3- الكتابة والظلم .. محمد الجلايدي – القنيطرة – المغرب

إهداء: إلى سي مصطفى الهيقي وسي مراد ونّاس، وسي يعقوب راضي (من بغداد)، لدورهم في حسن بلورة هذا المحور من «فعل الكتابة» في تمثلي..
(…)
-ما جدوى الكتابة إذا جنحت إلى المصالحة مع الظلم؟ سؤال لما تفتق في دماغي، زلزلني!أغاظني (واحد من الظّلمة) لا أبعاد له فكراً وسلوكاً.. – وهو من أشرت إليه في المحور السابق- مثله كمثل مَنْ تُرَكِّبه الحياة مِنْ كل تناقضات الأرض: تراه وَرعـــاً وهو يستبطن زنديقاً! يُنَصِّبُ نفسه حارساً للفضيلة الأخلاقية و هو أبعد عنها ما بَعُدَت السماء عن أديــم الأرض! يُلَبِّس الشطط فستان العدالة و هو يرقص رقصة اللص الذي حقق هدفه في مستهدفه! فـشـــرعتُ في مواجهته على الأرض، ثم على مستوى الكتابة والنشر. وهو ما حمل صديقي مصطفى على معاتبتي قائلا:
-لقد جعلتَ من هذا (الكائن) الذي لا أبعاد إنسانيةَ له، بطلاً.
أجبته:
-لأول مرة أكتب بدافع الغيظ الناجم عن ظلم. وآمل أن يتفهم القرّاء. فالكتابة انتماء. بل وما جدوى الكتابة إن لم تقاوم الظلم؟!
وعن دور البطولة التي اكتسبها هذا (الكائن) الذي لا أبعاد إنسانيةَ له، في نصوص المواجهة، قلت موضحا:
-وهل يحلو فيلمٌ (يا أخي مصطفى) لا يوجد فيه (البّانْـدي)؟!
ضحك مصطفى وتفهم.
ومع ذلك، لَعِبَتْ ملاحظتُه دورَها في كياني، فأصابتني بانحباس في الكتابة. وهو انحباس كاد أن يطول، لولا دخول صديقي مراد ونّاس على الخط، لـما عـلَّـقَ على نشر هذا الحوار مازحاً:
-إذا كان الغيظ يُنْتِجُ فيك مثل هذه النصوص، فإني أعدك بعدم التوقف عن بعث الغيظ في كيانك.
ثم أرسل سيلا من الضحكات العذبة.
بعدها ختم قائلا:
-سلمت يمناك ويسراك!
وفيما بعد، واصل معي مراد هذه المعركة من موقعه عن بعد. لكن هذا التشجيع منه، لم يلغ التريث في سلوكي الكتابي. وهو ما كان يحملني بعد كل نص، على التفكير ملياً قبل الإقدام على النشر.
(…)
لكن، وعندما قرأت ما كتبه صديقي يعقوب راضي من بغداد، عن الكاتب الروائي البرازيلي (جورج أمادو) حسمت كل تردد!
كتب سي يعقوب عن صاحب رواية (فارس الرمال) التي سبق لي شرف قراءتها قبل أربعين عاما:-«يُحْكى أن في أمريكا اللاتينيه قولا شائعا عن (جورج أمادو)، مفاده : إذا أردت أن يكرهك كل سكان القارة عليك أن تجد الطريق إلى (جورج أمادو) ليكتب روايةً، تكون أنت أحد شخصياتها السيئة..!!»
(…)
فارتسم لي بوضوح، مسار «الكتابة كمسؤولية» على سكتين متوازيتين:- نصرة الجمال، ومناهضة الظلم! عن قناعة وبلا تردد!
(…)
لكن الظلم كـوْمٌ، وفهمُنا له كـوْمٌ آخر! فكلنا نحس ظلما ونشتكي منه.. وعندما نرفع الإحساس بالظلم إلى التفكير فيه بالعقل، نسقط في جدل أهوج! إذا فكرنا في حالة الإحساس بالظلم، من منظور قانوني معياري، يصبح المنظور نفسه في موقع المساءلة:- هل القانون عادل أصلا؟! مع العلم أن من يشرع قوانين الأرض ليس محايدا في الأغلب الأعم من دول الأرض! أما إذا استحضرنا أن «القانون» هو شرعنة ل «عنف الدولة»، فإن السؤال ينتقل بنا من القانون إلى الدولة:- هل هي عادلة أصلا؟! وإذا أردتَ مواجهتها بالحجاج، عن وجوب استحضار الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في صياغة القوانين المحلية، تواجهك بسلاح الخصوصية الثقافية!! لذلك فالمعيار هو الإحساس بالظلم! وإذا جانب الإحساس الفردي بالظلم الصواب، فالمعيار الجمعي كإحساس به يصبح حقيقة لا لبس فيها! وكيفما كانت القوانين ومرجعياتها، فإن الإناء ينضح بما فيه وهو على النار! أثناء نار تطبيق القانون على الناس في الأرض..
(…)
هذا الجدل الأهوج حسمته في دماغي منذ زمن بعيد! والحسم أتاني من عذابات أطيب الناس في بلدي، حين كانوا يحاكمون بقانون استعماري رهيب اشتهر بقانون «كل ما من شأنه أن يحدث خللا في النظام العام..»! رغم أن الخلل في النظام العام لم يحصل!! وكلف هذا القانون المشؤوم، الصفَّ المعارض آلاف السنوات السجنية، وعقودا طويلة من الكفاح وصولا إلى إلغائه! وهاهي جمعيات المجتمع المدني- اليوم وقبله- تواصل هذا الكفاح الحقوقي من أجل تغيير العديد من القوانين الظالمة! رغم أن بلدي اتجه نحو المصالحة مع التاريخ، وطي صفحة سنوات الرصاص! لذلك، أقدر بأن الحسم في معنى الظلم أساسه الإحساس بالظلم أولأ وأخيرا، لا في معيارٍ هو أصلا ظالم وأجوف وأصم!!
(…)
وعندما تبلور لدي «معنى» الظلم وعلاقته ب «معنى المعنى» ، أي بفهمي له كما يجب أن أتمثله في «فعل الكتابة» وفي أفعالي كلها؛ قررت منذ أن حسمت هذا الجدل الأهوج، أن أنصت لنبض مجتمعي بقلب مرهف في دقاته.. كي ألتقط الأحاسيس المعبر عنها من الناس، وهم يشكون ظلما أو يحتجون ضد شطط أو يطالبون بتغيير قانون ظالم! وإلا سأجنح نحو الاغتراب عنهم فيصاب «فعل الكتابة» بفقد «سياق الوجود» كشرطٍ لوجود أي كتابة!!
(…)
يتبع





