مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
قرأت لك

كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفوكوياما: فكر أم إيديولوجيا؟ ✍️محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

صورة لشخص يجلس خلف مكتب مع ميكروفون، يقرأ من ورقة، يبدو أنه يتحدث خلال حدث أو مؤتمر.

سؤال البدء الذي نقله من المقالة إلى الكتاب:- هل كتابة «التاريخ الشمولي للبشرية» أمر ممكن، مع انتصار الديموقراطية الليبرالية في نهاية القرن الماضي؟ يجيب فوكوياما عن هذه الإمكانية ب (نعم) المؤكدة:- فما مضمون (نعم) بالنسبة له؟ وكيف بنى فوكوياما مفهومه للتاريخ الشمولي للبشرية؟ وماهي خلاصة مفهومه ل «التاريخ الشمولي للبشرية»:

  مضمون (نعم) لدى فوكوياما بخصوص إمكانية التاريخ الشمولي للبشرية:

هذه المهمة أمر ممكن في نظر فوكوياما. و ينطلق من فكرة إيمانويل كانط عن التاريخ كعملية موجهة ذات غاية، لكنه يرى أن كانط لم يكمل هذه المهمة بشكل كامل، في حين طوّر هيغل هذا المفهوم بشكل أعمق، وأكمله ألكسندر كوجيف (الفيلسوف الفرنسي- الروسي):

-كانط والتاريخ الشمولي: كانط، في مقاله «الصراع بين الكليات» وغيره، رأى أن التاريخ عملية موجهة نحو تقدم أخلاقي وعقلاني للبشرية، لكنه لم يقدم تفسيرًا كاملاً لكيفية تحقيق ذلك. 
-فوكوياما يرى أن كانط وضع أساسًا نظريًا لفكرة التاريخ كسيرورة شاملة لكنها ظلت غير مكتملة.

-هيغل وإكمال المهمة: هيغل طوّر فكرة التاريخ الشمولي من خلال مفهومه عن «الديالكتيك»، حيث يرى التاريخ كصراع أيديولوجي (أطروحة ونقيض وتركيب) يتقدم عبر الزمن نحو تحقيق الحرية والاعتراف المتبادل.


– فوكوياما يعتمد على هيغل ليؤكد أن التاريخ متماسك وموجه نحو غاية نهائية.

-كوجيف وتفسير الحداثة: في تفسيره لهيغل، وظّف فكرة التاريخ الشمولي ليربطها بالحداثة. بدلاً من التركيز على تفسير فكر هيغل. رأى كوجيف أن «نهاية التاريخ» تتحقق في نظام سياسي- اجتماعي حداثي، يحقق الاعتراف العام.


-وفوكوياما يتبنى قراءة كوجيف ليربط كتابة التاريخ الشمولي بالديمقراطية الليبرالية كنتيجة نهائية. 


(…)

-معناه أن كتابة التاريخ الشمولي في نظره، تبدأ مع كانط (فكرة التقدم)، تتكامل مع هيغل (الديالكتيك والاتجاه نحو الحرية)، وتُتوج مع كوجيف الذي يفسر هذا المسار في إطار الحداثة، حيث يصبح التاريخ سردية موحدة تُسجل التطور البشري نحو الديمقراطية الليبرالية كغاية شاملة.

(لكن «التشاؤم» الذي ساد الفكر الغربي عموماً، بفعل الشرور التي عاشتها البشرية في القرن الماضي، شككت في جدوى كتابة أي تاريخ شمولي. وبعد عودة «التفاؤل» على إثر فشل الأنظمة التسلطية، انتدب فوكوياما نفسه للقيام بهذه المهمة.)

(…)

ينطلق فوكوياما من مفهوم «التاريخ كمبحث معرفي» ليبعده عن المفهوم الذي يصبو إليه، خاصة وأن المقالة قبل الكتاب، ووجهت بنقد قوي وشاسع، ومرد ذلك -في تقديره- أنه استعمل لفظ «تاريخ» الذي أسيء فهم قصديته منه:

فالتاريخ، في معناه المعرفي، بحث تسجيلي للأحداث والوقائع التي شهدتها المجتمعات البشرية في أزمنتها المختلفة، ويهتم بتوثيق ما جرى، وتحليل السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية التي أفرزت تلك الأحداث، دون أن يفترض وجود اتجاه أو غاية نهائية لها. إنه مبحث وصفي- تحليلي، يُعنى بإعادة بناء الماضي وفهم تشكل الحاضر، لكنه لا يتضمن بالضرورة حُكمًا على المصير أو تصورًا كليًّا لمسار البشرية. 

و فوكوياما يُبعد هذا التعاطي المعرفي مع التاريخ، لأن مشروعه عن «التاريخ» ليس مجرّد تسلسل وقائع، بل هو مجال لعمل فلسفي موجّه نحو غاية، تُحرّكه دينامية داخلية ترتبط بطبيعة الإنسان وتطوره، لا بمجرد تراكم الأحداث متقطع الحلقات. 

ف «التاريخ» الذي يقصده في عمله «نهاية التاريخ» ليس سجلًا لما وقع في ماضي البشرية، بل مسارًا عقلانياً له بداية صيرورة تنتهي إلى بنية سياسية شاملة تعتمد على المجانسة الليبرالية، تمثل اكتمال هذا التطور ليشمل كل الجغرافيات البشرية على الأرض. لذلك يحدد معنى التاريخ في الدلالة التراكمية المتحولة نوعياً.

كيف بنى فوكوياما مفهومه للتاريخ الشمولي للبشرية؟

١-مفهوم «التاريخ الكلي التراكمي النوعي»:

هذا مفهوم التاريخ الكلي التراكمي النوعي يشكل أحد المرتكزات الأساسية في تصور فوكوياما للتاريخ الشمولي. فالتاريخ، في هذا الإطار، ومن هذه الزاوية، ليس سلسلة منفصلة من الأحداث أو الحضارات المتعاقبة، بل هو مسار متصل تتراكم فيه التجارب البشرية وتتفاعل إسهامات الشعوب والثقافات لتشكل وعيًا جمعيًا يتطور مع الزمن. فكل مرحلة تاريخية تُبنى على ما قبلها، لا بإلغائها بل باستيعابها وتجاوزها، في عملية تراكُم معرفي وسياسي وأخلاقي. هذا التراكم لا يقتصر على التقدم العلمي أو التكنولوجي، بل يشمل تطور مفاهيم كالحرية، والمساواة، والكرامة الإنسانية، مما يجعل التاريخ عند فوكوياما حركة عقلية كونية تمضي نحو غاية تتجسد في نظام شامل وعادل يعم الأرض، ويستوعب دروس الماضي ويُحقّق طموحات الإنسان الحديث.

٢-مفهوم «المنطق الفزيائي في علاقته بالتاريخ الكلي التراكمي النوعي»:

يرتبط مفهوم المنطق الفيزيائي في تصور التاريخ الكلي التراكمي لدى فوكوياما بما تنتجه البشرية من تقدم علمي- تقني يُفضي إلى تحولات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فالمنطق الفيزيائي لا يُقصد به قوانين الطبيعة فحسب، بل منظومة المعرفة التقنية والتطبيقية التي تتحكم في وسائل الإنتاج وتعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمعات. وهذا التقدم، بحسب فوكوياما، ليس محايدًا أو معزولًا عن حركة التاريخ، بل يشكل أحد أعمدتها، لأنه يولّد أنماطًا من التنظيم السياسي والاقتصادي أكثر كفاءة واستجابة لتطلعات الإنسان. وهكذا، يصبح المنطق الفيزيائي دافعًا موضوعيًا في المسار الكلي التراكمي للتاريخ النوعي، حيث تفرض التكنولوجيا شروطًا جديدة تدفع بالبشرية نحو أشكال حكم عقلانية، تُسرّع بلوغ الغاية النهائية للتاريخ: نظام شامل يحقق الحرية والمساواة، ويقوم على أفضل ما توصل إليه العقل البشري من أدوات ومعرفة.

٣-مفهوم «التاريخ» في المسيحية:

فوكوياما، في رؤيته للتاريخ، يتفاعل مع «مفهوم التاريخ» في المسيحية بطريقة انتقائية، حيث يرفض عناصره ويتبنى واحداً لصياغة فكرته عن التاريخ الموجه:- يرفض فكرة الوعد في العالم الآخر، و يستبعد الرؤية المسيحية التقليدية للخلاص أو الوعد بالحياة الأخروية. و يتبني فقط فكرة الغائية الزمنية في الطرح المسيحي: أي أن التاريخ عملية خطية لها بداية ونهاية وهدف. و في المسيحية، تبدأ هذه العملية بخلق الله للإنسان (كما في سفر التكوين) وتنتهي ب «فتح السموات» (كما في سفر الرؤيا). فوكوياما يُعلمِن هذه الفكرة، فيراها كمسار تطوري يبدأ بتطور المجتمعات البشرية وينتهي في الأرض بالديمقراطية الليبرالية كنظام يحقق الاعتراف والمساواة. ولا ينتهي في العالم الآخر.

٤-«مفهوم التاريخ الغائي»:

يشير مفهوم التاريخ الغائي إلى التصوّر الذي يرى أن لحركة التاريخ اتجاهًا ومعنى وغاية نهائية، وليس مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية أو التكرارات الدورية. فالتاريخ، في هذا المنظور، يتحرك وفق منطق داخلي نحو تحقّق هدف محدد، يتمثل في حالة سياسية- اجتماعية يُنظر إليها باعتبارها الشكل الأرقى والأنسب لتنظيم حياة البشر. وفي فلسفة فوكوياما، الغائية ليست فرضًا خارجيًا على التاريخ، بل هي ناتجة عن طبيعة الإنسان وسعيه إلى الاعتراف، والحرية، وتحقيق ذاته. وبهذا، تصبح نهاية التاريخ – كما يتصورها- نتيجة ضرورية لمسار طويل من الصراعات والتراكمات، تُفضي إلى نظام شامل يجسد أرقى ما وصلت إليه الإنسانية في الوعي والتنظيم. فالتاريخ الغائي، عند فوكوياما، هو تاريخ موجَّه، عقلاني، وشامل، تلتقي فيه الطاقات التقنية والسياسية والروحية في نقطة اكتمال لا يمكن تجاوزها. وبما أن هذا التاريخ كلي تراكمي نوعي وغائي فهو خطي طولاني.

٥-مفهوم «التاريخ الخطي الطولاني»:

يشير مفهوم التاريخ الخطي الطولاني إلى الرؤية التي ترى أن التاريخ يسير في اتجاه مستقيم ومتّصل من نقطة بداية إلى نقطة نهاية، حيث تتوالى الأحداث وتتعاقب المراحل في صيرورة زمنية متقدمة لا تعود إلى الوراء. هذا التصور يفترض أن للتاريخ منطقًا داخليًّا، وأن هناك ترابطًا تراكميًا بين الحقب، بحيث تبني كل مرحلة على ما قبلها وتتجاوزها. وعلى عكس التصور الدوري، لا يتكرر التاريخ في دورات مغلقة، بل يتقدّم عبر الزمن نحو غاية، سواء كانت خلاصًا دينيًّا، أو تحققًا عقليًّا، أو نظامًا سياسيًّا عادلًا.

وقد تبنّى فوكوياما هذا التصور التاريخي الخطي الطولاني بوصفه الإطار الحاكم لفهم التاريخ الإنساني، حيث يرى أن البشرية تسير في مسار تصاعدي من التخلف والاستبداد نحو الحرية والاعتراف والمساواة. ويعتمد في ذلك على تراكم التجربة البشرية، وتقدم المعرفة والتكنولوجيا، وتطور المؤسسات السياسية، وصولًا إلى نظام عالمي شامل يجسّد ذروة الوعي الإنساني والسياسي. وهكذا، يصبح التاريخ، عنده، ليس مجرد حركة زمنية، بل رحلة عقلية- إنسانية تتقدم في خط متصل نحو اكتمالها. لذلك وبناء عليه، يستحضر المفهوم الدوري للتاريخ، كي يبعده عن مقاربته.

٦-مفهوم «التاريخ الدوري»:

مفهوم التاريخ الدوري يشير إلى الرؤية التي ترى أن الأحداث والتطورات البشرية لا تتجه نحو غاية أو تقدم مستمر، بل تتحرك في دوائر تتكرر فيها أنماط الصعود والانهيار. في هذا التصور، التاريخ أشبه بحركة الطبيعة: يولد ويزدهر ثم ينهار ليبدأ من جديد، دون بلوغ حالة نهائية مستقرة. وقد تبنّى هذا المفهوم عدد من الفلاسفة والمفكرين القدماء الذين رأوا أن الحضارات تمر بدورات من القوة ثم الضعف، في تكرار لا يُفضي إلى تقدم دائم. 

على النقيض من ذلك، يرفض فوكوياما هذا المنظور، لأنه يرى في التاريخ مسارًا خطيًّا تراكميًا ذا طابع غائي، يتجه نحو اكتمال سياسي- فلسفي، لا مجرد تكرار لعبث الصراع. فالتاريخ عنده ليس دائريًا، بل يتقدّم بفعل التراكم العقلاني والتقني، وسعي الإنسان لتحقيق الكرامة والاعتراف. وهو أيضاً موجه.

٧-مفهوم «التاريخ الموجه»:

يشير مفهوم التاريخ الموجَّه إلى الفكرة القائلة بأن حركة التاريخ ليست عشوائية ولا خاضعة للصدف أو الإرادات العابرة، بل تسير وفق قوة داخلية أو منطق معيّن يدفع بها نحو غاية محددة. فالتاريخ الموجَّه يتضمّن القناعة بأن وراء التعاقب الزمني للأحداث اتجاهًا عقليًّا، سواء استُند في ذلك إلى إرادة إلهية (كما في الفكر الديني)، أو إلى جدلية عقلية (كما في فلسفة هيغل)، أو إلى البنية المادية والاقتصادية (كما في تصور ماركس).

وقد استعاد فوكوياما هذا التصور في سياق مقاربته، فرأى أن التاريخ البشري موجه من الداخل، بفضل عاملين أساسيين:- تقدم المعرفة العلمية- التقنية (العلوم و المنطق الفيزيائي)، والسعي الإنساني للكرامة والاعتراف (المنطق الإنساني). لذلك فهو إذن عقلاني.

٨-مفهوم «التاريخ العقلاني»:

يشير مفهوم التاريخ العقلاني إلى التصوّر الذي يرى أن مجرى التاريخ تحكمه قوانين أو مبادئ عقلية يمكن فهمها وتفسيرها، وأن التغيّرات والتحوّلات الكبرى في حياة البشر ليست فوضوية أو اعتباطية، بل تستند إلى منطق عقلي داخلي. في هذا الفهم، يكون التاريخ مجالًا تنتظم فيه الأحداث والأنظمة والأفكار وفق تطور تدريجي في الوعي، والمعرفة، وتنظيم المجتمع. وقد تجلّى هذا المفهوم بوضوح في فلسفة هيغل، الذي رأى أن التاريخ هو مسار العقل في العالم، أي أن الروح الكلية تتطوّر عبر صراعات وتناقضات تنتهي إلى وعي الذات والحرية.

وقد تبنّى فوكوياما هذا التصوّر الهيغلي، ولكن في سياق خاص به ضمن مقاربته. فالتاريخ في فهمه ليس فقط موجهًا، بل هو أيضًا عقلاني لأن مساره محكوم بمنطقين متداخلين:- المنطق الفيزيائي: تطوّر المعرفة والتكنولوجيا بما يفرض أشكالًا تنظيمية عقلانية. والمنطق الإنساني: سعي الإنسان إلى الحرية والاعتراف، وهو ما يدفعه إلى تجاوز الأنظمة القمعية نحو أنظمة عقلانية تحفظ كرامته.

وبذلك، فإن التاريخ عند فوكوياما عقلاني لأنه يتحرّك نحو غاية يمكن تفسيرها بالعقل والمنطق، وتتمثل في بناء نظام عالمي شامل يقوم على المؤسسات السياسية الليبرالية، والحرية، والمساواة، كأعلى تعبير عن النضج العقلي للبشرية.

٩-مفهوم «التاريخ» في الفلسفة اليونانية:

في الفلسفة اليونانية، لم يكن التاريخ يُنظر إليه بوصفه مسارًا تقدميًّا ذا غاية واضحة، بل كان يُفهم في الغالب كحركة دائرية أو تكرارية تخضع لقوانين الطبيعة أو لتبدلات النظام السياسي. فعند أفلاطون، وخصوصًا في كتابه «الجمهورية»، يطرح تصوراً مثالياً للمجتمع والسياسة، لكن التاريخ، في رأيه، يسير من حالة مثالية أصلية نحو أشكال أدنى، في انحدار تدريجي نحو الفساد. ولا توجد في فكر أفلاطون غاية تاريخية يتجه نحوها البشر، بل هو تدهور مستمر من المثال. 

أما أرسطو، في كتابه «السياسة» فقد نظر إلى التاريخ من زاوية تحليلية- تجريبية، حيث تتكرر النظم السياسية في دورات: من الملكية إلى الأرستقراطية، ثم إلى الديمقراطية، فالفساد، لتعود الدورة من جديد. فالتاريخ عنده دائري يخضع لتحولات منتظمة دون اتجاه تصاعدي دائم.

هذا التصور الدوري للتاريخ في الفلسفة اليونانية يرفضه فوكوياما بوضوح، لأنه يتناقض مع رؤيته للتاريخ كمجال تراكمي وغائي، يتقدم نحو اكتمال عقلاني شامل. فالتاريخ عند فوكوياما لا يعود على نفسه ولا يكررها، بل يتحرك في خط تصاعدي، بفعل التقدم التقني والوعي السياسي- الإنساني، متجاوزًا الرؤية اليونانية التي لا ترى في التاريخ سوى تكرار وتحوّل في الأشكال دون معنى نهائي.

     مفهوم فوكوياما ل «التاريخ الشمولي للبشرية»:

بعد أن حدد فوكوياما التوضيحات المفهومية لأركان فهمه للتاريخ الشمولي ، يصوغ مفهومه لهذا التاريخ وفق البناء اللغوي والمحمول المضموني التالي:

ليس التاريخ أحوالاً فوضوية وليست عبثية. وأيضا ليس التاريخ سجلا من المعارف والمعلومات والمعطيات الموثقة في أرشيف البشرية. بل هو عملية تراكمية للتجارب الإنسانية التي تتطور عبر الزمن. هذا التراكم يتجسد في مسار يهدف إلى تحسين الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتخلي المطرد عن الأنظمة الفاشلة بناء على نتائجها العملية والملموسة. إنه التقدم المستمر للتفاعل الحضاري بما تحمله كل حضارة من تجارب وخبرات في بناء المعرفة الإنسانية الجماعية. فزوال حضارة ما لا يعني بالضرورة زوال ما أنجزت من علوم وفنون وتجارب في الحكم. بل بالعكس، فالمنجزات الحضارية تلك تدمج في الصيرورة التاريخية للبشرية، وتؤثر على الحضارات اللاحقة. تفنى حضارة ما وإسهاماتها لا تفنى. أما زوال هذه الحضارة أو تلك، فهو غالباً ما ينتج عن فشل أنظمتها السياسية والاقتصادية في التكيف مع التحديات التي تواجهها. وحتى الفشل يشكل دروساً تضاف هي الأخرى إلى الخبرة الإنسانية، مما يساعد على صيانة الأفضل من تلك الأنظمة. 

ومفهوم «التاريخ الشمولي» بهذا المحمول المضموني يعني أنه:

– كلي تراكمي، خطي طولاني، غائيّ، موجه، متماسك وعقلاني. ويخضع لصيرورة تفاعلية صراعية تنتج التحول تلو التحول في اتجاه شيوع وسيادة أسلوب واحد في الحكم يعم أديم الأرض. وهذا الحكم لن يكون قائماً إلا على مبادىء: «الحرية»، «المساواة» و «العدالة». وهي المبادىء التي أبدعتها «الديمقراطية الليبرالية» واعتمدتها.(…)

فكيف استجلب فوكوياما مفهومه الخاص ل «التاريخ الشمولي للبشرية» من فلسفة التاريخ؟

يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading