فاصل ونواصل.. محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

غيثة شابة في الثلاثين من عمرها. جسدها قصيدة متناسقة الصور. وجهها مشرق، كضوء الفجر بُعَيْد الغبش. شعرها كستنائي بلون الليل مسدل على كتفيها كجدولٍ لعوب. عيناها يتجسد فيهما التناص مع قصيدة بدر شاكر السياب والتي عنوانها:- «عيناك غابتا نخيل». تحفّهما رموش طويلة كثيفة كأنها ظلال سرّية لعالمٍ مذهل. حاجباها مقوّسان بدقة. صدرها متوسط الامتلاء، يعلو وينخفض خلف القمصان بأنوثة ناعمة تُربك السكون. خصرها النحيل يفصل بين علوٍ آسر وسفحٍ منسجم. أما صوتها، فهو مزيج من دفء الأنوثة ونعومة البحّة التي تميزه. حين تتكلم يُصغي الصدى، وحين تضحك تتفتق الأحلام في أذهان الزبناء. ولولا هذه الصفات الفيزيقية لما حصلت على منصب عملها بقسم الاستقبال في فندق اللؤلؤة وسط المدينة الذي ينتمي إلى فئة الفنادق المصنّفة بخمس نجوم. ورغم ذلك، لم يكن جمالها هو الحاسم لوحده، بل كان عليها أيضاً أن تتفوق بنجاح في «نظرية التواصل» وفي امتحان «التسيير- تخصص إدارة الأعمال».
هاهي الآن في الطبخ تصنع الأكل بسرعة كي تربح الوقت لتتزين ثم تمضي إلى العمل في الوقت المحدد. غيثة ذكية ومنظمة في عملها، لكن الذي يقلقها وتُكِنُّ له العداء أمر واحد:- المطبخ. ابتعدت عن شراء الأكل من الخارج بعد أن سبَّب لها تسمماً كاد أن يودي بحياتها. سماها والدها- رحمه الله، ب «غيثة» لأنه كان من عشاق طرب الملحون..فاصل ونواصل!
يقتحم صوت التلفاز تركيزها:
«فاصل ونواصل»! تسير غيثة نحو غرفة الجلوس، لتتابع الوصلة الإشهارية. كانت محبوكة بصنعة إعلامية متقنة! وموضوعها يتعلق بالصحون الورقية، لِما لها من مزاياها بالنسبة للنساء. وفي الختم ترديدٌ لهذه الجملة ثلاثاً:- «استخدمي الصحون الورقية وانسي الغسيل!» تتذكر غيثة أنها اشترت علبة من الصحون الورقية ذات التصميم الزهري خلال تسوقها الأخير، لتستعملها عند الخروج مع والدتها للتنزه ب «جنان السبيل». تلك الحديقة التاريخية الرائعة التي تعود إلى أزمنة مغرقة في القدم ولاتزال صامدة. تعشق هذا المنتزه مذ كانت طفلة. لأنه جميل بتصاميمه الأندلسية، ووفرة أشجاره ونافوراته. وموقعه بعيد عن الإسمنت وضجيج الطرق بفاس. تزيل غيثة صحون الطين التي اشترتها من آسفي عشقاً، وترتب بدلا منها صحون الورق. ثم تقول بصوت عال لحوض الغسيل في المطبخ وهي ترقص:
«وداعًا يا عدوي!»
«وهانا اقتصدت في الماء حتى هو آ للا الحكومة!»
ثم تصدر ضحكات ساخرة يردد المطبخ صداها.فاصل ونواصل!
هذه المرة كان الإشهار عن الملاعق والشوك البلاستيكية. «لماذا تتعبين بغسل الأدوات؟ استخدمي وارمي!». تهرع غيثة إلى درج الأدوات المعدنية، تفتحه، وتخرج بدل الشوك والملاعق المعدنية آخرى بلاستيكية..
تغني عن نفسها بصوتها الطروب:
«يا سيدي واش سمعتو بغيثة
زينها يحير عقل الرّاوي
تمشي والخطوة محسوبة
والزين ف خدودها متساوي»فاصل ونواصل!
عن مفارش ورقية لطاولات الأكل. «دّعي البقع وأريحي نفسك واتركي آلة الغسيل ترتاح معك». والإشهار يظهر عائلة ترمي المفرش بعد الطعام. تنظر غيثة إلى مفرش القماش الذي غسلته وكوته ليلة البارحة، وهي تصرخ عليه «إيخ» وتضع مكانه الورقي.
تسأل نفسها وهي تضحك»
«وانتِ هبيلة آ غيثة»فاصل ونواصل!
هذه المرة، عن أكواب ورقية تُستخدم مرة واحدة. «استمتعي بمشروبك» يقول الإشهار على لسان امرأة ترمي كوبًا ورقيًا. تنظر غيثة إلى الأكواب الزجاجية، تبتعد عنها وتحضر البديل الورقي لها. «تلفزتنا ساحرة! ومساندة للنساء». تقول ذلك ثم تعود للغناء:
«قلت لها: يا غيثة، قلبي هْنا
من غير رضاكْ ما يلْقى دَواه
ضحكات وقالت: هادشي فنا
ما كلّ من يهْوى يْنولْ مْناه»
أكلت. تخلصت من صحنها وكوبها وشوكتها وسكينها. وتركت الباقي من هذه الأدوات نظيفاً على المائدة لوجبة العشاء. أما الأكل فحفظت بعضه في الثلاجة وتركت الساخن على المائدة.شعور النصر على المطبخ يدفع غيثة لتبتسم وهي تتجه إلى غرفة نومها لتتجمل وتستعد لدوامها في قسم الاستقبال بفندق لؤلؤة المدينة. تقف أمام مرآتها، مصممة على جعل روتين التجميل بالبساطة نفسها التي حققتها في المطبخ. تفتح درج مستحضراتها، وتتذكر إعلانًا قديمًا عن طلاء الأظافر اللاصق. كانت قد اشترته بناءً على إشهار اعتبرته مذهلا. لكنها نسيته حتى هذه اللحظة. تخرج ملصقات الطلاء ذات اللون الأحمر اللامع، تضعها على أظافرها بسرعة، وتعجب بالنتيجة. «لا مزيلات، لا فوضى!» تقول وهي ترمي الأغلفة في سلة النفايات البلاستيكية.
فاصل ونواصل!
هذه المرة، إشهار عن العدسات اللاصقة اليومية. «تمتعي بإطلالة جديدة كل يوم دون عناء التنظيف!» يقول الإشهار. تتذكر غيثة فتهرع إلى حقيبتها، تخرج عدسة بلون عسلي، تضعها بعناية، وتنظر إلى عينيها في المرآة.
«نظرة مثالية لاستقبال النزلاء!»
تقول، وترمي العبوة الفارغة.
هاهي الآن جاهزة ليوم عملها في الفندق دون أي عناء.خبر عاجل!
تدخل غيثة إلى مدخل الفندق:
والمدخل عنوان للأناقة العصرية والبساطة الراقية، مصمم بلغة هندسية تنطق بالفخامة دون تكلّف. واجهة زجاجية شفافة تمتد من الأرض إلى السقف، تعكس صفو الهدوء ضد ضوضاء المدينة كأنها بوابة إلى بعد آخر من الترف. باب الواجهة ينفتح تلقائيًا بانسيابية صامتة، فيرحب بالقادم ليقوده على أرضية من الرخام الإيطالي اللامع بلون العاج، تتخللها خطوط دقيقة من المعدن المصقول. فتوجّهه بسلاسة نحو ردهة الاستقبال. إضاءة مخفية مدروسة، تنبعث من السقف بتوزيع دقيق، تمنح المكان وهجًا دافئًا يبرز جمال التفاصيل، من طاولات الاستقبال المصمّمة بأناقة من الخشب البني الفاتح والحجر الطبيعي، إلى الجدران المطلية بألوان ترابية هادئة تتناغم مع نغمات عطر خفيف يشبه نسيمًا غابوياً. أعمال فنية معاصرة موزعة بذوق على الجدران، منها ما هو نحتي ومنها ما هو تشكيلي. كل شيء في هذا المدخل يوحي للقادم بأنه على وشك أن يعيش تجربة لا تُنسى. وبداية التجربة تبدأ من الخطوة الأولى!تتجه غيثة إلى موقع عملها في ردهة الاستقبال، فتتفاجأ برؤية امرأة تقف خلف مكتب الاستقبال، بابتسامة ثابتة ومظهر مثالي. تقترب بحذر، فتخرج المرأة لافتة خشبية صغيرة مكتوب عليها:
«خبر عاجل»:
«غيثة، لقد تم الاستغناء عن خدماتك.»
غيثة: (مصدومة)
«ماذا؟ ولماذا؟ ومن أنتِ؟»
«اسمي سميرة وأنا دمية مبرمجة، أجمل منك، ولا أطلب أجرًا ولا تعويضات ولا راحة. أعمل على مدار الساعة دون توقف، وإن تعطلت، تشتري الإدارة دمية أخرى.»
تتجمد غيثة في مكانها.
تنظر بذهول إلى سميرة.
سميرة تسجل دخول نزيل بكفاءة ميكانيكية!
(…)
جاءتني غيثة. وضعتني في صورة ماحصل لها. أعرف ضعف لغتها العربية منذ أيام الدراسة. لكنها متفوقة في ثلاث لغات أجنبية. صديقة الطفولة والحي والمدرسة. طلبت أن أترجم لها شكاية. مدت لي المسودة. لم أجد المرسَل إليه. فسألتها وأنا أضحك:
«هل سترسلين شكايتك إلى الملك؟»
ضحكت وهي تقول:
«أنت هو أنت. دائماً تقلب الدراما إلى الكوميديا.»
أضافت وهي تبتسم:
«سأرسلها إلى مفتش الشغل.»
ضحكتُ حتى اغرورقت عيناي بالدموع.
صاحت في وجهي وهي تضحك:
«واش باغي تحمقني؟
بعد أن استرجعتُ نفَسي، قلت:
«مفتش الشغل الذي تعرفينه طُرد من العمل هو أيضاً»
«ومن عوضه؟»
عدت إلى الضحك ولم أستطع التوقف.
قالت:
«ويلي آ محمد واش واكل شي حاجة؟!»
«واللا ما واكل تا حاجة.»
«آ شنو؟!»
«مفتش الشغل الجديد خو سميرة.»
لم تتمالك غيثة نفسها فانفجرت بالضحك هي أيضاً. وبعد أن استردت نفسها، قالت:
«أرحت قلبي بالضحك.»
«فَرّجْتيها علي، الله يرحم ماماك»
ثم اقترحت أن ترسل الشكاية لوزير الشغل.
ضحكت مرة أخرى حتى اغرورقت عيناي بالدموع.
لحظتها قالت باستفهام تعجبي:
«واش حتى الوزير بدلوه بولد عم سميرة؟!»
أوقفت الضحك، وقلت بجدية:
«الوزير هو المالك لمصنع المخلوقات الآلية في البلد.»فاصل ونواصل:
بعد أسبوع على لقائي بغيثة، طلعت علينا تلفزة البلد بمسابقة في برنامج «النجم الشعبي». ودبجت للمسابقة وصلة إشهارية ظلت تتكرر على مدار يوم كامل. وفي المساء تابعت البرنامج بدافع الفضول. قدم منشط البرنامج لجنة التحكيم بألقاب لم يسبق لي أن سمعتها من قبل!
«في لجنة التحكيم- جمهورنا الكريم- قمر الأغنية الشعبية الأيقونة و الأستاذة المتألقة فلانة. و نجم الأغنية الشعبية حبيب الجماهير المتألق فلان.» وعندما عرض أسماء المتبارين في الشوط الأول من المسابقة كانت من بينهم:
غيثة..





