مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
السرد الأدبي

9 – «فعل الكتابة» وموضوعة السند-محمد الجلايدي – المغرب 

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

إهداء: إلى سي المصطفى كليتي و إلى قاسمنا المشترك:- فن القصة عشقا وقراءة ونقدا وإبداعا..
(…)
-وصالٌ «وجداني -إبداعي» ربطَنا بما انقطع منه.. بعد توقُّفٍ عنه !!دام زمنا طويلا..
(…)
دعوة مفاجئة كي نلتقي..

أطلق هاتفي المحمول رنّة واحدة نبهتني بتميز بصمتها الصوتية إلى رسالة توصلت بها على الخاص ضمن قناة من قنوات التواصل الرقمي! لم تكن الرنّة تحمل رسالة كتلك الرسائل البلهاء التي تغيظني! خاصة إذا كنت في حمأة البياض على السواد، لتخرجني مرغما من فضاء خربشاتي، فينحبس سيلها قبل أن يبلغ الرابية! أما هذه الرسالة فهي على العكس من ذلك تماما! لأنني وبُعيد فتح البرنامج، وجدت سي المصطفى كليتي يقول:
-«مساء الخير، أنت مطلوب لجلسة يفرضها سلطان الحب!»
بعد هنيهة، أضاف:
-«وفي أقرب وقت ممكن!»
لم تحمل لي هذه الرسالة الخطية منه، مجرد طلب لكي نلتقي قريبا، بل صاغها وجدانيا بديباجة في صيغة «قرار»!
فكان جوابي فوريا ومن دون تردد:
-«مساء النور أخي المصطفى، حدِّد موعدا يناسبك.»
اقترح:
-«يوم الخميس على الساعة السادسة مساء.»
سألته:
-«هل لديك اقتراح بخصوص المكان؟»
حدد للموعد مكانه، ثم صاغ لي هذا «التهديد»! الوجداني:
-«في حالة غيابك، سيتم اعتقالك داخل مكتبة بطول السماء وعرض الأرض، مع إغلاق الباب عليك.»
لم أتمالك نفسي من الضحك!
ومع صدى ضحكاتي المرتدة من حيطان عزلتي التي دامت أزيد من سنة، حملتني الذاكرة بسرعة البرق، إلى جلساتنا السابقات التي كانت، ثم توقفت، وقد مضى على توقفها أزيد من ثلاثين عاما!! طربت لهذه المبادرة التي حملت جمالها في شكلها ومضمونها! ومما زادني طربا، أننا بهذا الموعد للقاء، سنجدد وصالنا «الوجداني- الإبداعي» لنربطه بما انقطع منه، بعد توقف عنه دام زمنا طويلا.. ومبعث طربي ليس هذا فحسب، بل وأيضا، لأن هذه المبادرة، جاءتني منه، وأنا في سياق وجداني كنت في خضمه أعيش حالةً من التلاطم الموجي على مستوى المشاعر الضدية! هذه، بعد أن تسللت إلى دواخلي، استوطنتني كلا وأجزاء، واستمرت سنة كاملة وما يقارب الشهرين! وخلال هذه المدة أوقفت القراءة و الكتابة، ولزمت بيتي بقرار.. أخرج باكراً إلى مقهى في الجوار، لأشرب قهوتي الصباحية وأدخن سيجارتي الأولى، كي أسترد صحوي وتركيزي، ثم أعود إلى البيت لأتسمر على اللحاف أمام التلفاز.. أضع بجانبي قلما وأوراق، وأدون ما استجد من معطيات نوعية بخصوص الحرب على غزة العزة ولبنان الأبي..
(…)
هكذا هو حالي، لما أحدس بأن حدثا ما يحمل في علاماته دلالات تحوُّلٍ مفصلي، تعلق الأمر ببلدي أو تعلق الأمر بأحداث كبرى ترتبط بالبشرية.. ومن بين الأحداث التي شدتني إليها بهذا الحدس المفصلي- قبل الحرب على غزة ولبنان- حدث جائحة كورونا، وكيفية تعامل بلدي والعالم مع الحرب ضد هذا الفيروس المتناهي في الصغر، والممتلك للشراسة في الفتك، والقدرة على عبور الحدود من دون رادع! وبعدها شدتني الحرب الروسية- الأوكرانية، التي اعتبرتها بالحدس منذ انطلاقها بأنها أكبر «حرب بالوكالة» في تاريخ الحروب البشرية.. وكان آخر هذه الأحداث، زلزال الحوز، الذي فجّر بتداعياته المرتدة أكبر ملحمة شعبية تضامنية وطنية، مجتمعية وإنسانية، أبدعها المغاربة من طنجة إلى الگويرة، فأبهرت البلدان الصديقة وغير الصديقة على حد سواء! هذا الطبع الرصدي كنت قد تعلمته منذ زمن بعيد.. أتاني من معانقتي الفكرية ل«جدلية السياسي والاجتماعي» في علاقتهما بالأحداث المهمة والرجّات الكبرى التي عاشها شعبنا أو عاشتها شعوب بلدان أخرى نعتبرها شقيقة أو صديقة..
(…)
اليومَ وعدكمُ  فأين الموعد؟(*)

استيقظت باكرا كعادتي، وتوجهت إلى مقهى الجوار بالقرب من مسكني لأمارس طقوسي الصباحية.. لكني، وعلى غير العادة، لم أفتح هاتفي هذا الصباح للاطلاع بعجالة على مستجدات الحرب، ثم أقرر إن حدث ما هو نوعي:- هل أستعجل عودتي إلى البيت لمتابعة هذا الجديد النوعي، أم أترك لجلستي أن تأخذ مداها الذي يصل بي إلى ساعة كاملة!! ولما فكرت في مبعث هذا التغير النفسي الطارىء، وجدته في موعدي باللقاء! فبدون سبق تفكير، تهيأت له نفسيا وبتلقائية، ليحظى مني، بما يليق بقيمته في وجداني.. وتهيأت بألا أضيق عليه لا بالتزام قبلي أو بعدي، ولا أترك لتلاطم الموج الداخلي في كياني – بسبب الحرب في شرقنا الأوسط- ما من شأنه أن يكدر صفو مزاجي و نفسيتي.. كي أكون أثناء الجلسة بنفسية متوازنة و بدماغ مرتاح ومزاج رائق! لذلك، وكما لم أفتح هاتفي برغبة الفضول طلبا للاطلاع على مستجدات الحرب، لم أتسمر أيضا على اللحاف قبالة التلفاز..
(…)
بعد الزوال، نمت نومة خفيفة.. وقبل موعد اللقاء بأربع ساعات، وجدتني بتلقائية منخرطا في الاستعداد للخروج. وكما يفعل الناسك المتعبد حين يستعد للصلاة :-اغتسلت وحلقت ذقني ثم تعطرت.. هكذا أتهيأ للحظات الجمال العلائقي.. ومثل ذلك، أقوم به أيضا، لما تهجم علي لحظات الكتابة.. فلا أخط حرفا على الورق إلا إذا تنظفت! ولما شرعت في ترتيب لباس الخروج، لأرتدي ما يقيني منها شدةَ البرد، بسبب انخفاض درجة حرارة شهر دجنبر؛ رن هاتفي! كان الرنين متلاحق، بما يحيل إلى مكالمة، لا إلى رسالة.. فتحت الهاتف، فإذا بي أجد سي المصطفى هو من يطلبني:
-«آلو»
-«آلو»
-«هتفت لأذكّرك بالموعد خشية أن تنساه.»
طمأنته:
-«أنا الآن أستعد للخروج، و أرغب في الوصول إلى مكان اللقاء بساعة قبل الموعد أو بنصفها على الأقل.»
-«إلى اللقاء.»
-«إلى اللقاء.»
وبدل أن أواصل استعدادي للخروج، جلست أفكر في هذا السؤال:
-« كيف حصل هذا التلاقي الزمني بين استعدادي للخروج ومهاتفة صديقي ليذكرني بالموعد؟!»
(…)
حملت السؤال معي وخرجت راجلا إلى مكان اللقاء.. أخطو ببطء وبلا استعجال.. على عكس ذاكرتي التي رحلت بي إلى الخلف بسرعة البرق، لتصل بي إلى تخوم اللقاءات السابقات، التي كانت تجمعنا..

لم أجد صعوبة في تذكرها واستحضارها. كنا، كما حصل قبل قليل، نتفق على موعد للقاء، ونتابعه بتذكير بعضنا البعض، كي لا ننساه. لذلك، لم يسبق أن حصل بيننا اتفاق باللقاء وأخلفنا وعده وموعده! كنا نلتقي غالبا، بجانب بحر المهدية، نجالس بعضنا البعض، في خلوة لاثالث فيها معنا.. نملي العين بالزرقة المنتشرة، ونُطرِب الأذن بالهدير وإيقاعه السيمفوني، الذي تعزفه الموجات المتكسرات على الشاطىء.. أذكر بأن سي المصطفى كان لا يحضر إلى الجلسة إلا رفقة كتب وجرائد، يحضنها بيده على صدره!

أما القضايا التي كانت تحضر في جلسات لقاءاتنا للتداول فيها، فكانت لا تخرج عن دائرة الإبداع السردي وقضاياه النقدية، خاصة فن «القصة القصيرة» و فن «الرواية» .. وكان اهتمامنا مركزا على الأشكال البنائية وعلاقتها بالخطاب. وكنا أيضا نجتهد للحصول على المعلومات حول الإصدارات السردية الجديدة، بغية  التوفر عليها لقراءتها.. حافزنا في كل ذلك، التغلب على صعوبات انشغالنا المركزي المتمثل في «فن القصة القصيرة» تحديدا كي نصقل مهارة الكتابة في حقله. ومصدر الصعوبات كما تمثلناه يكمن في مستلزمات بناء النص القصصي القصير، التي تفرض تكثيفه لغة في الوعاء البنائي لخدمة الرسالة كخطاب.. إذ لا مكان للزوائد اللفظية فيه، مما يجعل الكلمة قطعة فسيفساء ضمن المعمار النصي، مع تسييج النّفَس السردي لتحقيق مبتغى التكثيف والقِصر..
(…)
-مساحة البياض التواصلي:

على حافة نهر سبو وقفت.. وكان وقوفي عند النقطة التي تمنح لبصري احتواء ملمح استدارة النهر حول حافة الربوة والمساكن التي تعلوها وبرج المراقبة من داخل أسوار «الخيمة السجنية».. أخال هذه الاستدارة دائما، ومن هذه النقطة التي أقف عليها، كما لو أنها نصف تطويقة بذراعِ النهر لخِصرِ المدينة! وأتصور بالتخييل- طبعا- أن النهر «عاشق» والقنيطرة «معشوقته»، يراقصها رقصة «زوربا الإغريقي»! وهي رقصة، تعبر جسديا عن فهم مؤطر برؤية فكرية عميقة لمعنى الحياة في هذا الوجود! وهذه الصورة المتخيلة، هي التي ألهمتني في صبح من صباحات تفقدي للنهر، من النطقة نفسها، فكتبت قصتي:-«النهر تاريخ يجري.. لكن إلى الخلف»!

لم أقف مثل هذه الوقفة الشاردة والمندمجة جمالا في نهرنا العظيم، وأنا على حافته، منذ سنوات.. والآن وأنا أمام فضائه، ومن النقطة نفسها، وجدته كما تركته عند آخر لقاء.. مثلما كنت أجده في كل لقاء، كما هو في أي لقاء.. هو هو في جوهره، لا يتبدل ولا يتغير ولا يعبث به الزمن! أما العناصر المحيطة به، فهي في تبدل دائم.. يندفع دوما من المنبع، ثم يواصل زحفه الأبدي نحو المصب.. وفي جريانه يلفظ نفاياته عديمة الروح على ضفتيه، ويواصل! بينما العناصر المحيطة به كالسماء والغيم والتفاعل الضوئي مع الشمس أو القمر، ففي كل لحظة تتشكل على نحو ما، ليحتويها و ليبدع بهذا الاحتواء التفاعلي لوحات تشكيلية أخاذة! لكنها متغيرة!

رفعت بصري عن صفحة ماء النهر إلى السماء لأمسح حالتها بنظرة خاطفة، فبصُرت عيناي بغيوم بيضاء متكاثفة، بينها مساحةُ زرقةٍ فاتحة! لكن ومع بداية غروب الشمس لم يبق من ضوءها إلا القليل، آت منها، إلى النهر، من خلف الربوة و«الخيمة السجنية»! أدركت أن الغسق قد بدأ هنا قبل أن يبدأ في البحر! ومع هذه اللحظة الغسقية السريعة، انعكست الغيوم البيضاء على صفحة الماء، فصار الغيم نهرا وصار النهر سحابا، فصحت بأعلى صوتي:
-«واعجبي!!! يالها من روعة!!!»
ثم أضفت، لكن بعد فوات الأوان:
-«كان علي أن أعتقل اللحظة تلك في صورة فوتوغرافية بهاتفي المحمول!!»
لكنني، تداركت معللا ضياع اللحظة- اللقطة مني، بقولي:
«للأسف الشديد، لقد شدني جمال المشهد إليه إلى درجة تجمَّد فيها دماغي عن التفكير!!»
(…)
ومن جمال «اللحظة- اللقطة» التي امتلأت بها دواخلي، حملني دماغي عبر خزان الذاكرة، إلى «مساحة البياض التواصلي» التي عمرت ثلاثة عقود وبضع سنوات، بيني وبين سي المصطفى!

أذكر بأنني تُهتُ عنه في زحمة مهام جديدة.. وهي مهام، كنت قد ابتعدت عنها من سنة 84 إلى سنة 91.. وخلال هذا المدى الزمني الذي تحررت فيه من ثقل هذه المهام «البلهاء»، عشت وفق أسلوبي الحياتي الذي أعبّر فيه عن ذاتي في علاقتها بالمحيط والبيئة حيث أوجد كإنسان في هذا العالم مكانا وفي هذه الحياة زمنا! والمركز المحوري لهذا الأسلوب الحياتي، كان عنوانه الأساس:- التعبير عن الذات بالإبداع وصناعة الأفكار.. وقبل العودة إلى نسق المهام تلك ومنذ الابتعاد عنها، كنت قد راكمت إنتاج تسعة نصوص قصصية، وبضعة مقالات فكرية.. وبقيت الأعمال الأخرى كمشاريع، في ثلاجة الانتظار أزيد من أربع عشرة سنة، إلى أن حل موعد وصلها بغيرها بعد أن غادرت بقرار إرادي للمرة الثانية والنهائية، عالم تلك المهام البلهاء:-سنة 2005!
(…)
خلال مساحة البياض التواصلي:

سي المصطفى، استمر في خط العطاء والتعاطي مع الإبداع ضمن أسلوبه الحياتي الذي به اختار أن يعبر هو أيضا من خلاله عن ذاته! فمنذ أن انطلق، وانطلقنا في علاقتنا وجلساتنا، لم يتوقف عن الاجتهاد والعطاء ومراكمة الأعمال الإبداعية.. ورغم الصعوبات والموانع والعوائق، ظل صامداً في هذا المسار الكفاحي الإبداعي.. يشهد على ذلك ثمار هذا الجهد التي تحولت إلى منجز في شكل مؤلفات، أغلبها في السرد القصصي وبعضها في فن الهايكو.. إضافة إلى العديد من الكتابات في الصحف والجرائد، ومتابعة اللقاءات الثقافية حضورا وإسهاما!
(…)
هامش سردي لابد منه:

عندما أجد نفسي في سياق تواصلي لأعبر عن عطاء شخص ما تربطني به علاقة ما، والسياق يندرج ضمن ثقافة الاعتراف، أمتطي صهوة الصدق وأنا أتكلم. فالصدق يضاهي في علوه وسموه قمة جبل «تبقال» في بلادي! والصدق له رائحة كرائحة الأعشاب البحرية التي لما تنبعث، ويقودنا الشم إليها، ندرك عبره أننا على شاطىء الخضم الأزرق، في حالة ما إذا غفلت باقي حواسنا عن هذا الإدراك وهي منشغلة بموضوع ما!

وإذا وجدت نفسي في موقف يدعوني إلى الكذب أو النفاق، أطبق على فمي كي لا أتكلم، وأتحول إلى شخص أبكم وأعمى وأصم. قد يظن البعض أن الصدق مبتغى أجتهد لأعتمده! لكن ليس هذا وحده ما يقودني تواصليا إلى الصدق، لأعتمده وأنقله من سلوك إلى مسلك. بل لأنني أيضا أخشى ما أخشاه أن تموت كلماتي على شفتيّ.. فالكذب والنفاق والتزلف يقتل الكلمات الصادقة فتسقط صريعة في رحاب «مجزرة» الكذب أو «مسلخة» الرياء..

أما عندما يقترب مني منافق، فإنني أنكفىء على نفسي لأعيد النظر فيها بحثا عن الخلل في سلوكي لا في سلوكه هو. فلربما بدا مني ما هيأ هذا المنافق وشجعه على التزلف. لأن القط يبدي التودد بالتمسّح والمواء تقربا واستعطافا، وهو يمتلك قلب صياد! فإذا رأى فريسة تركك وراح يعدو صوبها ليمسك بها وينقض عليها! لذلك، أتخذ ما أمكن من الحذر، بناء على المعادلة التالية:
-«إذا كان بعض الظن إثم، فإن أكثره من حسن الفطن»..

أقول هذا لأنتقل إلى عرض هذه المنجزات التي كافح سي المصطفى في بلورتها. وقبل ذلك أفضل الإجابة على سؤالين:
-«من هو سي المصطفى كليتي؟
-«وكيف فهمت جوهره الإنساني النظيف من خلال سمات وعلامات تفاعلنا العلائقي «الوجداني – الإبداعي»؟
(…)
سي  المصطفى لكليتي:

كما تبلورت شخصيته بصفاتها في تمثلي له من خلال علاقتنا وقاسمها المشترك «الوجداني- العلائقي»: يمشي بتثاقل في الخطو، يتقن فن التعامل مع دورة الكلام، يمتلك مهارة الإصغاء، يحسن توظيف عناصر التواصل، ينصت إلى جسده، يسطر أهدافه الحياتية برؤية، يعرف ما يريد، يحترم الاختلاف، يقدر الاعتراف، مكابد، عقلاني في إدارة المشكلات، اجتماعي، جوال، عاشق للجمال، قارىء مدمن، قلمه سيال، يحدد برامجه اليومية بتخطيط قبلي.. لايستعمل التنابز بالألقاب، لا مكان للنميمة في لغته، لايحسد، لا يحقد، لا يُحقِّر، لا يعنف، لا يقترب من القبح، لامكان لأحكام القيمة في كلامه، لا يحشر نفسه في أسرار الناس، لا يتعالى بما يعرف، لا يبخل في النصح، لا يرد طلبا في الإمكان، لا يثقل في الحضور ، ولا يكتب بتهور واندفاع!
(…)
ثمار أعماله: 

1-موال على البال : مجموعة قصصية (2008)
2-القفة : مجموعة قصصية (2009)
3-ستة ستين كشيفة : قصص قصيرة جدا (2011)
4-تفاحة يانعة وسكين صدئة : قصص قصيرة (2013)
5-فقط : قصصيات (الطبعة الأولى أبريل (2017
6-شريط آخر المساء : نصوص قصصية (الطبعة الأولى 2023)
7-سيلفي : نصوص قصصية (2022)
(…)
-ثقافة الاعتراف..

على حين غرة، فاجأته! لم يسبق لي أن حدثته عن محتوى هذه المفاجأة من قبل، وإلا لكانت تذكيرا ليس إلا! باغتتني أنا أيضا بحضورها وهي تتفتق في منطقة الذاكرة! وكان حضورها مقترنا بملمح النهر حين مسحته بنظرة خاطفة.. كانت مصابيح أعمدة الكهرباء المنبتة على جنبات الطريق تنعكس أضواؤها على صفحة الماء، راسمة خطوطا عمودية، بدت لي وكأنها تطلب أغوار النهر لتكتشف دواخله، وتعلي أسراره التاريخية التي يتكتم عليها! هكذا تحول جمالا ملمح الاستدارة النهرية وهي تطوق الربوة وخيمة الإسمنت السجنية التي تعتليها!
قلت:
-«هل تعرف آسي المصطفى بأنك أحدثت طفرة في مسار اشتغالي على النصوص السردية التي كتبتها؟»
لم أنتظر منه جوابا، لكي لا أتعب ذاكرته في محاولة مرتدة نحو ماضينا التواصلي «الوجداني- الإبداعي» الذي تفصلنا عنه أزيد من ثلاثة جدارات عشرية.. لذلك أخذت زمام القول لأواصل:
-«هل تذكر قصتي (لغة البحر)؟»
أجاب:
-«نعم أذكرها.»
-«وهل تتذكر بأنني نشرتها في الجريدة التي ظهرت في المشهد الإعلامي باسمين متلاحقين:- (المسار) ثم (الطريق)؟»
-«نعم أتذكر.»
أضفت:
-«كان لنا لقاء، بعد نشري لهذه القصة، بأسبوع أو أسبوعين. وكنا بمقهى (كوبا كبانا) على شاطىء المهدية. حضرتَ اللقاء وأنت تتأبط، كما العادة، كتبا كنت تقرأها لتطلعني عليها وتحيطني علما بأهميتها في عملنا الإبداعي.. ومع الكتب نسخة من الجريدة وبها نص (لغة البحر) الذي يملأ حيز صفحة كاملة. وبعد أن أنهينا حديثنا المتموج حول قضايا الإبداع ومحتوى الكتب التي كانت معك، بسطتَ أمامي على المائدة قصتي على الصفحة تلك، ثم قلت:
-«اسمع مني هذه النصيحة، ولا ترفضها فورا ولا تقبلها فورا كذلك. احتفظ بها، وفكر فيها مليا، وخذ وقتك في ذلك، وبعدها قرر..»
ثم أضفت:
-«يبدو يا أخي أن صدرك يضيق مع الكتابة في فن القصة القصيرة. إنها تسيجك، ولا تفسح لك المجال بنائيا للتعبير عما يخالج دواخلك.»
وبناء عليه صغتَ لي هذا النهي:
-«أنت تقسو على نفسك، وعليك ألا تفعل.»
ومن النهي ركَّبْتَ لي هذه النصيحة:
-«ولكي لا تقسو على نفسك ظلما، عليك أن تنتقل إلى الكتابة الروائية، فهي الوعاء البنائي الذي يحتويك.»
ولتشرح بالملموس نصيحتك، قلت مشيرا إلى النص (لغة البحر):
-«هذا النص بالرغم من طوله، هو محاصر في لقطة، والقصة القصيرة على مستوى البناء هي فن اللقطة المحصورة في الزمان والمكان. وككل لقطة، في الوجود المرجعي الحي أو في الوجود المرجعي النصي، لها ما قبلها ولها مابعدها. وإذا فكرت وأبدعت في ال«ماقبل» و ال«مابعد» تتبلور الحصيلة في مشروع روائي.»
(…)
أخذتُ بصيحتك التي ارتسمت كالبوصلة في ذاكرتي. وكلما فكرت فيها تحتويني كلا وأجزاء! وتنقلني من الاقتناع بها إلى التفكير في بلورتها عمليا من خلال الاشتغال على أي نص قصصي قصير، لأبدع له ماقبله وما بعده، إن كانت له بؤرة سردية واضحة لي تتيح إمكانية السرد القبلي والبعدي!
(…)
ثم ختمتُ هذا الاعتراف الاستحضاري بالقول:
-«إن كان من طفرة نوعية حوّلت اشتغالي على النصوص الإبداعية السردية، ونقلَت هذا الاشتغال من «ضيق الصدر» إلى رحابته سوادا على بياض؛ فالفضل في ذلك يعود لك، صديقي ورفيقي بعد أخي..»
وأضفت:
-«إذ وبهذه النصيحة، بعد اقتناعي بها، واشتغالي التجريبي على هديها، صنعت لنفسي (بوصلة) تقودني إلى مراكمة نص على ظهر نص، لأجمع العمل في مؤلف، يخضع ل«بؤرة سردية» منها تتفرّع خطوط الحكي..»
(…)
ابتهج سي المصطفى وهو يسمع مني هذا الكلام لأول مرة، ثم وضع يده اليمنى على صدره، وقال مع ابتسامة رقيقة ارتسمت على محياه:
-«العفو أخي»
وكررها ثلاث مرات..
(…)
ونظرا لكثرة الأسئلة والقضايا التي خضنا فيها، والتي تنتظر، لم تسمح لي لحظة اللقاء، بوضعه في صورة ما يؤكد قيمة هذه «النصيحة- البوصلة» في عقلي ووجداني، انطلاقا مما أنتجتُه بفضلها من أعمال إبداعية..
(…)
الجلسة  و القضايا المثارة:

بمقهى «الرايس» الذي كان يحمل اسم «مارينا» سابقا، واصلنا الحديث. كان النهر مشاركا لنا بحضور جماله الآتي إلينا بملمح استدارته وهو يطوق الربوة نصف تطويقة! فأضفى على جلستنا مسحة من الرقة والأناقة!

مستهل حوارنا «الوجداني- الإبداعي» كان في بدء اللقاء يتعلق بسؤال الصحة في علاقتها بعتو الزمن الذي يهد الجسد ويحاول بلا كلل أو ملل أن يتلف حوافزنا القديمة.. وهن العظم واشتعل الرأس شيبا، هذا أمر أكيد. لكن الحوافز القديمة التي بلورت القاسم المشترك، ضمن أسلوب كل منا في الحياة، ظلت حاضرة بالقوة نفسها وبالعزم نفسه أيضا!

وبما أن الحديث ذا شجون بتموجاته المتآخية، فقد أخذنا نحو تُخُوم أسئلة وقضايا متنوعة.. يؤطّرها عنوان جامع يمكن صياغته استفهاميا على هذا النحو:- كيف نرتبط بالأشياء وبالأمكنة والناس والمؤسسات؟ وكيف نبلور أفكارنا وتصوراتنا عن هذه المكونات الأربعة، التي تلعب دورا رياديا في تحديد المواقف واتخاذ القرارت؟

كان سؤال النهر حاضرا بالتضاد:- جمالٌ ساحر ومبهر في مقابل «قبح سلوكي» يتوخى اغتيال هذا الجمال من طرف مدبري شؤون المدينة! ومنه حضرت القنيطرة التي نتقاسم عشقها، بتضاد آخر:- تلك الألفة التي تمنحها بسخاء لأبنائها وزوارها على حد سواء، في مقابل هجمة شرسة يقودها «زحف الإسمنت» فيأتي على المجال الأخضر فيها ومن حولها! ومثلما حضر النهر رفقة المدينة، حضر سؤال «الإبداع وقضاياه المرتبطة بالطبع والنشر والتوزيع».. كما حضر سؤال «الحياة والإنسان» من زاوية رؤية وجودية.. وسؤال «العصر» وتغيراته المتسارعة، التي تقوض العصر الصناعي بنظامه لإنتاج الثروة، وتدمر كل مستلزماته التي رافقته.. ولم يفتنا استحضار «أسماء مَن رحلوا» مِن أصدقائنا المشتركين.. بالترحم أولا، ثم بالسؤال عما خلفوه من الآثار الإبداعية أو الفكرية دون أن يوثقوا أعمالهم ..

(…)
– هدايا اللقاء:

-فقط : قصصيات، الإهداء:« إلى الأديب محمد الجلايدي، مع فيض المحبة والتقدير..»
-شريط آخر المساء : نصوص قصصية، الإهداء:« إلى العزيز جدا، محمد الجلايدي، شهوةُ قراءة، ومتعةُ إبداع، محبتي..»
-سيلفي : نصوص قصصية، الإهداء:-« إلى المبدع البهي، محمد الجلايدي، مع فائق الود والتقدير، سفر قراءة ممتع..»
(…)
-ارتدادات..

بعد أن ودعنا بعضنا البعض على أمل لقاء آخر، ترجلت راجعا إلى بيتي، بجمال الحمولة نفسها، التي بها خرجت للقاء! وبمجرد وصولي، رن الهاتف رنة واحدة تحيلني إلى رسالة، عبر الخاص ببرنامج التواصل .. فتحت الهاتف فإذا بي أقرأ من سي المصطفى مايلي:
-«بكل تأكيد أنت لست أديبا فقط بل مفكراً بتواضعٍ جم.»

وفي الغد نشر هذه «التدوينة- الخاطرة» من إبداعه، على جدار صفحته بمنصة التواصل (الفيسبوك) مع مرفق نصي يوثق صورة اللقاء ونحن معا:—« لحظة جميلة أن تجالس صديقا رائعا ك «محمد الجلايدي» حيث مطارحة الفكر والجمال والأسئلة المشتبكة حول الانتقال من الفترة الصناعية إلى القفزة التكنولوجية المتوثبة والمتسارعة. يبدو أن الصديق  العزيز عف ضيق أفق الصراعات الأيديولوجية والنقابية، ووجد ضالته في خلوته المختارة، ورام دنا التأمل والإبداع وشهوة السؤال. يتوارى محمد الجلايدي عن الأنظار لكي ينصت لنبض قلبه وعقله وينسج كدودة القز نسيجه الراقي، وعن قناعة اختار أساليب النشر والتواصل الذكي الإلكتروني والتي ينتصر لها بحماسة وقناعة. محمد الجلايدي أيها الصديق الراقي:- متعة كبرى أن أجالسك وأستمتع بغزير علمك ودفق سردياتك التي تغري المتلقي بقراءتها. لك غرفة في القلب.. المصطفى  كليتي.»
————
(*) الشطر الأول من البيت الأول من قصيدة للمتنبي، غنى منها مقطعا وديع الصافي من تلحينه.. وهي الشذرة الوحيدة التي استقطبها الطرب العربي من شعر المتنبي! على عكس معاصره أبو فراس الحمداني..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading