رحم الله زمناً✍️محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

-جدي، اشتر لي دراجة؟!
لم أتسرع في وعده.
(…)
لأنني من جيل «دليلي احتار وحيرني». لذلك أردد دوماً:- رحم الله زمناً كنا نجد فيه الوقت للتمتع بمطولات «أم كلثوم» و «راحلة» الحياني وغيرهما. أبحث عن سر بقاء هذه الألحان في قلب الزمن المغربي والعربي الرومانسي، فلا أجد سوى إجابة واحدة: كل نغمة تجمع في إبداعها ثلاث تيجان -تاج الكلمة، وتاج اللحن، وتاج الصوت- لابد أن تعانق الخلود لأطول مدة ممكنة. والفنان الذي يستلهم عصره وتراثه، ليبدع تاج الخلود لعمله، كان يمتلك بصيرة عاقلة وقلبًا يرى ما لا تراه العيون! ثم أتساءل، ألم يكن القصبجي أعمى؟ والسيد مكاوي أعمى؟ وعبد السلام عامر أعمى؟ وغيرهم كثر في هذا المجال وفي غيره! ثم أختم:
-رحمكم الله و رحم زمنكم!
(…)
تجاوزت منتصف الستين. بعد التقاعد صرت أحمل في دماغي خريطة عمري المجعدة وأنا أمشي. وهن العظم واشتعل الرأس شيباً. أتكئ على عكازي ليرافقني في خطواتي البطيئة. أروي له بعضاً من حكاياتي الماضيات كلما صادفت باعثاً يذكرني بها. وحيداً أعيش في حيّ هادئ، تتبادل فيه البيوت السلام بالنظرات لا بالقول! الكل في همه تائه. والكل يسابق زمنه كي لا يلفظه إلى الهامش ويرمي به كما يرمي نهر سبو نفاياته! وحدها أصوات الأطفال تتردد كصيحات الديكة كل صباح، وهم يتسابقون مع جرس المدرسة! فأردد لنفسي:
-رحم الله زمني أيضاً!
(…)
ابني وزوجته كانا يشتغلان بدوام كامل في مصنع السيارات الذي يقع في المنطقة الصناعية عند مخرج المدينة المفضي إلى الشمال. وفي العام المنصرم قررت إدارة المصنع أن تتحول إلى صناعة السيارات الذكية المبرمجة على ذاتية القيادة. والمصنع فرع مستحدث تابع للشركة العابرة للقارات (Peugeot) ومقرها المركزي بالتراب الفرنسي. هذا التحول اقتضى إعادة الهيكلة. فسرحت الشركة ثلثي العمال مقابل مكافأة لنهاية الخدمة. ولأن مدونة العمل في بلدنا صيغت على قاعدة «مفهوم الليونة»، فإن «التسريح» لأسباب إعادة الهيكلة أو بسبب الإفلاس، صار ظاهرة محمية بسلطة القانون في البلد. فأردد:
-رحم الله زمن دوام العمل!
(…)
تذكرت فحكيت لعكازي:
كنت مع «أبي غفارا» في جلسة تفاوض بين أطراف الحوار الاجتماعي، وكنا نمثل مركزيتنا النقابيّة. وكان رئيس الحكومة يقود التفاوض، وهو من كبار الصناع في البلد. رجل حوار، متفهم، وإذا أمسك بملف يركز عليه حتى ينهيه. وكان الملف المطروح يتعلق بمراجعة مدونة الشغل. تدخل واحد من ممثلي الباطرونا ليدافع على الليونة فقال بجرأة هجومية:
-العلاقة مع العامل علاقة شغل. وليست علاقة زواج تبنى على القول “ما جمعه الله لا يفرقه إنسان”. بل حتى الزواج اليوم صار خاضعاً لعقد اتفاق بين المرأة والرجل..
أجابه «أبو غفارا» بحدة في الصوت:
-صحّي النومْ يا ولد» ولما انتبه قال له:
-نحن لا نناقش استبدال إنسان بإنسان. إننا نسعى لنؤَمِّن بلدنا. وذلك بوضع ضوابط عادلة تجاه الآتي. والآتي حتماً هو استبدال إنسان بروبوت.
أمال «أبو غفارا» رأسه وهمس لي: «مارأيك في هذا الجواب» أجبته:
-شتّان بين مبصرٍ مصاب بعمى البصيرة، وأعمى يُبصر بعقله وقلبه!
أمسكت بعكازي وقلت في نفسي:
-رحمك الله يا (أبا غفارا) ورحم زمنك!
(…)
لم تستغن الشركة عن ابني وزوجته، لأن تخصصهما في هندسة التحكم الآلي عبر الحواسيب.. لكنها خفضت ساعات عملهما إلى النصف، فانخفض دخلهما. خشيا من مواجهة ضنك العيش، فبحثا عن عمل داعم، ووجدا عملا ثالثاً يشتغلان فيه عن بعد خلال ثلاث عطل أسبوعية. ولم يبق لهما سوى العطلة الأسبوعية عند نهاية كل شهر ليستريحا. يأتيان ليأخذا «ليام» كي يقضي معهما هذين اليومين، ويعيدانه لي خلال مدة العمل. نتواصل عبر السكايب كل ليلة. وعند نهاية كل تواصل يختمانه بهذه الجمله:
-«الحمد لله أنك سند لنا».
وأنا أيضا أكرر جملتي لهما كي يطمئنا:
-الحمد لله، لإن «ليام» يعلمني كيف أكون جدّا صالحاً.
وخلال تواصلي معهما اليوم طلبت منهما الإذن لشراء دراجة تلبية لطلب «مروان» فوافقا. ثم ختمت التواصل بالقول لنفسي:
-رحم الله زمن التربية عن قرب!
وأضفت:
-ورحم الله زمن البدلة الزرقاء في المصانع، أيضاً!
(…)
-ليام
-نعم جدي
-غداً بعد عودتك من المدرسة سآخذك معي إلى متجر بيع الدراجات.»
طار علي بالعناق والقبل وهو يهتف بأعلى صوته:
-الله يحفظك آ جدي.
وأضاف:
-شكراً جدي.
قالها بتشديد في الصوت، فانفجرت ضاحكاً. ثم علقت بهمس لنفسي:
-باعد الله عنك ما يحزن يا ولدي.
(…)
وقفنا أمام دراجتين جذبتا عيني «ليام». الأولى هوائية، إطارها أزرق، عجلاتها نحيلة مزينة بخطوطٍ بيضاء، مقودها مستقيم ييسر إحكام القبضةٍ عليه. تقف بثقة، كأنها تنتظر صبيًا يتحدى الريح. الثانية كهربائية، إطارها رمادي معدني يلمع كسيفٍ مصقول، بطاريتها مدمجة كقلبٍ ميكانيكي، عجلاتها عريضة ومصابيحها الصغيرة تومض كعيونٍ ذكية. تقف بأناقةٍ هادئة، كأنها تعرف سر الوقت.
جلستُ بجوار «ليام»، وأنا أشرح له بهدوء، كأنني أحكي له قصةً من أيامي القديمة:
-انظر، يا ليام، هذه الدراجة الهوائية الزرقاء خفيفة كريشة، تجعلك تشعر بالريح وأنت تدفع عجلاتها بقدميك. قيادتها تقوي ساقيك. لكنها تحتاج جهدًا، خصوصًا إذا كنت تصعد تلةً أو تواجه ريحًا معاكسة.
توقفتُ، أراقب عينيه وهو يتأمل الدراجة بنظراتٍ حالمة. ثم أشرتُ إلى الكهربائية وقلت:
-أما هذه، فهي كالخيول السحرية. بطاريتها تحملك بسرعة دون أن تتعب. إنها للذهاب إلى المدرسة، لتصل في الوقت المناسب دون عرقٍ أو إرهاق. لكنها أثقل، وتحتاج إلى شحنٍ كل يوم.
عقد «ليام» حاجبيه، كأن عقله ميزانٌ يتأرجح بين الخيارين. نظر إلى الهوائية، ثم إلى الكهربائية، ثم إليّ، وسأل بصوتٍ فيه حيرةٌ طفولية كحيرة الفراشات وهي تطير وتحط، ثم تطير وتحط.. : -جدي، أيهما أختار؟
ذكرني بأغنية «دليلي احتار وحيرني» وبزمنها. ابتسمتُ وقلتُ:
-فكر. هل تريد دراجةً لتلعب وتستمتع في أوقات الفراغ وفي الآن نفسه تتريض؟ أم تريد الأخرى لتصل إلى المدرسة دون تأخير؟ الخيار يعتمد على ما تحتاجه.
لكنه بدا أكثر ارتباكًا، يفرك يديه وهو ينظر إلى الدراجتين كأنه يفك لغزاً. فجأة، رفع «ليام» رأسه، وعيناه تلمعان كأنه وجد مفتاحًا لفك اللغز. قال:
-جدي، أريد الاثنتين!
ضحكتُ بدهشة:
-«اثنتين؟ ولماذا؟
أجاب بحماسٍ يفيض بالمنطق الطفولي الذي تحركه الدهشة الفلسفية في تبلورها الأولي:
-الدراجة الزرقاء للرياضة، وأنا أحلم بأن أكون درّاجاً يحمل القميص الوطني. ولألعب بها أيضاً في الحديقة مع أصحابي في أيام العطلة. والكهربائية للمدرسة، لأصل في الوقت ولا أتأخر عن الحصص. هكذا أستمتع وأحافظ على الوقت!»
توقف، ثم أضاف بابتسامةٍ:
-وأنت دائمًا تقول إنني يجب أن أكون ذكيًا، صحيح؟
(…)
في طريقنا إلى البيت، شعرتُ بدفءٍ يملأ صدري، ليس فقط لأنني أسعدتُ حفيدي، بل لأنه علّمني درسًا وأنا أقول لنفسي:
-إذا كان عصر «ليام» لا يفرض خيارًا واحدًا. فيمكن لعقلٍ صغير أن يجد طريقًا ليجمع بين المتعة والمسؤولية لمواجهة فيض الاختيار.
بعد ذلك ختمت:
-رحم الله زمن التماثل المنمط في الشراء!
(…)
جاء ابني وزوجته ليأخذا «ليام» كي يقضي معهما العطلة الأسبوعية آخر الشهر كالمعتاد. فخرج إليهما في جو احتفالي وهو يعرض أمامهما دراجتيه. عانقاه وأمطراه بالقبل.
سألته أمه:
-أي الدراجتين سنأخذ معنا؟
-الهوائية.
-ولماذا الهوائية وليست الكهربائية؟
أجاب بنبرة جدية:
-الكهربائية للعمل يا أمي.
ضحكت وهي تعانقه، ثم قالت:
-أصبحت رجلا مع جدك.
التفت إليّ وهو يلوح بيده: «
-إياك أن تركب على دراجتي الكهربائية ياجدي.
-ولم لا أركبها يا ليام؟
ضحك وهو يقول ليذكرني بجوابي له عندما يسألني عن سبب تحركي في المكان ببطء:
-لأنك تمشي على ثلاث ياجدي.
قضيت أمسيتي وأنا أضحك. وأعلق بصيغة استفهامية:
-وهل المكان خط مستقيم يا ليام؟
-أوليس المكان في عصرك صار ثلاثي الأبعاد؟
(…)





