مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

7- فعل الكتابة وسلطة المهنة.. محمد الجلايدي – المغرب 

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

إهداء:- إلى كل تلامذتي، تحية لهم واعترافا بجميلهم علي، وأنا أعلمهم وأتعلم معهم!! فبوجودهم في حياتي، تمرست على إمساك القلم بيدي وضبط إيقاعه كي لا يحرن مني على الورق!!
(…)
بخصوص هذا المحور من رقصي على إيقاع الذاكرة، أشير بدءا إلى من يمتهن «فعل الكتابة» لمدح الحاكم وتجميله مقابل عطائه السخي، أو يمتهن ذلك لدعمه مقابل رضاه، فيضع نفسه وفعل(ه) الكتاب(ي) تحت مشيئة «سيده السياسي» الذي يصير ولي نعمته، ومالكا للسلطة على فعل(ه) الكتاب(ي).- هذه الطائفة لا تعني هذا المحور وعنوانه.

وهناك أيضا من يبيع الخبرة في مجال الاشتغال والتخصص البحثي الكتابي.. أو من خلال مؤسسات وسيطة تبيع الاستشارات وتسمي نفسها “مكتبا للاستشارة” أو “مركزا للدراسات والأبحاث”، أو “مركزا للخبرة”.. وتوظف لذلك باحثين مختصين في مجالات معرفية متعددة مقابل أجر.. -وهذا النوع من «فعل الكتابة» لا يدخل هو أيضا في مجال هذا المحور وعنوانه.

-فمن المقصود من «فعل الكتابة» و«سلطة المهنة» في هذا المحور؟ وبأي معنى أتحدث عن «فعل الكتابة»؟ وماذا أقصد ب «سلطة المهنة» على وجه التحديد؟ وعن أي مهنة أتحدث؟
(…)
بداية أستحضر أن المهنة ليست شرطا ل «فعل الكتابة». وقوام هذا الإدراك آت من فهمي بأن المهنة «علاقة مؤسسية» بينما «فعل الكتابة» في حقل صناعة الأفكار وفي مجال الإبداع الأدبي هو «اختيار حر» نابع من حاجة شخصية للتعبير عن الأفكار أو المشاعر أو لمشاركة التجارب مع الغير..
(…)
وعبر الاطلاع على تجارب غيرية للكثير من صناع الأفكار والمشتغلين في حقول الإبداع الفني والأدبي، في الساحة العربية وفي غيرها أيضا، لاحظت أن الاشتغال على «فعل الكتابة» في علاقته بالمهن يفضي في الأغلب الأعم إلى طائفتين: طائفة تزاوج بين «فعل الكتابة» ومهنة التعليم.. وأخرى تزاوج بين «فعل الكتابة» وهي تشتغل بمهن أخرى لا علاقة لها بالتعليم..
(…)
فكثير من الأسماء لمعت كالنجوم الساطعة في سماء الفكر والإبداع ضمن فضائنا العربي -على سبيل المثال لا الحصر- أبدعت ركاما عظيما من الأعمال الإبداعية المذهلة التي تحبس الأنفاس عند قراءتها. وقد أتتنا من مبدعين كبار، اشتغلوا في مهن أخرى غير التدريس!
(…)
أستحضر في سياق هذه الطائفة، تجربة الإبداع الروائي لعبد الرحمان منيف- من (السعودية إضافةً إلى الجنسية العراقية)- الذي كان مهندسا في مجال الطاقة وعمل في صناعة النفط بالإضافة إلى الصحافة.. وأستحضر أيضا تجربة الإبداع الروائي لحنا مينة- من (سوريا)- وهو عصامي لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية، واشتغل في عدة مهن! عمل حلاقا، ثم عاملا في الموانىء، ومن بعد ذلك اشتغل بحارا على متن السفن.. وغيرهما كثير ممن لم يمارسوا مهنة التدريس مطلقًا وكرّسوا حياتهم ل«فعل الكتابة»، وعملوا بالاضافة إليها في مهن أخرى:-نجيب محفوظ من (مصر) وأشهر روائي عربي حائز على جائزة نوبل للأدب، عمل في وظائف إدارية بوزارة الأوقاف ثم وزارة الثقافة ولم يشتغل بالتدريس مطلقًا! أمين معلوف من (لبنان إضافة إلى الجنسية الفرنسية) اشتغل صحفيا وأبدع روائيا وفكريا، وبفضل إبداعه باللغة الفرنسية أصبح عضوًا في أكاديمية اللغة بهذا البلد! وغير هؤلاء كثير.
(…)
لذلك، فالمهنة ليست شرطا لازما ل «فعل الكتابة». وهذا ينسحب على جميع المهن. أسوق هذا الكلام لأؤكد أيضا على أن مهنة التعليم هي كذلك، ليست شرطا لممارسة «فعل الكتابة» ولو أنها تضع الممتهن لها في قلب أجواء المعرفة. فليس كل من درّس أبدع في الكتابة أو في حقل صناعة الأفكار. لأن الإبداع فكرا وفنا ليس تحصيل حاصل لمهنة التدريس بالضرورة.
(…)
لكن القاسم المشترك بين المهنة بالمطلق في علاقتها ب «فعل الكتابة» يتجسد في سلطة المهنة كمؤسسة لها ضوابطها في صيغة قوانين عامة وأخرى خاصة. العامة تشمل التشريع المرتبط بالوظيفة العمومية، والخاصة تشمل الوظائف في القطاعات الخاصة. ومن بين لوازم «سلطة المهنة» التي تتطلب من الممتهن احترامها هو وقت العمل. وإذا كان وقت العمل موزعا على الأيام والأسابيع والشهور ، ولايبقى للممتهن سوى القليل من وقت الفراغ والراحة، فكيف يجد الوقت ل «فعل الكتابة»؟ وكيف يدبره؟ ومن أين يستخرجه؟ ولا أحد يتحدث عن «سلطة المهنة» على «فعل الكتابة» من هذه الزاوية! ولا أحد تناول هذا الموضوع ليطرحه للناس ومحبيه كي يقربهم من تجربته، ويضعهم في صورة الكيفية التي بها حقق «التوازن» بين «سلطة الوقت المهني» وبين اهتمامه ب «فعل الكتابة» الذي اختاره بحرية وبمسؤولية!
(…)
من هنا نستجلب شرعية صوغ السؤال:- كيف «توازن» «الذات الكاتبة» بين «زمن المهنة كسلطة» وزمن «الفعل الإبداعي» في حقل صناعة الأفكار أو في مجال الفنون الأدبية؟
(…)
إنه سؤال يطرح نفسه بالضرورة على كل مبدع يمارس مهنة من أجل توفير شروط عيشه، وهو مبتلٍ ب «فعل الكتابة» كاختيار حر. لكن وهو يتوجه ب «فعل(ه) الكتاب(ي)» إلى الناس، يتحول اختياره من الحرية إلى مسؤولية عظمى ذات «سلطة اعتبارية».
(…)
والأغلب الأعم من «الذوات الكاتبة» لا تتناول «فعل الكتابة» بالنسبة لها من هذه الزاوية! وإن تحدث البعض منهم، فغالبا ما ينزاح حديثه إلى علاقة «الذات»ب «الفعل» وهي في أجواء الحبر والورق والمراجع والمستندات، إضافة إلى المخاضات المواكبة لمسار الولادة للإبداع!
(…)
هذا السؤال لا يتعلق فقط بمن يشتغل في حقل «فعل الكتابة»، بل يتسع مداه ليطال كل من يشتغل في مجال الفنون التعبيرية كافة، إن كان الفنان غير متفرغ بوقته لفنه، ويمارس مهنة لها سلطة على جزء كبير من زمنه اليومي.
(…)
أما الذين ابتلوا ب «فعل الكتابة» وهم يمتهنون التدريس، فلا أحد ينفي أنهم كثر أيضا، وهم يملأون الساحة العربية الإبداعية مشرقا ومغربا. لكنني لا أعرف عنهم أيضا، كيف ربطوا نشاطهم الإبداعي في حقول الفكر والمعرفة والفنون، بمهنة التدريس. أقدر بأن لكل منهم تجربته الخاصة في شرط وجوده كفرد وطبيعة علاقته ببيئته تواصليا واجتماعيا ومهنيا!
(…)
وإذا حصرنا السؤال في المبدعين المزاولين للتدريس، يمكن أن يأخذ منا هذه الصياغة:- كيف خلقوا «الوئام» بين «سلطة التدريس» و «فعل الكتابة»؟ مع استحضار أنه ليس استفهاما لا معنى له ولا قيمة من ذكره. أو أنه زائد كما لو كان فضلة! بل بالعكس، فمن شأن الإضاءة التي يستجلبها السؤال كإجابات أن تحملنا على حسن تمثل هذا «الوئام» بما يفيد «الذوات الكاتبة» إن كانت تتهيأ للانخراط في هذا الفعل «اللعين» جمالا و«الخطير» على مستوى المسؤولية!
(…)
ونظرا لغياب التعاطي مع هذا السؤال لدى كتابنا ومبدعينا وهم مدرسون، فما على الذي ابتلى ب «جمال هذه اللعنة النبيلة» إلا أن يبدع لنفسه تجربته الخاصة. وعليه أن يفكر ويعيد التفكير في كيفية الربط التفاعلي بين «فعله الكتابي» كاختيار،  وبين مستلزمات مهمته كمدرس ومسؤولية!
(…)
أذكر جيدا بحكم الممارسة المهنية في حقل التدريس، أنني واجهت سلطة الوقت المهني بسؤال الكيفية على مستوى التعامل معها أمام الانشغال والميل نحو «فعل الكتابة»! وبما أنني كنت قادما إلى تدريس اللغة العربية من التكوين الفلسفي، كان علي أن أحول هذا التكوين وأستجلب تكوينا مغايرا، يتعلق بالمهمة التدريسية للغة العربية وآدابها، ولوازم المهمة تربويا وبيداغوجيا وفكريا:- نظريا ونقديا.. وهذا لم يوقف ميلي إلى «فعل الكتابة»، بل زاد من حدته، وزاد من المعرفة بلوازمه. لأن حقل تدريس اللغة العربية حملني إلى أجواء ميلي نحو الكتابة، من باب واسع على مستوى العدة والعتاد! لذلك ربطت تلامذتي معي في هذه الوجهة:- أن أتعلم معهم وأنا أعلمهم. أما «فعل الكتابة» ووقته، فكان علي أن أفرد له حيزه متى كان ذلك ممكنا. معناه أنني جعلت شرط التطور في المهنة لزوما لما يلزم وبما يلزم، وأنا أستفيد من ذلك، لأصقل ميلي للكتابة وأنهض بتطوير التعاطي معها.
(…)
بهذا الفهم، اعتبرت «الملاءمة» بين «فعل الكتابة» و«سلطة المهنة» كمدرس، بوصلة يجب أن تقودني نحو ثلاث منارات:

الأولى، أن أهتدي بها إلى الانفتاح على المعرفة وأستمر في ذلك على الدوام، أخذا بعين الاعتبار،  بأن  «معرفة- المعرفة» أكدت وتؤكد دوما أن طالبها لا يستحم في نهرها مرتين! ففي كل لحظة وخلال كل حين، يتجدد ماء المعرفة ويتطور مع تطور الناس على الأرض في هذه الحياة!

الثانية، أن أهتدي بها إلى تجويد التدريس بما يفجر مكامنه الإبداعية، وعدم الركون إلى التقليد والجمود. فحقل القضايا المرتبط بالتربية والتعليم، حقل خصب على مستوى التطور والتحول الدائمين، كلما جد جديد في علومهما..

أما المنارة الثالثة، فعلى هديها، يمكن أن أصقل الميل إلى «فعل الكتابة» بالمنارتين السابقتين، إذا ما أحكمت للثلاثة بوصلتي كنهج و منهج.
(…)
ولأترجم هذه البوصلة كنهج ومنهج، كنت أبحث وأقرأ وأجتهد، لأجدد في طرق التدريس معرفيا وبيداغوجيا كأولوية. وكل تقدم أحصل عليه في هذا المجال لا أبخل به على تلامذتي.. أما مجالات المباحث التي حددتها للاشتغال وأوليتها اهتماما خاصا، فأضأتُ بها ليالي السهر، وملأت بها أيام الفراغ والعطل، فكانت على هذا النحو:
-المبحث المرتبط بقضايا التربية وبيداغوجيا التدريس..
-المبحث المرتبط بالخطط التدريسية وفق المقررات والبرامج الخاصة بتعليم اللغة العربية..
-المبحث المرتبط بنظرية الأدب والأنواع الأدبية..
-المبحث المرتبط باللغة وقواعدها وأساليبها البلاغية..
-المبحث المرتبط بتاريخ الأدب قديمه وحديثه..
-المبحث المرتبط بالنقد الأدبي كتطبيق معياري لنظريات الأدب على النصوص الإبداعية..
-إضافة إلى الانفتاح القرائي على المنتوج الأدبي عربيا و-أجنبيا عبر الترجمة..
(…)
وكنت أتوّج بين الفينة والأخرى مهمتي التعليمية بالافتحاص التقويمي اللحظي والبعدي:- الدوري والسنوي، لأبلور  نتائج الحصيلة لدى تلامذتي، كي أمارس على عملي وخططي آلية «الفيدباك الإيجابي» من أجل تجاوز كل خلل يحصل أو ثغرة تقتضي التصويب في الأداء. ولم يحصل قط في أي سنة تعليمية أن عزوت ضعفا أو خللا أو ثغرة لتلامذتي ونسبتُ سبب ذلك لهم. بل كنت دوما أساءل نفسي ولا ألومهم:- أين يكمن الخلل في خططي وأين مكمن النقص في مهامي؟
(…)
•لكن ما هي الفائدة التي جنيتها كفائض قيمة لذاتي وهي منجذبة نحو «فعل الكتابة» كميل واختيار؟!
•وهل بفضل هذا النهج والمنهج اللذين اشتغلت بهما في التدريس طورت خربشاتي الكتابية؟ أم أن «فعل الكتابة» تطور بشكل مستقل عنهما؟
(…)
أعترف اليوم، وأنا في حالة بعاد عن المهنة والتدريسية، بحكم الإحالة على التقاعد، بأنني كنت أتحول إيجابا في استعمال اللغة عبر إدراك قواعدها، لأحسن تعليمها لتلامذتي. وذلك بفضل الشعار الذي رفعته لألزم به نفسي:- أن أتعلم بما هو ممكن لأعلم بما هو أفضل ممكن، وأن أتعلم مع تلامذتي وأنا أعلمهم». والأمر نفسه حصل لي مع تحليل النصوص الأدبية، لما انفتحت على نظريات الأدب ومكوناتها.
(…)
وإن كنت قد قطعت أشواطا في «فعل الكتابة» وأنا راض كل الرضى على ذلك، فالفضل، كل الفضل، كان لتلامذتي بدءاً ومشواراً وختاماً:- أحببتهم حب الأب وحب الأخ والصديق وحب المربي. وأيضا، إن كان من شكر أنا ملزم به تجاه من علموني الحرف، ومن علموني بإبداعهم الكتابة بالحرف، فالأولوية لتلامذتي قبل أساتذتي. فهم، بما خفي عنهم مني، من علمني كيف أكون مدرسا وكيف أكون أبا وأخا وصديقا ومربيا!! وكيف أمسك القلم بيدي ولا يحرن مني على الورق!!
(…)
وبمناسبة هذه السردية التي أرقص فيها على إيقاع الذاكرة، وفي سياق هذا المقام عن «فعل الكتابة» و«سلطة مهنة التدريس»، أقف أمامهم وقفة احترام وتقدير، وعلى أيديهم أشد بحرارة تحية لهم واعترافا بجميلهم علي وأنا أتعلم معهم. وأحضنهم جميعهم، فردا فردا، ولو أن عددهم غير ممكن حصره، على مدى أربعين عاما من   التدريس في حقل التربية والتعليم.
(…)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading