مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

 الضد بالضد يدرك بشكل أعمق.. محمد الجلايدي- المغرب

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

سرت وشاطئَ البحر، أملي العين بسحر الألوان، حين جاد صبحٌ نديٌ بتفاعلٍ ضوئي فريد من نوعه: زرقة البحر اكتسبت حدّةً جعلتها تتناغم وزرقة السماء الفاتحة! خضرة أعشاب البحر تموجت في مراتب لونها، فعمَّها ألق اللمعان! بياض المويجات المنكسرة على حافة الشاطئ، بدت كاشتعال رأسي شيبا! وحدي والنوارس تحرسني وهي تشكل مجتمعة موكبا ملكيا طبيعيا! كانت في اللحيظة تلك تتقاسم شرط وجودها مع الكروان، ومعي! الموج يعزف لي، وأنا أرقص رقصة زوربا الإغريقي. الرمال النقية المتساكنة، ترد عليَّ صدىً رهيفاً لخشخشات خطوي!

(…)

فجأة أخرجتني من تيهي:- غيمة!
نادتني. رفعت بصري نحوها. وحيدة كانت.
-«عزيزي.»
-«نعم.»
-«هل تعرف من أنا؟»
-«أنتِ غيمة تائهة مثلي!»
-«هل تعرف لي مقرّا؟»
-«لا!»
-«ولا أنا أيضا بعارفة.»
ثم أضافت:
-«كلانا لا يعرف مقره ولا يعرف إلى أين ينتهي به المسير!»
قلت لأشير لها بالإيحاء أنني فهمت مغزى كلامها:
-«لذلك أنا هنا بين تألق الزرقة وبهاء أعشاب البحر، واشتعال الموج شيبا! كي أنعم بلحظتي في حاضري!»

(…)

ومن جوابي للغيمة إلى الرحيل مثلها في اللا تجاه مكانا! ودون أن أتحكم في الوضع ، انقلب الفضاء أمامي على رحابته وسعه عناصر جماله، إلى بؤرة ضوئية، مركزها استحضار وقياس يرافقهما الحجاج! 

(…)

استسلمت لهذا التهجير الذي تمارسه علي ذاكرتي في كثير من الأحايين، كما الحال الآن تماما! وعندما أُدرك وضعي في مثل هذه الحالة، أرفع إلى سطح وعيي،  بأن زمني لم يعد زمنا متصلا! ينكسر فيتحول إلى زمني النفسي بفيضٍ في السيولة! وهي حالة في حكم العادة، لا أعيشها لوحدي- ربما! بل أُقَـدّر بأن غيري من الناس يعيشونها أيضا! وكثيرا ما ألاحظها في حركاتهم أثناء مشيهم في الطرق، حين يكلمون أنفسهم وهم ساهون! 

(…)
حضرني قول من أقوالي السابقة، والذي اكتسب بُعْداً تنظيريا لي، لأعتمده نبراساً في حياتي فرددته ثلاثا:
-«علمتني تجارب الحياة أن أختار موطن القدم!»

(…)

ومن القول إلى التفكير الحجاجي في صراع الأضداد عن ثنائية صفات القبح مقابل صفات الجمال، وتجلياتهما في الأقوال والأفعال! فتساءلت:-«لماذا تلازم صفات القبح صفات الجمال كما يلازمني ظلي؟!»

(…)

أعرف أن حسن صياغة السؤال، ليست نشاطا ذهنيا سهلا بالنسبة لي! ومتى ظفرت بصياغة سؤال على منوال جيد من حيث المبنى والمعنى، فغالبا ما أصنع لنفسي تحويطة ولدماغي تغشية! لأن السؤال مجرد مطية للرحيل بحثا للسؤال عن إجابة أو مشروع إجابة!

(…)

انطلق دماغي يبحث عن سبيل لإزالة الغشاوة عنه وهو بين روحة وجيئة:- يحاجج، يعلل،  يدحض،  يبعد: بعد كل استدلال وبرهنة.. فأدركت بأن سؤالي لم يعد مجرد مبنى لمعنى على منوال جيد فحسب، بل صار مشنقة لدماغي! قدرت أن هذه الغشاوة إن لم تنجل ستحملني إلى مصاف من بقلوبهم مرض، أولئك الذين يقودهم خطوهم على هواه بدل تحكمهم في موطن القدم! ارتفع الدق في قلبي. صرت أبصر ولا أرى. وتلك حالتي عند كل رحيل نحو مشروع معنى، لما يغادرني حدسي ولا أتمكن من الإمساك بخيط يمكن أن يخرجني من تلاطم الموج في دواخلي!

فجأة! مدتني الغيمة بهذا الخيط وهي تقول:
-«إذا تأملت صفات القبح وأنت في غمرة هذا الجمال الساحر، وحددت العلامات السلوكية الدالة على كل صفة منها،  فسوف تتعلم كيف تلتقطها بحس مرهف! حتى وإن تخفّت خلف ظاهر معاكس للباطن!»
ثم أضافت لي هذا السند الذي حفظته على لوح ذاكرتي:
-«الضد بالضد يدرك بشكل أعمق.»
-«شكراً جزيلا يا جميلة الغيمات!»
ثم أردفت لأشير لها بالإيحاء أنني فهمت مغزى كلامها:
-«سأفعل، من الآن إلى أن يأتيني الغسق، أو يدركني الليل البهيم ببعضٍ  من جود التأمل إذا كان سخيا مع دماغي!»

(…) 

لوحتْ ، ولوحتُ ، وراحتْ ، ورحتُ! 

(…)

وضعتُ زرقة الأمل بديلا لسواد الانحباس على هدي قول الغيمة الذي بان لي بأنه فيض من الحكمة، كي أحفز دماغي على الاشتغال. وبسرعة البرق انهمر سيل هطّال من صفات القبح، يقابلها بالتضاد نقيضها! وسرت في العد والتعداد إلى أن انتهى بي مشيي إلى أقصى نقطة من أرض هذا الشاطئ الرحب. ولما لم أنته من التعداد واصلت ذلك بعد الغسق، إلى أن حل ليلي البهيم!

(…)

ومن «رحلة» حصر صفات القبح، إلى «رحلة» حصر علامات كل واحدة من خلال تجلياتها السلوكية. مضى بي الرحيل، إلى أن تبدد ليلي البهيم، وجاد علي صبحٌ نديٌ بتفاعلٍ ضوئي فريد من نوعه، بالقياس إلى ما مضى من حياتي، في علاقتها باقتناص جماليات الجدل الضوئي في الطبيعة! نمت كي أعوض سهري وسمري. وبعيد الظهيرة أفقت، اغتسلت، أكلت، ثم خرجت أحمل قفة صفات القبح في دماغي، ونحو شاطىء البحر ترجلت بها! وعلى الرمل وضعتها، ثم جلست قبالتها أفكر:

(…)

كان تفكيري هذه المرة واضح المرمى. أن أجد في اللغة لفظا واحدًا يشكل عنوانا لمجمَّع القبائح. ولا لفظ يمكن أن يحظى بنجاعة هذه المهمة إلا إذا جمع كل صفات القبح في قاسم مشترك يطالها جميعها!

(…)

أعدت النظر إلى القفة أمامي، فبصُرت عيناي ب «الظلم» و «الغدر» و «الخيانة» و «التكبر» ثم «القسوة»، تتصدر مجمَّع صفات القبائح!

(…)

حجاج، تعليل، دحض، إبعاد: بعد كل استدلال وبرهنة.. فانتهى بي الرحيل إلى ترجيح لفظ «النذالة» عن غيره من الألفاظ المرشحة. ولأحسم قناعتي به، وضعته في مختبر الحجاج الاستنباطي الذي صاغه أرسطو. فانطلقت من الخاص إلى العام روحةً وجيئةً وأنا أخاطب نفسي لا غيري:

(…)

-«أنت ظالم، معناه أنت ظلمٌ. وإذا كنتَ كذلك فأنت نذلٌ.»
-«أنت غدّار، معناه أنت غدرٌ. وإذا كنتَ كذلك فأنت نذلٌ.»
-«أنت خائن، معناه أنت خيانةٌ. وإذا كنتَ كذلك فأنت نذلٌ.»
-«أنت متكبر ، معناه أنت تكبرٌ. وإذا كنتَ كذلك فأنت نذلٌ.»
-«أنت قاس، معناه أنت قسوةٌ. وإذا كنتَ كذلك فأنت نذلٌ.»

(…)

ومضة، سباحة، زرقة، ثم تنفيذ لقرار حازم:
-«أن أتحرر من مجمع النذالة بقبرها في قعر الخضم!»

(…)

بعد ذلك، عدت إلى الشاطىء سابحا على مهل تاركا القفة بما حملت وبما ثقلت.. وكنت أسبح خفيف الظل، مفعما بالحيوية والهدوء والأمان والأمل في التماهي بجمال الزرقتين:-زرقة البحر وزرقة السماء وروعة خط التماس الذي يفصل بخط رهيف مستقيم لا اعوجاج فيه يكدر صفو النظر إليه!!!

(…)

لكن،  ولما ترجلت على الرمل، وقبل أن أسترد أنفاسي، وجدت القفة التي تحتوي مجمع النذالة نفسها، وفي المكان نفسه الذي منه انطلقت سابحا بها لأتحرر منها بقبرها في الخضم!! لم أفهم مالذي حصل؟! ولم أتمكن من إبعاد الغشاوة عن دماغي، التي عاودت الالتفاف عليه من جديد! فاحتار دليلي، واحتار معه قلبي!

(…)

فجأة أخرجتني من تيهي:- الغيمة نفسها!
-«عزيزي.»
-«نعم.»
-«لا مكان لقبر صفات القبح في البحر كما لا مكان لذلك في اليابسة.»
سألتها من خلف الغشاوة:
-«وكيف أتحرر منها إذن؟!»
أجابت:
-«اشعل حنقها بنقيضها. ولا تعاشرها ولا تتقاسم معها الهواء ولا الماء ولا الملح.»
سألت:
-«وماذا سيحصل لها إن فعلت؟!»
أجابت بحسم:
-«تشنق نفسها على حافة دماغك.»
ثم توجت  قولها بهذا السند الذي حفظته على لوح ذاكرتي:
-«نفيك للضد يتم باعتمادك لنقيضه.»

(…)

لحظتها فهمت معنى:
-«وحدة الأضداد وصراع الأضداد  ونفي النفي!!»
وعلى ضوء هذا الفهم رددت لنفسي:
-«إذا كانت تجارب الحياة قد علمتني أن أختار موطن القدم! فها منطق التجارب تلك، يعلمني الآن بأن لا توسط بين مركب القبائح ومركب الجمال!»

(…)

وكررت قولي لنفسي ثلاثا!!!

(…)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading