فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفوكوياما: فكر أم إيديولوجيا؟ 2 محمد الجلايدي-المغرب

بناء على البنية الاستفهامية في مقاربة فوكوياما ل «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» وتحديد فهمنا المعرفي للجهاز المفاهيمي الذي اعتمده، على ضوء نظرية المفاهيم، طرحنا سؤال المنطلق: – ماهو مفهوم فوكوياما ل «التاريخ الشمولي للبشرية» من زاوية رؤية فلسفية إطلاقية؟ وحددنا هذا المفهوم بالنسبة له:- بأنه كلي تراكمي، خطي طولاني، غائيّ، موجه، متماسك وعقلاني. ويخضع لصيرورة تفاعلية صراعية تنتج التحول تلو التحول في اتجاه شيوع وسيادة أسلوب واحد في الحكم يعم أديم الأرض. وهذا الحكم لن يكون قائماً إلا على مبادىء: «الحرية»، «المساواة» و «العدالة». وهي المبادىء التي أبدعتها-في نظر فوكوياما- «الديمقراطية الليبرالية» واعتمدتها. والأسئلة التي أثارها لدينا سؤال المنطلق، هي: -كيف بنى فوكوياما هذا المفهوم؟- وماهي أنساق فلسفة التاريخ التي استقاه منها؟- وكيف أنجز التوليف المفهومي أمام تعدد الاستعارات؟- وهل التوليف اعتمد على التهجين أم على التلفيق أم ذهب إلى التوليف النقدي كمرتكز ؟ هذه الأسئلة والإجابة عنها باعتماد قراءتنا داخل- نصية، تنقلنا تواً إلى أجواء الفصل الأول، رتبناه على المنوال التالي:
الفصل الأول: من البنية الاستفهامية والجهاز المفاهيمي إلى (المخرجات النظرية التحليلية- البنائية)
I-المخرج النظري المتمثل في دواعي العمل والباعث الأساسي على إنتاج المقاربة
II-المخرج النظري المتمثل في تحويل الداعي إلى المقاربة كباعث، إلى منجز نصي
III-المخرج النظري المتمثل في سؤال البدء:- هل يمكن كتابة تاريخ شمولي للبشرية؟ (شامل وعالمي أي «كوسمو- بوليتي») وماهو مفهوم فوكوياما؟ وكيف بناه؟
IV-المخرج النظري المتمثل في إقامة «قانون ديالكتيكي» لتفسير التاريخ الشمولي للبشرية
ا-المخرج النظري المتمثل في دواعي العمل والباعث على إنتاج المقاربة:
نقصد بالمخرج النظري المتمثل في دواعي العمل والباعث الأساسي على إنتاج المقاربة: العامل- الموضوع الذي شكل باعثاً ومحفزاً على كتابة المقاربة من طرف فوكوياما، ولو لم يكن هذا الحافز وهذ الداعي، لما وجدت المقاربة بالشكل الذي تبلورت عليه. وأسئلة هذا المخرج المثبتة في البنية الاستفهامية، هي: -لماذا عم «التشاؤم» مناصري الفكر الليبرالي وأنصار الديمقراطية الليبرالية وداعمي نظامها السياسي الرأسمالي؟ وماهي المساحة الزمنية التي احتلها هذا «التشاؤم»؟ وماهي أسبابه الموضوعية؟ وماهي أسبابه الفكرية؟ وماهي نتائجه النفسية؟ وكيف تبخر «التشاؤم» ليعود إلى «تفاؤل» و «ثقة» في جدوى الرأسمالية المتجسدة في الديمقراطيات الليبرالية؟ وما هي طبيعة الأسباب التي استردت «التفاؤل» و «الثقة»؟
ولبناء المخرج النظري على مستوى التوليف التحليلي، اعتمد على مفهومين: مفهوم «التشاؤم» من الديمقراطية الليبرالية، ومفهوم «التفاؤل» تجاهها، وأسباب ذلك من خلال أحداث القرن العشرين.
ولبناء الإجابة على هذه الأسئلة استدعى فوكوياما مفهومين لتوليف مصوغات المخرج في صياغة مشروع رؤية- تنظيرية. الأول:- مفهوم «التشاؤم» والثاني:- مفهوم «التفاؤل». فكانت حصيلة التوليف التحليلي- البنائي، على النحو التالي:
يؤكد فوكوياما في مستهل جوابه أن فكرة كتابة «تاريخ شمولي للبشرية» ممكنة كمهمة الآن في نهاية القرن العشرين. ومعناه أن المهمة لم تكن ممكنة قبل هذا الزمن. لماذا؟ يقول بضمير المتكلم الجمعي نيابة عن حاملي الفكر الليبرالي الديمقراطي ومناصريه -«يمكننا التأكيد دون أن نتعرض كثيراً للخطإ بأن القرن العشرين جعل منا جميعاً متشائمين في العمق.. فالعقول الأكثر اتزاناً والأكثر جدية في هذا القرن لم تجد أي سبب للاعتقاد بأن العالم يتجه بمجمله نحو ما نعتبره في الغرب مؤسسات سياسية لائقة وإنسانية، أي الديمقراطية الليبرالية. (١)
وغياب السبب المحفز على إنجاز هذه المهمة، والذي أذكى حالة التشاؤم، مرده إلى الحضور القوي للبدائل التي طرحت لإبعاد الاختيار الديمقراطي الليبرالي، فشكلت اختياراً ضدياً له. و تمثلت في التوليتاريات الشيوعية والنازية، وفي أنظمة الحكم الديكتاتورية. وفي البدائل التي طرحت في العالم الثالث ضد التبعية للأنظمة الرأسمالية، في اتجاه تبني الفكر الاشتراكي، أو في اختيار أساليب حكم ثالثة عبر طريق لا رأسمالي ولا شيوعي.
ينضاف إلى هذا الحضور القوي للبدائل المضادة للرأسمالية، ما عرفه القرن الماضي من شرور ضد البشرية، تمثلت في حربين عالميتين وحرب باردة، وما نتج عن ذلك من مآسي طالت رقعتها كل الجغرافيات البشرية على الأرض. مما فعّل التشاؤم وعمق الشك في كل إمكانية لإيجاد نظام حكم قائم على «مؤسسات إنسانية لائقة». فتحول الشك التشاؤمي إلى «أزمة فكر» تعكس «أزمة عقل» أمام كل المظاهر «اللاعقلانية» التي اجتاحت الأرض واستحوذت على أدمغة الناس. هذه «اللاعقلانية» تجسدت في الدمار الشامل المادي والبشري الذي خلفته الحروب خلال وبعد. تلاها مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرار الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، بعد هزيمة النازية والديكتاتوريات الفاشية:- فاتجه التنافس المتضاد في قيادة العالم ضمن ثنائية قطبية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، في الهيمنة والنفوذ وتوسيعهما:- صاروخ ضد صاروخ، حليف ضد حليف، أسلحة الفتك والدمار الشامل لإقامة ردع نووي ضد ردع من الطينة نفسها..
أما لماذا استعاد الفكر الليبرالي تفاؤله وتجاوز مناصروه تشاؤمهم السابق مع نهاية القرن العشرين؟ فذلك يعود إلى أحداث تاريخيّة غاية في الأهمية. وفي طليعتها التفكك المفاجىء للاتحاد السوفييتي الذي أعلن رسميا في 26 ديسمبر 1991، حين أعلن عن نهاية وجود الاتحاد وقيام جمهوريات مستقلة مكانه، أبرزها يومئذ: روسيا، أوكرانيا، بيلاروسيا، ودول آسيا الوسطى.
وقبل ذلك بما يقارب عقداً من الزمن، كانت الصين قد دخلت في إعادة تشكيل هندستها السياسية التي انبنت على العقيدة الماركسية وعلى الانغلاق على الذات. وكان ذلك، تحت شعار «الإصلاح والانفتاح» الذي أعلنت عنه رسمياً في ديسمبر 1978، خلال الدورة الثالثة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني (الدورة الحادية عشرة).
هذان الحدثان، انضافا إلى ما تقدم من نهايات سابقة للعديد من الأنظمة التسلطية من خلال هزيمة النازية والدكتاتوريات الفاشية كنتيجة للحرب العالمية الثانية. ومن بعدها توالت «حجرات الدومينو التسلطية» تتساقط تباعاً، لتقام محلها أنظمة ديمقراطية ليبرالية رغم تباين مساراتها الخاصة في المسلك البنائي. وزاد على ذلك، «فشل نظرية التبعية» وفقدان ثقتها في الخيار الاشتراكي كبديل في العديد من بلدان العالم الثالث.
كل هذا الزخم الذي طبع النصف الثاني من القرن الماضي، ضمن ثنائية «الهزيمة المدوية» و«النصر المظفر»:- زوال البدائل وبقاء الديمقراطيات الليبرالية وانتشارها، أعاد التفاؤل المفقود إلى الفكر الليبرالي، وأعاد لمناصريه الثقة فيه وفي أنفسهم ومن بينهم فوكوياما. لذلك كان استرداد التفاؤل نتيجة هذه الحصيلة من الأحداث التاريخية. وبالنسبة لفوكوياما كان حدث تفكك الاتحاد السوفييتي الخلفية التاريخية المباشرة التي حملته على التفكير والإنجاز لكتابة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» سنة 1992.
يقول فوكوياما عن ثنائية التشاؤم والتفاؤل في ترابطها بثنائية «الهزيمة المدوية للأنظمة التسلطية» و «الانتصار المظفر للديمقراطية الليبرالية» بين النصف الأول من القرن الماضي، ونصفه الثاني:-«إن جنون التدمير الذاتي والانتحار الذي مارسته الدول الأوروبية خلال الحربين العالميتين كذّب مفهوم التفوق العقلاني للغرب، والتمييز بين «التحضر» و «البربري»، الخاص بأوروبيي القرن التاسع عشر (حيث) أصبح من الصعب الاحتفاظ به بعد معسكرات الإبادة النازية.» (٢) ويضيف:-«لقد كانت إحدى المظاهر الأكثر بداهة لتشاؤم عصرنا، هي الاعتقاد شبه الشامل بوجود بديل توليتاري وشيوعي، قوي للديمقراطية الليبرالية.» (٣) هذا الاعتقاد نشأ من أزمتين متميزتين ومتوازيتين: أزمة القرن العشرين السياسية والأزمة الفكرية (التي تجسدت) في اللاعقلانية الغربية. الأولى أهلكت الملايين من الناس وأجبرت ملايين أخرى منهم على العيش تحت أشكال جديدة أكثر قساوة من العبودية. أما الثانية فتركت الديمقراطية الليبرالية دون الموارد الفكرية الضرورية للدفاع عن نفسها.
وعن عودة التفاؤل والثقة في الديموقراطية الليبرالية يقول:-«غير أنه، بالرغم من أسباب التشاؤم القوية التي دفعتنا إليه تجربتنا في النصف الأول من القرن الماضي، فإن الأحداث التي حصلت خلال النصف الثاني قد كشفت عن اتجاهات جديدة مختلفة جداً وغير منتظرة.. والمفاجأة.. هي الانهيار الكلي غير المنتظر للشيوعية في جميع بلدان العالم تقريباً وذلك ابتداء من نهاية الثمانينات. (٤)
يتبع ———
(١) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 37
(٢) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 40 والصفحة 41
(٣) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 41
(٤) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 44





