مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

ياجارة وادينا: علمتني أن الكتابة نحت إبداعي على الصخر..محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب 

صورة سيلفي لرجل يرتدي نظارات شمسية وقميص أحمر، يقف أمام البحر مع سماء زرقاء في الخلفية.

-إلى كل من دعم عشقي للكتابة

علمتني:

أن الكتابة فعل إنساني مركّبً، يتجاوز مجرد وضع الكلمات على السطح، ليغدو نحتًا خفيًّا على صخر الذاكرة والوجدان والفكر. فهي الأثرُ الأبقى الذي يخلّفه الإنسان، حين يعجز الزمن عن محو بصماته. والكتابة في جوهرها ليست ممارسة لغوية فحسب، بل هي ممارسة وجودية، تتقاطع فيها الحاجة إلى الفهم، والرغبة في الخلود، وحنين الإنسان إلى تحويل التجربة إلى أثر محسوس..

علمتني:

أن الكتابة هي تحويل المعنى إلى رمز، والعابر إلى دائم، والمجرّد إلى ملموس. إنها القدرة على القبض على ما ينفلت، وعلى ترتيب الفوضى التي تعصف بالعقل والقلب. والكتابة بهذا المعنى بناءٌ للعالم وإعادة صِياغته، وليست مجرد تمثيل له. إنها فعل يتوخى صنع أفضل ممكن في رحاب الممكن..

علمتني:

أن ظهور الكتابة كان استجابة أولى لحاجة الإنسان إلى تثبيت المعرفة، وضبط الزمن، وحماية التجربة من الضياع. كانت النقوش الأولى على الحجر محاولة بدائية لصون ما يخشاه الإنسان من النسيان. ومنذ تلك اللحظة، صار الإنسان كائنًا كاتبًا بطبيعته، لا يستقيم وعيه ولا يستمر أثره دون كتابة. فصارت الكتابة مع الزمن لتصير أكبر حافظ للذاكرة عبر وعاء الكتب..

علمتني:

أن الكتابة متنوعة بتنوع حاجات الإنسان وتطور وعيه. فهناك الكتابة الفكرية التي تُعلي من شأن العقل، والكتابة الإبداعية التي تُطلق العنان للجمال والتخييل، والكتابة العلمية التي تبحث عن الدقة والبرهان، والكتابة التاريخية التي تحفظ مسارات الزمن. ولكل نمطٍ من هذه الأنماط وظائفه ورهاناته وأساليبه الخاصة.

علمتني:

أن الكتابة أضحت جسرًا للتواصل بين الذوات، وبين العصور، وبين الثقافات. فهي حوارٌ ممتد عبر الزمن، ووسيلة لإنقاذ الأصوات من الصمت. وتكمن قوتها في أنها تمنح صاحبها القدرة على مخاطبة قارئ موجود بالفعل وآخر لم يولد بعد، وعلى إيصال معنى يتجاوز اللحظة التي كُتبت فيها.

علمتني:

أن لا كتابة دون قصد. فكل نص ينهض على سؤالٍ أو جرحٍ أو رغبة أو موقف. والقصدية هي البوصلة التي تمنح الكتابة اتجاهها، وتجعلها فعلًا واعيًا لا مجرد تدفق لغوي. وتختلف المقاصد: فهذا كاتب يكتب ليُقنع، وآخر ليُدهش، وثالث ليحمي ذاكرة، ورابع ليُرمّم داخله بالصوت والنص.

علمتني:

أن الكتابة الإبداعية هي أعلى أشكال الكتابة لأنها تحوّل اللغة إلى فن، والفكرة إلى تشكيل، والتجربة إلى جمال. هي الجسور التي يعبر عليها الخيال إلى الواقع، والنافذة التي تُطلّ منها الذات على ما هو أبعد منها. في الكتابة الإبداعية تتقلص المسافة بين الكاتب ونصه، فيصبح النص امتدادًا لنبض داخلي لا يُرى.

علمتني:

أن الذات الكاتبة ليست ذاتًا عادية؛ إنها ذات مرهفة، يقظة، تلتقط ما لا يلتقطه الآخرون، كالتقاط وقع الندى على الورد! لأنها تتميز بحساسية عالية تجاه التفاصيل، وبقدرة على تحويل المألوف إلى غير مألوف، وتحتاج إلى قدرٍ من الشجاعة لأنها تكشف ما يختبئ في عمقها. إن الكاتب الحقيقي يرى في اللغة وطنًا، وفي النص مرآة، وفي الكتابة خلاصًا.

علمتني:

أن الكتابة أبقى. لأنها كل ما يفنى ويبقى منه أثر. والكتابة هي الأثر الأبقى. فهي التي تحرس الذاكرة، وتسجّل الحكايات، وتمنح الإنسان فرصة العيش مرتين: مرة في وجوده الزمني، ومرة في ما يتركه مكتوبًا. لذلك ظلّت الكتابة منذ بداياتها وحتى اليوم فعل مقاومة ضد النسيان، ومحاولة للنجاة من زوال لا يرحم.

وهكذا، وبفضلك صارت الكتابة في فهمي وتمثلي- بوصفها نحتًا إبداعيًّا على الصخر- ليست مجرد ممارسة لغوية، بل هي وعدٌ بالخلود، وحماية للمعنى، وصياغة جديدة للحياة. إنها نبش في الممكن لصنع أفضل ممكن في حياة الناس ضمن شرط وجودهم في المكان والزمان..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading