مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

في موت سرير رقم 12 غسان كنفاني يعزف نشيد الحياة والموت✍عبير سليمان 

امرأة تجلس على كرسي في مساحة داخلية مع وجود لافتة مكتوبة باللغة الصينية خلفها.

من أول صفحة وجدتني أدخل إلى غابة من أشجار المشاعر المتشابكة ، مزيج من العوسج والمرمرية وأشجار الزيتون وأزهار شقائق النعمان “الحنون” ،  قريباً منها  البحر الذي استنشقت رائحته وتناثر على وجهي رذاذ ملحه ورأيت أمامي محاره وصدفاته ، بجواره الأرض مروية بدماء الشهداء، لا تكاد تتشربها حتى تُسكب من جديد ومازالت الأرض مبتلة بدمائهم إلى وقتنا هذا ، شممت ايضاً رائحة البارود ودخان رصاص البنادق ، وسمعت صوت نواح الأمهات الثكالى والآباء ورثاء العصافير وهي تنشج مودعة أحدهم إلى مثواه الأخير.

الموت حاضر بقوة في معظم القصص ، موت بالمعنى المباشر وموت آخر لا يقل عنه قسوة وهو موت الأحلام وموت الكرامة وافتقاد الأمان ، وقتل أحلام الطفولة البريئة تحت أقدام جيش الاحتلال الصهيوني ، الموت هنا أيضاً يأتي متجسداً في صورة بومة على الحائط ، وصندوق الأحذية ، والمحار الفارغ ، والصندوق الخشبي المربوط بخيط القنب ، الذي يحرص محمد علي أكبر على وضعه بجوار وسادته كأنه يعبر عن هويته ويعتبره رمزاً لحلم يتطلع لتحقيقه في “قصة موت سرير  12” .

دفعني تكرار صورة الموت وتنوعها إلى التساؤل :” هل كان غسان كنفاني يشعر بملاحقة شبح الموت له من كل اتجاه طوال حياته التي انتهت سريعاً وهو شاب في السادسة والثلاثين ؟ تجلى هذا الحضور بقوة في قصة “جنازتي” كأنه كان يرثي نفسه وهو حيٌّ ، قبل موته غدراً في سيارة مفخخة ؟

هذه المجموعة القصصية عالم كامل ، رسمه الأديب القدير بتفاصيل حية ووصف مدهش أبدع فيه فأخرجه في صورة لوحات بالغة الروعة والجمال ، لا أبالغ إن قلت أني بعد دخولي هذا العالم لم أستطع مغادرته بسهولة ، وكلما اقتربت من النهاية أتأكد أن الكتابة عنه ليست بالمهمة السهلة على الإطلاق.

موت سرير 12

يدخلنا الأديب هنا عبر رسالة لصديقه إلى رحلة عبر الزمان والمكان ، من خلال تأمله لرفيقه في المستشفى “محمد علي أكبر” ، ويبدأ رسالته بداية تهكمية ” تذكرت صديقي أحمد كم كنت تستعمل كلمة الموت للتدليل على التطرف ، لطالما سمعت منك جملاً مثل كاد يموت من الضحك ، إنني تعب حتى الموت وغيرها “، بعدها ينتقل بنا لوصف حالة محمد الذي يصارع الموت ، لكنه رغم شدة ما يعانيه من ألم المرض الخبيث ” اللوكيميا” يصر على أن ينادى عليه باسمه الثلاثي ، ربما كان يرى أن حقه في امتلاك اسمه الكامل هو إصراره على أن يمتلك شيئاً ما يشعره بقيمة وجوده في الحياة ، وأنه ليس مجرد إنسانا مهمشاً فقيراً كما رسمه صانعه ” كان الفقر شيئاً محفوراً في وجهه وعلى زنديه ، في صدره ، في طريقة أكله ، في كل ما يحيط به من أشياء .

” إنني اريد أن أتكلم عن موت يحدث أمامك لا عن موت تسمع عنه ، إن الفرق شاسع بين هذين الطرازين من الموت ، لا يستطيع أن يدركه إلا من يشاهد إنساناً يتكمش بغطاء سريره بكل ما في أصابعه الراجفة من قوة كي يقاوم انزلاقاً رهيباً إلى الفناء ، كأنما يستطيع الغطاء إن يشده عن ذلك الجبار الذي يستل من عيونه شيئاً فشيئاً ، هذه الحياة التي لا نعرف عنها شيئاً”.

وهو نفس المعنى المؤلم الذي أشار إليه بصورة مرعبة وقاتمة أكثر في روايته ” رجال في الشمس ” ، إن المواطن العربي عندما يموت في أرض غريبة عنه ، فإنه يموت نكرة كما كتب عليه العيش نكرة ، بلا هوية ولا سلطة ولا سند ولا عائلة ولا معارف يقفون للصلاة في جنازته ويودعونه إلى قبره ، وقد عبر هنا عن فكرة فقد الإنسان لهويته إن مات غريباً ، فلا يقال عند موته إلا “مات سرير رقم 12 “، فهو في نظر فريق العمل في المستشفى مجرد سرير يحمل رقماً يميزون به حالته عن باقي الحالات ، مجرد مريض لم يفلح معه العلاج ، ولا تعنيهم تفاصيل حياته في شيء ، بل ربما ينتظرون موته ليفسحوا مكاناً لمريضٍ آخر .

يتجلى غضب غسان كنفاني الداخلي من حال الإنسان عندما يعاني من عذاب مضاعف ، وهو ألم المرض وألم الغربة ، فيصب غضبه بان يسب الممرضة ويصفها بالغباء اللامحدود، ويلعنها في سره عندما قالت أن الفقراء يخفون عادة ثروة ما مشيرة إلى صندوقه .

” صدقني يا أحمد إن قرحة الدماغ أقسى بكثير من قرحة الأمعاء ، إن المستشفى لم يفعل شيئاً سوى أنه نقل القرحة إلى رأسي ، إن الطب هنا يستطيع أن يسد ثقباً في الأمعاء ولكنه لا يستطيع مطلقاً أن يجد أجوبة ليسد بها ثقوباً في التفكير” .

بعد علمه بموت محمد علي أكبر يرسم لنا حكاية عن مسيرة حياته، فيجعلنا نصدق أنها حقيقية ، وكيف لا وهو الذي يراه يبيع ماء في قربتين يحملهما كالميزان على كتفيه، ويستغرق ويسهب في التفاصيل حتى يصوره لنا يلجأ للسعي وراء حلمه بحياة أفضل ، محشورا بين ركاب كثيرين في مركبٍ خشبي يعبر به من رأس الخيمة إلى الكويت ، ويصف لنا خطورة الرحلة ومشاقها، فالمركب تعج بالحالمين الذين يتعاونون على إنقاذ الخشبة الطافية فوق زبد البحر الكبير، يصبرون على قوة الأمواج التي تكاد تغرقهم،  حتى الصندوق رآه وهو يدخر محتوياته ويجمعها بالصبر والحرمان ، يدخر من قوته اليومي حتى يستطيع شراء عباءة بيضاء مذهبة الأطراف وحلق خزفي لأخته سبيكة .

في الجزء الأخير من القصة نكتشف أنه اختلق حكايته من وحي خياله ، وتعجبت كيف لخياله ان يصنع حكاية تكاد من فرط صدق تفاصيلها أن تصدقها، ليفاجئك بقوله أن كل الوصف لرحلة محمد كما سردها بداية من خروجه  من عُمان وسيره على قدميه إلى رأس الخيمة حتى وصوله للكويت بقوله: ” إننا دائما نعطي للآخرين صفاتنا وننظر إليهم من خلال مضيق من آرائنا وتفكيرنا ، نريدهم أن يكونوا “نحن” ما وسعنا ذلك ، نريد أن نحشرهم في جلودنا ، أن نعطيهم عيوننا كي ينظروا بها ، وأن نلبسهم ماضينا، وطريقتنا في مواجهة الحياة ، ونضعهم داخل أطر يرسمها فهمنا الحالي للزمان والمكان”.

لذا ليس غريبا أن يرصد بعين الأديب الذكي الفاحصة المتأملة حالة مريض أمامه ، فينسج حولها قصة يعكس من خلالها معاناته هو وغربته هو، وهروبه المتكرر من مكان إلى آخر ، والخدعة التي وقعت فيها ايقنت أني وقعت فيها بغبائي ، فقد قدم الأديب لحكايته بأن حالة رفيقه فتحت في عقله قروحاً ، فخرجت الأفكار منها أقرب لخيوط دماء تسيل في صور معاناة محمد أكبر، لكنه يعترف لنا في النهاية بأنه كان يصف حالته هو ، وما عايشه هو بنفسه ، وربما أراد أن يفرغ ما بالقروح من صديد ليتخلص من ألمه وذكريات شقائه ، لكن عبثاً.

اقتباس على لسان الراوي ” :” إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت ، إنها قضية الباقين المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درساً صغيراً للعيون الحية “.

قصتا لؤلؤ في الطريق

القصتان تعبران عن حال الإنسان التائه في غربته ، اللاهث وراء أمل بفرصة عمل تنجيه من ذل الفقر، أعرف الآن من خلال وصف كنفاني لأبطال قصصه لماذا كان الفلسطينيون في الغربة نوعين ، نوع أول حاص على شهادة علمية ، يتقن عمله لدرجة تشعرك بأنه ولد بداخله طاقة أضعاف طاقة البشر العاديين ، يتمتع بذكاء حاد ومهارة تميزه وتمكنه من الترقي الوظيفي، أما النوع الآخر يمثل المواطن العادي ، لديه طموح ودأب لكنه لا يملك شهادة علمية ، أو حرفة مطلوبة ، تجده عادةً محتالاً “فهلوي” ، يعرف كيف يقبض على الفرصة ويحصل عليها بأي ثمن ، ولا يلقي بالاً للعلاقات الإنسانية، يعترف بأنه ترك بلده من أجل الكسب وفقط .

نحن هنا أمام صديق للراوي “سعد الدين” لديه طموح شديد أورثه حماسة لا تهدأ كما وصفه لنا، لكنه لا يحمل شهادة تمكنه من العثور على وظيفة مناسبة ، كما أن قلبه يعاني من الضعف لا يؤهله لعمل شاق  .

كعادة أمثال سعد الدين يتعلقون بالأمل في صدفة تمنحهم الحظ والفرصة التي طال انتظارها ، لذا يقوده حلمه للمغامرة بدخول مقامرة على محار، بكل ما يملك من مال يشتري كومة من المحار على أمل العثور على لؤلؤة بداخل واحدة منها ، إنها لعبة يحكمها الحظ فقط ، وإن الإنسان العادي منا يتساءل :” كيف يؤتى مثل هؤلاء الجرأة للإقدام على فعل كهذا وخوض مغامرة غير محسوبة وغير مأمونة العواقب “.

ونتابع المشهد الذي يتصاعد تدريجياً ، نلهث مع الراوي وصديقه ، حتى شعرت أن قلبي يكاد يقف من الخوف فالمحار كله فارغ ولم تتبق إلا واحدة ، الموقف يزداد صعوبة وسعد مريض بقلبه ، حتى نصل إلى المشهد قبل الأخي قبل فتح المحارة الأخيرة ، ومع الصديقين وصلت كقارئة إلى ذروة الشعور بالحسرة والألم ، كما هو متوقع في مشهد عبثي بجدارة ، النهاية تكون مؤلمة لأقصى درجة. وتظل المحارة الأخيرة مغلقة ومصيرها مجهول ، وينسى أمرها مع الصدمة ومع مصير سعد الدين التراجيدي.

قلعة العبيد

القصة أيضا هنا تدور حول فكرة الحظ ، البطل هنا هو المكان والشخص الذي يسكنه ، رغم أنه مكان في الخلاء ، شاطي بحر وصخرة  وكوخ يسكنه العجوزالذي يقال عنه مجنون ، وتنسب له حكاية غير معلومة المصدر، توقع الراوي وأصدقائه في بئر الحيرة والتساؤلات، الرجل يعيش من بيع المحار لكن المدهش أنه يبيعه مقابل الخبز، مما يوحي لنا بأن هذا الرجل العجوز لابد وراءه سر ما، وهنا يكتفي الراوي برسم هيئته مركزا على عينيه التي يرى من خلالهما أنه مجنون رغم عدم يقينه من ذلك ، إنما فقط أسلوب الحياة الذي اختاره هو ما يرسم حوله هالة من الريبة والشكوك حول حقيقته، وسبب لجوئه لهذا المكان حتى يستقر فيه .

ومن أجمل التساؤلات الفلسفية التي وردت على لسان ثابت رفيق الراوي :”إني لا أستطيع أن أتحمل الفكرة التي يوحيها إلي منظر العجوز، أن يعيش الرجل سبعين سنة يعمل ويتعب ، أن يأكل من عرق كفيه أن ينام كل ليلة يحلم بغد أفضل ، لماذا؟ ليمضي بقية عمره مطرودا ككلب ، وحيداً .. تصور أنك مشيت سبعين سنة على طريق واحد ، نفس الاتجاه.. نفس الأطراف.. نفس الأفق ، نفس كل شيء، إنه شيء لا يُحتمل !”.

لكن المدهش أن الرجل يبدو متكيفاً مع حياة الكوخ، كأنه بالفعل قرر ترك كل متع الحياة برغبته أو ربما أراد معاقبة  نفسه على ذنبٍ ما ارتكبه في حق نفسه أو في حق أحد أحبائه، زوجته مثلاً أو أحد أبنائه، نرى الأديب هنا قرر ترك باب الأسئلة حول سره الغامض، ليتركنا نحن القراء نفكر ونحاول فك اللغز معتمدين على حدسنا وما رأيناه من إشارات.

في جنازتي :

رأيت هنا إنساناً يفتح جروحه ويتركها تنزف ، ثم يغمس الدواة في دمائه ويكتب رسالة لحبيبته، الرسالة مخادعة وفيها انتقال بين عدة أساليب بسلاسة وانسيابية ، رغم اختلاف لهجة مخاطبته لها من فقرة لأخرى وربما من جملة لأخرى في نفس الفقرة  ، لنجد أن البداية رومانسية ، ثم يفاجئنا في الفقرة الثانية بأسلوب يجمع بين الغضب والألم الصادر من إنسان جريح ، يحدثها عن حلمه الذي أجهضته ثقل المسؤوليات الملقاة على عاتقه ، أجهضته آلام مرضه ، فبعد أن كان يرغب أن يستقر في بلد المهجر حيث بداية جديدة وأمل جديد في حياة ميسورة ، هنا يفيق على واقع يقف له بالمرصاد ، فيقول  ” لكن القدر كان لا يريد أن يندفع في ريح طموح ، وحينما جأرت عيون الطبيب تدب إلي خبر الرعب الذي يجري في عروقي تهاوت القلوع كلها في أعماقي” .

ويسخر من نفسه ومن سذاجة حلمه فيقول :” إن المرء يكون شجاعاً طالما هو ليس في حاجة للشجاعة .. ولكنه يتهاوى حينما تصبح القضية قضية حقيقية”.

ويظل الجريح ينزف ويدون ما يدور بداخله من مشاعر حزن وغضب وشعور بالقهر والإحباط، ويصل في النهاية إلى اعترافه الصريح بغضبه ونقمته عليها ، رغم إدراكه أنه أخطأ بتردده في مصارحتها بمشاعره تجاهها .

تعكس الفقرات الأخيرة من رسالته مدى الحزن الذي تغلغل في قلبه ، وضاعف من حزنه شعوره بالضعف بعد علمه بمرضه .. بمرارة يخاطبها :” أنت لا تعرفين كم حرمتني من وسيلتي الوحيدة التي كنت أريد أن أقنع بها نفسي بأنني مازلت أستطيع أن أكون شجاعاً، من يستطيع أن يحرمني من أن أكرهكم جميعاً وللقيم والمثل ، لإنها قيم ومثل الناس الأصحاء السعداء”.

لن تملك إلا أن تتألم معه وتلمس له العذر، فالغربة تضاعف شعور الإنسان بالضعف وانهيار القوة إن كتب عليه أن يعاني من آلاماً مضاعفة ، آلام المرض المزمن والوحدة.

الرجل الذي لم يمت

يحكي لنا الأديب هنا عن لقاء بالصدفة جمع بين رجل وامرأة في سيارة ركاب ، وبالفلاش باك يعيدنا معهما إلى عشرة سنوات مضت ، يسرد لنا العلاقة بين السيدة زينب الفلاحة الشجاعة وبين مالك للأرض ” السيد علي” ، الذي لا يخفى عنا إعجابه بشخصيتها القوية ونظافتها وكبريائها ، كما يحكي عن زوجها لنعلم أنهما يستأجران عشر دونمات من الأرض التي يمتلكها، وعندما تُعرض عليه صفقة كبيرة يبيع فيها أرضه ليهودي ، يطلب منهم تركها مقابل مبلغ مالي يقدمه لهما ، لكنهما يرفضان بيع الأرض ليهودي وأخذ المبلغ المعروض عليهما ويصران على موقفهما بعدم التفريط فيها، ويصل رفضهما حد المقاومة بالهجوم على السيد علي ليلا ومحاولة قتله ، التي فشلت وأصيب بعد إطلاق النار عليه بجرح طولي ممتد من صدغه إلى عنقه.

القصة تُروى عبر صوتين، لنجد في النصف الثاني صوت السيدة زينب ابنة مرج ابن عامر التي تحكي ما حدث منذ رفضت هي وزوجها وابنهما وابنتهما المبلغ الذي عرضه السيد علي ، حتى انتهاء قصتهما واضطرارهما لترك الأرض بعد بيعها ، تعرض لنا ابنة فلسطين فلسفتها وانطباعها بعد لقائها بصاحب الأرض “السيد علي” ، فتقول ” سوف يتيسر للسيد علي أن يرانا نعود إلى الأرض التي باعها ، سوف يشعر يومها وهو يحدق بالجرح الطويل المحفور في صدغه وعنقه أن هنالك شيئاً أقسى من الموت “، ليتركنا أيضاً هنا نتأمل لنعرف ما هو هذا الشيء.

قصة كعك على الرصيف

يحكي لنا الأديب هنا حكاية واحد من أطفال المخيم ، ويخبرنا أنه عندما التقى بحميد الصبي ذي الإحدى عشرة سنة شعر كأنه رأى صورته ، وتذكرعمله هو أيضا كماسح أحذية منذ عشرة سنوات ، كقارئة رأيت في حميد صورة الطفل حنظلة، برأسه ذي الشعر الخشن كأنه ثمرة صبار تنبت منها الأشواك المتناثرة الرفيعة ، وبملابسه الرثة ذات الرقعة ، حنظلة كان حافياً ربما في إشارة من ناجي العلي إلى قوة تحمل طفل صغير للمشي فوق الأرض في كل الأجواء، ودون اكتراث بما عليها من حصى أو زجاج أو أي شوائب، هكذا هي دائما صورة أطفال المخيمات في كل الروايات  تقطر ألماً، وتنبض بالخوف من مستقبل غامض غير واضح المعالم.

تبدأ قصة الراوي مع حميد بجملتين حواريتين قصيرتين بعدما مد إليه الأول قدمه على الصندوق ليلمع حذاءه ، فإذا بالطفل – كعادة الأطفال ممن تضطرهم ظروفهم للبقاء في الشوارع معظم اليوم – يقول له : هذا حذاء رخيص .

ليرينا كنفاني هنا أحد أهم ملامح شخصية حميد التمرد والتحايل ، وينتهي المشهد الأول بشعوره بالذنب أنه لم يعطه إلا استحقاقه فقط ، ربما لأنه رأى نفسه في حميد تذكر أنه عندما كان مثله كان يشعر بالإهانة لو أعطي أكثر مما يستحق !

وتلقي الصدفة بحميد في طريق الراوي من جديد ، عندما عين مدرساً في مدارس اللاجئين ، ليجده جالساً في الصف الأول ، ويصف شعوره الأولي قائلاً ” كان الصف عالماً صغيراً عالماً من بؤس مكوم ولكنه بؤسٌ بطل”.

تأخذ القصة من بعد لقائهما في المدرسة منحى آخر ، المدرس يشعر بتعاطف ومحبة تجاه حميد، لكن الصبي يراوغه ، وبسؤاله عن سبب الإنهاك البادي عليه وعن عدم قيامه بعمل الواجب يعرف منه بأنه يبيع الكعك ليلاً أمام السينما ، وهنا أيضا يلقي إلينا الأديب إشارة أخرى التقطها من هيئة حميد أو ربما استنتجها من وحي خبراته هو ، أن حميد يسيرحافيا فوق الأسفلت ويتمشى أمام السينما ليبيع لهم الكعك ، ومن تأمله لحال حميد وحال كل التلاميذ مثله يصفهم قائلاً ” كانت عملية الدخول إلى حياة حميد صعبة للغاية ، إذ إن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر على الاحتفاظ بمأساته الخاصة وضمها بعنف إلى صدره ” ، إن عيون الأطفال تحتوي إلى جنب الأسى شيئاً كثيراً من الكبرياء والتعالي “.

ثم يأتي موقف يقلب مشاعر المدرس تجاه تلميذه المفضل ، وهذا الجزء هو نقطة التحول التي أخذتني نحو انكشاف قصة حميد الحقيقية ، المشهد منذ حادثة ضرب حارس المدرسة لحميد حتى مشهد مواجهته له وسؤاله عن أبيه ، دفع الدموع لأن تنهمر من عيني ، إن رؤيتي للطفل المسكين يرتعد من الخوف وهو يطالع وجه مدرسه الذي أحبه وأغدق عليه من عطفه وحنانه، وقد صُدم لرؤية وجهه ينقلب لتعبير قاسٍ ومرعب ، تنبعث منه نظرات مشتعلة بالغضب لشعوره بأنه خدع عندما علم أنه ليس يتيماً، كيف يمكن لمشهد طفل صغير يحكي ما حدث لاخيه الذي قطعت رأسه وهو يطل من المصعد ، وكيف تأثر الأب وأدت به الصدمة للجنون ، ألا يثير بداخلي كل مشاعر الحزن والألم ، وكيف أمنع نفسي من لعن المحتل الغاصب الذي شرد الأطفال وأجبرأصحاب الأرض على ترك بيوتهم بالقوة وبالقتل والترويع، ليعيشوا في بلاد أخرى حياة الذل ويتجرعون مرارة الفقر والحاجة ، يكدحون من أجل لقمة عيش تكفي يومهم ، ولا يعلمون ما يخبئه لهم الغد .

“كنت أحدث نفسي زاعماً لها أن أولئك الملاعين الصغار هم في الحقيقة أكبر بكثير من أعمارهم ، وأن الخطأ كان في أنني عاملتهم على أنهم أطفال فحسب ، لقد تغاضيت عن كونهم رجالاً صغاراً يستطيعون الوصول إلى ما يريدون باي طريقة تخطر على بالهم .

قصة منتصف آيار

هذه القصة كتبت أيضا في صورة رسالة لصديقه إبراهيم ، الراوي هنا يعود بالزمن إلى الوراء فيحكي ما حدث بعفوية الأطفال وبصدق ورهافة غير عاديين ، يقول إنه مدفوعا للكتابة خوفاً من النسيان ، ولشعوره بالذنب عما حدث لصديقه ، وليس أقسى على فتى صغير يقف على عتبات البلوغ أن يشهد حادثاً مثل هذا .

يقول لصديقه إنه يخاف أن ينسى ما حدث لهما منذ اثنتي عشرة سنة ، لأنه بدأ ينسى ملامحه ولأنه يشعر بالعجز عن حمل أزهار الحنون إلى قبره.

وهنا لن أحكي ما حدث ، لكنه يلخص لنا شعوره بالحزن والحسرة ، وبالعار أيضاً لأنه عجز عن الضغط على زناد البندقية ليقتل بها مستوطنا يهوديا ، بسبب ارتعاش يده من الخوف ، ولشعوره بالذنب أنه لم يحم صديقه من الموت :” يقيني الوحيد أني أشعر بالعار ملتصقاً بي حتى عظمي ، هل يكفي هذا ؟ أعتقد أنه يكفي ، فالقط الذي قتلته لم يفعل سوى أنه سرق زوج حمام يأكله ، وكان السبب هو جوعه حتماً أما الآن فأنا بإزاء جوع آلاف من الرجال والنساء أقف معهم أواجه لصاً سرق منا كل شيء “.

وليس أقسى على الإنسان – بالذات لو كان في مقتبل عمره- أن يرى صديقه الذي يرافقه دائما ويتشاركان سوياً اللعب والأوقات الحلوة والمرة ، يقتل أمام عينيه ويلفظ روحه بين يديه ، ويحمله على كتفه حتى يعود به لقريتهما، إنها من أصعب المواقف وأكثرها وجعاً ، وتظل ذكراها محفورة في القلب مدى الحياة .

كما نلاحظ في قصص مثل : المجنون والقط وستة ونسور وطفل حضور الحيوان بقوة ويتنوع استخدامه له ما بين رمزية الموت ، وفلسفة الحياة وكيف يخلق الناس قصصاً وأساطير حول بعض اللوحات في الطبيعة فيصوغون منها أحلامهم وذكرياتهم ، كل يرى في اللوحة ما يرغبه أو ما ترسخ في وجدانه من ذكرى لا ينساها سواء سعيدة أو مؤلمة ، ولا يحل اللغز وببساطة وبعفوية إلا طفل بريء يرى ما لا يراه الكبار ، إنها الرؤية المجردة والبدائية للمشهد المكرر دون مبالغات ، وتحورات لشيء بسيط وتحويله لشيء كبير كما يفعل الكبار عادة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading