ابن أمي ومصباحه السحري.. محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

علاء الدين من أشد المعجبين بفيلم «لص بغداد». تفرج على الفيلم في ثلاث نسخ. النسخة المصرية و نسختا هوليود. مع كل فرجة يلتذ بشكل مختلف. تماهى مع الشخصية المحورية وارتمى في الواقع المرجعي الحي ليعيد إنتاجها بإبداعية مبهرة. أنا أخوه وأكبر منه سنا. لكنه يحب كتبي الفلسفية أكثر من حبه الأخوي لي. يردد دوماً على مسمعي هذه اللازمة:
«كتبك أفيد منك يا ابن أمي.»
أضحك ولا أعلق ولا أجادل.
(…)
دوَّخ علاء الدين شرطة المدينة سبع دوخات. حباه الله بيد ساحرة: أصابع دقيقة، رقيقة، خفيفة، تخترق الجيب برشاقة دون إزعاج نومة صاحبه، فتَتْبع يدَه الأوراقُ النقدية كما يتبع المعدنُ المغناطيسَ. مع توالي ورود شكاوى الضحايا، سَمَّته الشرطة «اللص التسلسلي». فكمنت له في جميع الأماكن المكتظة، مع التركيز على المحلات التجارية. ومع ذلك، لم تلقِ القبض عليه هناك، بل ساقته الصدفة إلى المخفر عبر كاميرا مراقبة أمام مصلحة البريد حين سرق دراجة نارية صينية الصنع. وهذا التغيير في سرقاته الموصوفة يحدث لأول مرة في نشاطه اللصوصي. وهاهو الآن مُتَّهم بهذه السرقة، جالس في مكتب التحقيق الذي تديره «اللاجودان-شاف» السيدة منيعة أم المنتصر. وجهاً لوجه، وفي أذنها سماعة. رئيسها المباشر يتابع التحقيق بنفسه من خلف زجاج شفاف، يسمع ويرى لكنه لا يُرى. قدَّمت المحققة نفسها باسمها وكنيتها ورتبتها المهنية وتخصصها في جرائم السرقة. قال علاء باحترام وأدب:
«لي الشرف أن أقابل حضرتك.»
«سأسألك، فعليك أن تجيب بصدق، باختصار، بوضوح، وبلا التواء.»
علاء: «سأفعل، سيدتي.»
منيعة: «حسب البيانات، أنت من أسرة لا بأس بحالها. وحسب التحريات، تأكدنا أن والديك لا يبخلان بتلبية احتياجاتك. فهل هذا صحيح؟»
علاء: «صحيح، سيدتي.»
منيعة: «ولمَ سرقتَ الدراجة النارية؟»
علاء: «غيَّرتُ التخصص.»
منيعة: «وما كان تخصصك في السرقة؟»
علاء: «أنا الذي دوَّختكم سبع دوخات في السرقة الجيبية.»
ثم أضاف: «وأطلقتم عليَّ لقب (اللص التسلسلي).»
أمر الرئيسُ منيعةَ أن تغيِّر مجرى التحقيق بناءً على هذا الاعتراف. فأومأت برأسها دون أن تُزيح بصرها عن وجه علاء. لذلك، اتجهت نحو الدوافع قائلة:
«لماذا تسرق جيوب الناس، يا علاء؟»
أجابها بوحي الكوجيتو الديكارتي:
«لأدرك أنني موجود.»
«الوجود يُبنى بالأعمال الصالحة، لا بالسرقة.»
قالتها برنة صوتية غاضبة، تخفي بعدًا تربويًا تقويميًا مقصودًا. ثم أضافت:
«هل تقرأ كتب الفلسفة؟»
علاء: «أخي مدرس فلسفة، ومكتبته رهن إشارتي.»
منيعة: «كيف تدرك أنك موجود عندما تسرق؟»
علاء: «اللذة:- عندما يدب دبيبها فأنتشي.»
(…)
أمر الرئيس منيعة أن تنتقل إلى المحور الجرمي الأخير، فأشارت برأسها دون أن تُزيح بصرها عن وجه علاء. لذلك، قامت من مقعدها لتُشغِّل التلفاز كي تعرض عليه عملية سرقة الدراجة من أمام مكتب البريد. كان يتابع بتركيز وهو يبتسم بين الفينة والأخرى. بعد ذلك، صاغت منيعة ملخص الشريط بلغتها لتؤسس لسؤالها. قالت: «وقف صاحب الدراجة أمام باب مصلحة البريد. أدار قفل الحركة قرب المقود. دخل. تقدمتَ إلى الدراجة. أقفلتَ العجلة الخلفية بقفل يجمع سلسلة حديدية. خرج صاحب الدراجة، فأدار قفل الحركة. ولما فتحه، تقدمتَ نحوه. كلمته، فترك الدراجة خلفه واتجه إلى الأمام. سؤالي لك، يا علاء:
«إلى أين ذهب صاحب الدراجة؟»
«إلى شرطي المرور.»
«وماذا قلت له؟»
«قلت له إنك أوقفت الدراجة في مكان ممنوع، وجاء الشرطي ذاك يبحث عنك، ولما لم يجدك وضع السلسلة على العجلة، وطلب مني أن أخبرك. فراح إلى الشرطي وترك الدراجة مفتوحة. والبقية تعرفينها.»
أمر الرئيس منيعة أن تسأل عن سبب التحول من سرقة الجيوب إلى سرقة دراجة. فسألت. أجاب علاء:
«لم أعد، في الأغلب الأعم، أجد نقودًا في الجيوب.»
«وماذا تجد؟»
«ذاك النحس الذي اسمه البطاقات الائتمانية.»
«وماذا فعلت بالدراجة؟»
«بعتها بنصف ثمنها، فحققت اللذة لنفسي وحققتها للشاري. فأنا لست أنانيًا.»
وجهها رئيسها أن تسأله عن مفهوم اللذة في تمثله، ففعلت. فأجاب منظرًا:
«اللذة هي ما يشد الناس إلى الحياة. ولكل مصدر لذته. الإفراط فيها ضرر، وقهر الذات بحرمانها ضرر كذلك. والذكي هو من يستلذ بشكل وسطي، لا إفراط ولا تفريط. والحاذق من يلتذ بأقل تكلفة وبما هو بسيط دون تعقيدات في أساليب الحياة.»
منيعة تعود إلى الدراجة لتسقطه في تناقض لم يظهر له: «قلت إنك حققت اللذة لما بعت الدراجة بنصف ثمنها وحققت اللذة للشاري، ألم تنتبه إلى حرمانك صاحبها من حقه في اللذة؟»
ضحك علاء وهو يقول:
«لو كنت سياسيًا، لطالبت بعدالة اللذة من خلال تناقلها، ورفعت شعار “لا لاحتكار اللذة لأنها حق للجميع”.»
«لِمَ تقرأ كتب الفلسفة؟»
«لأفهم العالم من خلال السؤال: من أنا وماذا أريد؟»
«لكن الفلاسفة يطرحون السؤال بإسناده إلى النحن، وليس إلى الأنا الفردية! فكل مشاريعهم الفكرية لا تبتعد عن السؤال: من نحن وماذا نريد؟»
علاء: «ما قيمة فيلسوف يعجز أمام الحصول على خبزة؟»
(…)
أمر الرئيس بإنهاء التحقيق وطلب تقريرًا للمحكمة من منيعة. ولما أكملت هذه المهمة، أحالت التقرير إليه، مُذيَّلًا باقتراح ثلاث سنوات حبساً نافذاً مع عرض المتهم على طبيب نفسي. وافقها الرأي، فأحالت تقريرها إلى المحكمة. عدّل القاضي المدة الحبسية فحكم على علاء بالسجن سنة واحدة فقط، مع تعيين طبيب محلف مختص في المشكلات النفسية لعلاجه.
(…)
الطبيب: «بعيدًا عن الأخطاء التي توجد بسببها هنا يا علاء، ما الذي كنت تريد أن تحققه في حياتك المستقبلية؟»
علاء: «كنت أحلم بأن أختص في تكنولوجيا الإعلام والتواصل.»
الطبيب: «ولماذا لم تفعل؟»
علاء: «والدي كان له رأي آخر.»
الطبيب: «ماذا أراد منك أن تكون؟»
علاء: «طبيبًا مثلك.»
الطبيب: «هل رفضت؟»
علاء: «نعم، رفضت، وهو أصر وسانده فيلسوف العائلة.»
الطبيب: «ومن هو فيلسوف العائلة؟»
علاء: «أخي.»
(…)
اتصل الطبيب بوالد علاء، فأكد له قول علاء. أقنعه بأن يترك لابنه حرية اختياره لتأمين مستقبله، خاصة أن جميع المجالات تعتمد على تكنولوجيا الاتصال والتواصل، التي لم تعد مجرد مرفق حيوي، بل صارت بنية ومحركًا للعصر برمته. وافق والد علاء. صاغ الطبيب تقريره، واصفًا حالة علاء على أنها مجرد «تسليط عدوان». وذيَّله باقتراح تسجيل علاء في معهد لتكنولوجيا المعلوميات، ثم عرضه على القاضي ليؤشر عليه قبل تسليمه إلى مدير السجن.
(…)
قضى علاء مدة عقابه وهو يدرس. فحصل على دورتين بتفوق، مما أهله إلى التخصص. بعد السجن، تخصص في الأمن السيبراني. حصل على الماجستير. ثم عمل في مديرية الشرطة، يرأس قسمًا، وله مكتب بجانب مكتب «اللاجودان-شاف» السيدة منيعة أم المنتصر! هناك، كان يمارس تنمية القدرات الأمنية ضد الهكر الأسود وتطوير طرقها التقنية.
(…)
في المنزل، أثارني التصاقه بالحاسوب. فسألته:
«أخي علاء؟»
«نعم.»
«هل تكمل عمل المكتب في البيت؟»
«لا، هناك أحمي، وهنا ألتذُّ.»
«كيف تفعلها؟»
ضحك منتشيًا، ثم أجابني من دون توقف:
«هناك أمارس الحماية بمصباح سحري ثلاثي الأبعاد.»
«هنا ألتذّ بمصباح علاء الدين السحري.»
«هناك هكْرٌ أبيض وهنا هكْرٌ أسود.»
«هل تعرف معنى الهكر يا ابن أمي؟»
«سأشرحه لك لأنك لن تجد اللفظ في معاجمك الفلسفية.»
«تعال واجلس بجانبي.»
أدركت أن علاء يريد استدراجي ليلتذ أيضا بتفوّقه علي. وهي لذة خاصة يضيفها إلى لذته العامة، عندما يضعني في موضع الجاهل وهو في مقام العارف. لذلك أجبته وأنا أضحك:
«لا أريد أن أعرف.»
ثم تركته في غرفته وتوجهت إلى غرفتي. كان صدى ضحكاته يلاحقني. أخذت هاتفي ونقرت على العقل الصناعي الذي أُضيف مؤخراً إلى تطبيق الواتساب. سألته عن الهكر فأجابني. سألته عن النوع الأبيض فأجابني. سألته عن الأسود فأجابني. سألته عن مصدر اللفظ فأجابني. ومن يومها قررت أن أحرم علاء من لذة تفوقه علي إذا طرح سؤالاً لا أعرف له جواباً. أُقدّمُ (الميم) الرافضة وأكرر له هذه اللازمة:
«للي فراس الجمل فراس الجمّالة.»



