مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

قلب من حروف يبحث عن نبض! محمد الجلايدي – المغرب 

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

تلحفتِ السماء بالزرقة الصافية. لا أثر لوشاحِ غيمةٍ ولا لـبـقايا أهـدابِ سـحابة. حرارة هذا الصباح مائلة إلى الاعتدال.. البحر في حالة جزر كامل ، لحظتها. هذه العناصر، وغيرها كثير كلها تغري بلذة الانزياح نحوها والاندماج فيها! لذلك قمتُ قومة رجل شــدَّ عـزمـه، فغيرتُ ملابسي وخرجت . لعلني بذلك أسـتـرد خرير مـاءِ الدواخل ، بعد حالة اللا جدوى الوجودي والخواء الداخلي، التي اسـتـبـدتْ بـي ، واستوطنتني وعمّرتْ طويلا! ترجّلتُ عبر الشارع وأنا أتحكم في تبطيء سيري. واثق الخطو أسير كسَـيْـرِ ناسكٍ نحو معبد. هكذا أطلب الجمال حين يغويني وأستجيب لغوايته!

كنت أستيقظ في الصباح بلا غاية! وأسأل:
-«لماذا استيقظت؟!»
أشرب قهوتي الصباحية وأدخن سيجارتي الأولى لأسترد صفو المزاج، لكن بلا لـــذة! فأسأل:
-«وماذا بعد؟!»
وأضيف:
-«أغبط من يسترد صحوه وينخرط في تنفيذ برنامجه اليومي. فما أروع أن يستفيق المرء من نومه، وينخرط في العمل الذي من أجله استيقظ، بسيطا كان العمل أم معقدا!» 
-«والكتابة؟!»
-«لماذا انطمست في كياني كل بواعثها؟!»

حين أختلي بنفسي لأكتب، تكون الورقة البيضاء فضاء حريتي. عليها أصب همومي. إليها أروي أحزاني. وإليها أشكو عذاباتي. وعليها أفجر أفراحي و أحلامي. أبوح لها، فأجدها رحبة كرحابة بحور بلادي. تحتويني كاملا، فتبعث في كياني رميم أحاسيس رائعة، تجتمع على مرتكز واحد:

-«الوجود كهوية في فضاء حر ونقي! وهو وجود موجود أعرف في خضمه ما أريد في حياتي وفي توالي أيامي!»
-«لقد ضِعـتُ في الدروب الملتوية التي يغمرها القحط الداخلي!»
هكذا حسمتُ توصيف الحالة!

ومع هذه الحالة تتحول كلّ سلوكاتي إلى تكرار يومي ثـقيل بلا شغف وبلا لـــذة! فالخواء الداخلي يقتلـني، واللا جدوى الوجودي يمزقني، ويُـمَلِّخُ جسدي الوهن بالألم! لذلك، سافرت لعل وعسى. ولذلك أنا هنا بجانب أعظم بحور بلادي التي أنـشَـدُّ إليها بافتتان أزرق! فهنا مشفاي النفسي، الذي به وفيه أغالب الحمق والجنون بعنفهما الظالم!

وجدتُ البحر في أواخر حالة جزره الكامل. ومع هذه الحالة يكشف الشاطئ عن كل دواخله ويفصح عن أروع أسراره: 

تشكيلُ متناغم من الرمل والصخر وأعشاب البحر، والأسماك الصغير الحائرة! وتشكيل متناغم من الألوان كذلك! ومع حالة المـــدِّ عند بدايته تحديداً ينضاف إلى هذه اللوحة التشكيلية عنصر متحرك: الأخاديد وهي ترسم مساربها، والخرير يواكبها. فالماء بطبعه يبحث عن الفراغات ليملأها.

-«وهكذا كالماء تماما، علي أن أبحث عن الفراغات لأملأها ! لعل وعسى!»

وصلت إلى المهبِط المشكل من سلم إسمنتي. ألفني منذ زمن بعيد،كما ألفته! ونظرا لطول مسافته، أفكر وأنا نازل، في الصعود المُـتْـعِب . وأكرر دوما على هذا السلم قولي: 
-«النزول سهل ، لكن الصعود مضنٍ.»
وأضيف على قياس ذلك: 
-«هكذا هي الحياة!» 
-«وهكذا هي القيم المؤطرة لسلوك الإنسان في هذه الحياة أيضا: النزول إلى النذالة وموت الضمير سهل ومُيَسَّر، أما طلب قيم النبل العليا فهو أمر صعب، لأنها على قـمـم الجبال تتموضع. ولـكي يـصلها المرء، عليه أن يجاهد ضد نفسه بقتالية عالية، وعلى مدار الساعة في كل يوم وفي كل ليلة!»

نزلت بيسر إلى أجواء هذا الفضاء المبهج. وجدتُ البحر قد شرع في مـدِّه ليغمر الشاطئ  فانطلق بندول الزمن النفسي في الحركة!
-«والزمن النفسي هو الساعة الحقيقية لكل إنسان!»

تمددت على صخرة، وأغمضت عيني. وأسلمت نفسي لخرير الماء المنبعث كالغناء، من الجداول حولي! فانتقل الخرير إلى دواخلي، وغمرها بالكامل !!

لحظتها، شرعت في الكتابة بلا قلم ومن دون وريقات! أكتب في دماغي لدماغي، وهو يحول ما أكتب إلى أرشيف الذاكرة ، وقد تأهبتْ فصارتْ في أقصى حالات الوهج!

عندما أبدأ في الكتابة، تشرع الغيوم الكثيفة الجاثمة على صدري بسوادها وثقلها، في التبدد . تغادر منسلة ومهزومة. أما عندما أختلي وأنطلق، والقلم يطاوع ، ولا يحرن، فإنني أحس بأني أغتسل. من أوساخي أغتسل ومن أدران قومي أتنظف. وأُبعِد عني وعن خلقتي ما طالها من تشوهات. لأن التلوث عقلا ووجدانا، فكرا وخُلُقا، يجد منفذه إلى الكيان والكينونة عبر الهواء الذي نستنشق!

ولما انتهيت من الكتابة، كان المـــدُّ قد هجم علي، وبلل ثيابي! فانخرطت في الضحك كالأبله! قـمـتُ واقتدتُ خطوي نحو الرمل. جلست قبالة البحر، ثم شرعت في استحضار ما كتبت في  دماغي: كان نصّاً كامل الأركان ! قصة قصيرة عنونتها بهذا العنوان:
-«بين حبر و بحر.»
وتركت أمر نقل قصتي على الورق إلى أن أختلي بنفسي عند عودتي إلى المنزل ..

فبالخلوة من أجل الكتابة ، أقف في لجة الورقة وجها لوجه ضد نفسي، لأصنع وجودي كنصوص أستحم بداخلها. وإذا كانت لحظات خلوتي، وأنا أكتب، وأفكر فيما أكتب، لا تخلو من متاعب وجهد، وما يواكب ذلك من المخاضات  والأوجاع المؤلمة أحيانا؛ فإنني أقر، رغم كل ذلك، بأنها لحظات خلوة لذيذة! لا يضاهيها في اللذة  و روعاتها إلا شيء واحد: احتضاني لحبيبتي، وأنا أشم عبيرها، وأتذوق ذلك الطعم المبهم في لذّاته، الذي تجود به شفتاها!
-«عودة الروح: انتصار على النفس!» 
هكذا علقت على الحالة وضدها .. ثم أضفت:
-«أنا أكتـب إذن أنا موجود – أنا لا أكتـب إذن أنا لست أنا!» 
ولأفهم كيف أروض نفسي على قهر اللاجدوى الوجودي والخواء الداخلي، فكرت أن أكتب عن هذه الحالة أولا، ثم كتابة النص المكتمل الذي تبلور في دماغي قبل قليل. على أن أعنون نص الحالة بهذا العنوان:
-«قلب من حروف يبحث عن نبضه»
كي يكون منارة هداية لي، إن حل بي زمن القحط الداخلي مرة أخرى!
وها أنذا قد فعلت.
(…)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading