ليلى الأخيلية وضرب النواقيس – محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

أطلق النفخ في صفارته فجذب أنظار الناس إليه. ظنوا الصفير يتعلق بامرأة تعرضت لتحرش، فإذا بهم يجدون (با) إبراهيم الحكواتي هو الذي يصفر! فتضاحكوا وتحلقوا حوله، وسرعان ما صارت حلقته أكثر حشدًا من باقي الحلقات في الساحة. ولما كان أغلب الحضور من النساء، ألقى مقدمة طويلة مزدانة بالمحسنات البديعية حتى استمال أسماعهم وجذب انتباههم. ثم انطلق يروي سيرة امرأة متميزة شكلًا، منفلتة جوهرًا، فقال:
هي ليلى بنت عبدالله بن الرحال، اشتهرت بليلى الأخيلية نسبة إلى جدها الأخيل. هيفاء مقبلة، عجزاء مدبرة، ممشوقة القد، دقيقة الخصر، ناهدة الصدر. إذا مشت تمايلت، وإذا جلست استوت كملكة على عرش جلستها! وجهها قمر وشعرها ليل! وإذا تكلمت، نطقت بالبيان! وبشعرها علت مكانتها بين شاعرات العرب. كانت إذا أنشدت، تتدفق أشعارها من لسانها كالدرر، فينكس أعلام فحول الشعر وفطاحلته! لا تتقدمها من الشاعرات سوى الخنساء! وكانت لبيبة، عفيفة، شجاعة، جريئة، ومحنكة!
أحبت ليلى ابن عمها توبة، واصطفاها توبة من دون نساء القبيلة حبيبة. كان يتصف بالشجاعة، ومكارم الأخلاق، ونظم الشعر، وكانت أكثرية أغراض شعره غزلًا في ليلى. ولما طلب يدها للزواج، رفض أبوها! ورغمًا عنها، زوجها أبوها من أبي الأذلع، الذي كرهته كرهًا شديدًا. لكن زواج ليلى لم يمنع توبة من اللقاء بها. ولما شاع الخبر، اشتكت قبيلة أبي الأذلع إلى السلطان، فأهدر دم توبة إن عاود زيارة ليلى. فكمنوا له يترصدونه في المكان المعتاد. وفي يوم اللقاء، خرجت إليه ليلى سافرة بوجهها، لم تتلحف بالنقاب كعادتها. ففطن توبة للكمين، وركب فرسه وركض. وكانت ليلى سبب نجاته! إنها لغة العشق، يا سادة، ولغة العشق لا يدركها إلا أهلها! فهم لا يحتاجون إلى كلام في مثل هذه الحالات الصعبة!
ثم انتقل (با) إبراهيم الحكواتي إلى زوجها، فقال: حضرني زوجها في المخيلة، جاء باكيًا شاكيًا! قهره صدود ليلى! فنصحته قائلًا:
«لا تقربها حتى تجعل بينك وبينها رسولًا.»
سألني ببلاهة:
«وما الرسول، يا (با) إبراهيم؟»
قلت له موضحًا:
«انظر إليها بحنان، ثم قل لها قولًا جميلًا.»
ولما فعل، صعقته بقولها:
«أنا دجاجة؟»
«إي، كُلْني!»
وجاءني باكيًا شاكيًا، فغيرت نصيحتي له قائلًا:
«حاورها، يا أخي، فلن يسمع إلا الله تحاوركما.»
فتشجع وقال لها:
«لماذا خلقك الله بهذا الجمال؟»
أجابته بتهكم:
«ليعذبك.»
غضب بسرعة، وسأل بتهور:
«ولماذا خلقك الله بهذا الغباء؟»
أجابته بذكاء ودهاء:
«لأقبل بك زوجًا.»
أطرق وسأل:
«لماذا تكرهينني؟»
أجابته بيقين:
«كل ما يصدر عنك يذكرني بالكفن!»
وكانت ليلى الأخيلية تتجول بساحة گيليز قبل قليل، فاعترضت سيرها شابات يقمن بحملة الصفارات ضد التحرش في الشوارع. أخذت منهن صفارة، وبدل أن تحتفظ بها، جاءتني إلى الحلقة، فأوقفتني عن الكلام وقالت:
«خذ هذه الصفارة، آ(با) إبراهيم، لست بحاجة إليها.»
قلت لها احترازًا:
«احتفظي بها، يا ابنتي، للضرورة.»
ابتسمت في وجهي برقة وقالت:
«أعجبتني الفكرة، لكني لا أحتاج إلى صفارة فحسب.»
فضحكت وقلت:
«أتريدين مسدسًا، يا ليلى؟»
فانفجرت ضاحكة حتى أدمعت عيناها، ثم قالت بحزم الواثقة من نفسها:
«أحتاج إلى ضرب النواقيس، لا إلى صفارة! لذلك سأُثبت النواقيس التي تُصدر أجراسًا كأجراس الكنائس، لكن في بيتي أولًا، لا في شوارع المدينة!»





