إن المبدع الحقيقي يسعى لهذا.. ينسحب بنعومة، يقف بعيدا ليستمتع برؤية القارئ وهو يغوص في كمين الجاذبية الذي نصبه للقارئ..
– لدرجة أن تصبح هو؟ ألم تلاحظ..أنت تكتب رؤية نقدية بنفس الطريقة التي يتكلم بها صاحب الشواية، تعيش مونولجا داخليا وكأنك تستدعي من الذاكرة أشياء عشتها في الماضي، وتخاطب شخصا وهميا أنت خلقته بنفسك.. بل وتفقد ذاكرتك مثل.. هل نسيت؟ كمين الجاذبية هو عنوان قصة لفهد العتيق، هي أيضا سحرتك كما سحرتك هذه القصة.. لهذا سأغادرك الآن لتفيق من غيبوبتك.. لتعود لنفسك.. لتتذكر أنك مجرد قارئ.. انصحك بقراءة نص ( يطارد الغبار) ربما تغير رأيك.
– من أنت لتقرر ما يجب عليّ أن اقرأ؟
– من أنا؟ في الحقيقة لا أدري، أنت الذي خلقتني بخيالك وزججت بي في نصك النقدي هذا.. أنا أيضا لا أعرف من أنت. قارئ كما تزعم؟ أم ناقد؟ أظنك مبدعا فاشلا تسعى لسرقة النص. وتعيد إنتاجه بطريقتك لتتحايل على حقوق الملكية.. سأختبرك في نص آخر اسمه (يطارد الغبار) من نفس المجموعة.
” من خلف إصيص الزرع برقت عينان تضيئان عتمة الدرج.
ـ ما هذا؟ هل كانت غيبتي طويلة إلى حد تبجح الأشباح بالخروج من ظلام الشقة إلى البسطة ؟!
أشعل النور؛ فرأى القطة المستلقية على جنبها، وقد فرشت أثداءها لستة رُضّع. لم تجد أمانا في هذا العالم إلا خلف إصيص اليوكا، الشجيرة قليلة الحساسية التي وضعها على بسطة السلم، لكي تمنع الجيران من وضع كيس قمامتهم أمام شقة يرونها مهـجورة “.
عجوز آخر!! عجوز ووحيد.. يستهلك أيامه المتبقية بتذكارات الماضي، يراقب العالم ولا يجرؤ على النزول إليه، يكتفي بمشاهدات حاضر عابر تبدو له كأشباح. هكذا كان عيسى في رواية (غرفة ترى النيل ) يراقب أيامه الأخيرة من نافذة غرفة المشفى. نظرة أخيرة على الحياة. أتذكر أنها نظرة ممتنة للحياة، برغم كل ما لاقاه فيها.. هذا يتفق مع البروترية الذي رسمه القمحاوي للشخصية، عفوا البروتريه تعبير سطحي لا يصل إلى العمق النفسي الذي صور عليه شخصية عيسى. يمكن استبداله بخلق الشخصية، يمنحها حياة فتجبرك على التفاعل معها، تحبها أو تكرهها. سأقول لك سرا لا تقوله للقمحاوي. أنا لم أحب عيىسى هذا.
ربما عندما يتمحور السرد الروائي حول شخصية واحدة بهذه الدرجة من العمق، حتى أن السارد لا يرغب في مفارقته، تبقى الشخصية حاضرة في ذاكرة القارئ طويلا. هذا يعني أن القمحاوي يدرس شخصياته جيدا في كل أبعادها، يسبر أغوارها. وهو يبرع في هذا كلما كانت الشخصية على قدر من الثراء كبير، يتوفر عادة في شخصيات بلغت من العمر عتيا، هكذا تصبح محملة بخبرات وتجارب ومشاعر وآمال مهدرة جديرة بالكتابة والتحليل النفسي. إن اختيارنا للشخصية التي نكتب عنها أهم من الكتابة نفسها، لأنها ستبوح لنا بمكامنها، كلما كانت على هذا النحو من الثراء، ولا سيما لو كانت واقفة على العتبة الأخيرة للحياة.
هكذا كان عيسى محورا جاذبا تدور حوله كل الأحداث وكل الشخصيات. هذا يبرر لي لماذا لم ينتبه عزت القمحاوي إلى الثراء الدرامي في شخصية (روز ) أنا كرهت عيسى لهذا السبب. لقد كان مستبدا، طاغية حتى أنه فرض ذاته على عزت القمحاوي نفسه، فلم ير غيره، حاول أن يقنعني بأنه ضحية الفساد السياسي والثقافي، مظلوم حتى من زوجته روز التي ضاجعها كل مثقفي اليسار، أما عيسى، زوجها فلم يفكر في مضاجعتها، وعشق أيقونة قابلته صدفة أثناء زيارة عابرة لأوروبا.. بصراحة روز شحصية ثرية وجذابة، ولا يهمنى أنها خانت عيسى مع الثلة كلها. لقد أثارتني شخصيا لقد تمنيتها لنفسي، ربما لهذا السبب كرهت عيسى، تمنيت لو أدفعه خارج الرواية لأنفرد بروز. حتى بعد ان علمت أنها فقدت إحدى ثدييها بسبب السرطان. إنها مثيرة حتى أن ثديا واحدا يكفي ثلة اليسار الفاشل كلها. روز شخصية درامية بامتياز، جديرة بالتفوق على عيسى وثلة اليسار كلها. وهي تقف على العتبة الأخيرة للحياة أيضا، تراقبها بلا مبالاة، وتراقب احتضار عيسى بلا ألم، وكأن موته فداء لها، ليمنحها حياة جديدة وثدي جديد. بعكس عيسى، لم تكن روز ممتنة لحياة عاشتها مع رجل عشق ايقونة وزهد جسدها.
صحيح أن القمحاوى رسم شخصية عيسى العجوز على نحو نموذجي، لكني كرهته، من الناحية الفنية هذا نجاح هائل للكاتب، فأي كان الشعور الذي يتسرب إلينا، فهو يعني نجاح الكاتب في تصوير الأبعاد المختلفة للشخصية، ولكنى لا أعرف لماذا كرهته؟ هل كان القمحاوي يكرة في عقله الباطن النموذج الذي كان عليه عيسى فتسرب هذا الشعور إليَ أنا القارئ؟ أم هل يذكرني عيسى بشيء ما غامض في نفسي أنا؟.
على أية حال كان عيسى مؤهلا لهذا المصير. كاتب فاشل، وزوج فاشل، وجسد فشل في أن يحتفظ بالحياة لنفسه. أعتقد لو أن عيسى ضاجع روز لمرة واحدة، وأنجب منها لعرف طعم الحياة وما كان هذا مصيرة.
هذا عجوز آخر يطارد الغبار. أو يطارد ما تبقى له من حياة. إصيص زرع، قطة بأثداء تكفي قطيعا، ترقد في هدوء بلا خوف من السرطان، ولا الموت الذي ينتظره العجوز في الداخل، ولا الواقع الذي يكتب من أجله القصص. إنها الحياة في الخارج مرة أخرى. حيث الزرع ينمو، والقطط تتناسل، والجيران يأكلون ويشربون ويلقون بمخلفاتهم أمام باب شقته التي يظنونها مهجورة.
يا الله على بلاغة الصورة! عندما تتشكل الدلالة على نحو خافت لا يصرخ فينا. إنها بلاغة الصمت. تستطيع الصورة أن تقول كل شيء دون أن يدس الكاتب بأنفه. هذا يقودني إلى تأمل حركية اللغة عند القمحاوي، وقدرته على تفجير طاقتها الدلالية دونما اعتداد بمولانا الجرجاني ورغبته في مطابقة اللفظ للمعنى. المعاني يمكنها أن تصل بدون الألفاظ، أنظر لهذا : ” همس، بينما شحن عينيه بتعاطف فهمته القطة؛ فتبدد الخوف من عينيها” بنظرة، بابتسامة، بشعور نكون أكثر فصاحة من الكلام. يمكن للكلام أن يظهر غير ما يبطن، لكن المشاعر صادقة. إنها بلاغة الصمت التي تتجلى في القصة القصيرة، لتكشف لنا عن المعنى العميق لما يردده النقاد عن الكثافة. سحقا للنقاد.. أنهم مثل عيسى، يحرمون أنفسهم من جمال روز ويكتفون بأيقونات عابرة. ألفاظ مستهلكة يلوكونها بلا خجل حتى مع رجلنا هذا الذي يطارد الغبار.
انظر ماذا قال الناقد الكبير تعليقا على أول كتاب ألفه رجل الغبار “هذا الكتاب ينبيء عن مولد موهبة كبيرة وكاتب يعرف كيف يسيطر على أدواته ”
يسيطر على أدواته !! اللعنة على هذه المصكوكات النقدية. عندما يعجز النقد عن إدراك كنه الذات المبدعة والشعور بقلقها، لا يحمل إلى المبدع غير الإحباط.. لدينا هنا مبرر للفشل الذي لاقاه بطل قصتنا هذه. إنه تعديات الواقع الخارجي على الذات المبدعة، عضة الواقع كما يسميها (جابريل مارسيل ) في وصفه للمأزق الوجودي. النقد أدخل رجل الغبار في مأزق وجودي، تماما كما أدخل اليسار عيسى في مأزق وجودي. كلاهما فشل في أن يكون مبدعا على الرغم من موهبتهما. إنها الشعارات والمقولات الرنانة حين نؤمن نفقد ذواتنا. المبدع الحقيقي هو أناه الداخلية فحسب. صدق رجل الغبار مقولة الناقد الكبير بأن ثمة أدوات يمكن أن يمتلكها، فضيع عمره في البحث عن المزيد منها. وعندما لم يجدها داهمته عضة الواقع فأغلق باب شقته على نفسه، وراح يراقب الحياة في صمت. اللعنة على الواقع أيضا. من اصطك هذا المصطلح المترهل؟ ولماذا نعتبر الواقع هو جوهر الوجود؟ هذا يجعل المبدع دائما متعلقا بالواقع، وكل ما يكتبه هو مجرد سعى لإرضاء الواقع، وفجأة يجد ذاته فارغة، لقد نفد رصيده. فالواقع نهم لا يشبع، وكل محاولة لتملق الواقع هي مجرد مطاردة لغبار الخارج، بينما نترك غبارنا الداخلي يتراكم.
يقول سارتر: الوجود سابق على الجوهر. أليس من الأولى أن نبحث عن أنفسنا حين نكتب لا عن أدوات الكتابة؟
هذا ما دفع عزت القمحاوي أن يجعل شخصياته محورا للكتابة، وهي تتأرجح بين الوجود والعدم. هكذا كان عجوز الموقد، وكان عيسى، ورجل يطارد غبارا تراكم بداخله..
- والله حيرتني.. هل أنت قارئ أم ناقد أم كاتب أم فليسوف؟
- أنت مرة أخرى!!
كنت أظن أنني انتهيت منك أيها الغبار… تشرب شاي أم قهوة؟ كل شيء موجود هنا والآن، في هذا الموقد. يمكنني الآن أن اتكلم بثقة عن رمزية الموقد بين الوجود والعدم، الخير والشر.. تشرب شاي أم قهوة؟





