في وجهي تختفي المدن…بقلم ريما سلمان حمزة

في وجهي
تتسلَّقُ المدنُ خوفَها
تجفُّ في خ
انةِ بطاقتي
وأنا
أشعلُ ملامحي من لهاثِ الأشياء
كي لا يَطرُدَني الوقتُ من ظلي
أحفُرُ في المسافةِ بئراً
أسقيه من صَدَاي
وأقولُ للحافلاتِ التي لم تعد:
انتظريني عند توقفِ المطرِ
سأعودُ محمّلةً بالأرقامِ المستعملةِ
مظلَّتي جريمةٌ
لأني متهمةٌ بالمطرِ.
في وجهي
تختنقُ الأزقّةُ
تسعلُ الأرصفةُ
ويستحمُّ الرصيفُ بدمعةِ جنديٍّ فقدَ وجهَه
قالت المدينةُ:
أحبُّك كرصاصةٍ ضلّت طريقَها
فقلتُ:
أعرفُ هذا الجنونَ
أعرفُ كيف تُسرَقُ أسماءُ القتلى
حين ينتهي الهتافُ.
في وجهي
تختفي المدنُ
ويبقى الرنينُ القديمُ
كأنّهُ
جرسٌ صدئٌ
في مدرسةٍ
مغلقةٍ.
ألتقطُ الكلماتِ
كأنّها قنابلُ من ورقٍ مبلّلٍ
أمدُّ يدي مثل لصٍّ يعرف أنَّ الجُرمَ ليس له عنوانٌ
أجمعُ ما تخلّى عنه الناجونَ من ضجيجِ المدينةِ
أربطُها بخيطٍ رفيعٍ
كي لا تتساقطَ قبل أن تصلَ إلى السطورِ الأخيرةِ
أتلوها بصوتٍ أجشَّ
كأنّني أُخبِرُ شبحاً غائباً
أنَّ الكلماتِ ليست كافيةً
لتعيدَ المدنَ المهاجرةَ
لكنها على الأقلِّ تمنحني وجهاً جديداً.
في وجهي
في وجهي
تتلوى الأرصفةُ
أجمعُ قصاصاتِ الوجوهِ المجهولةِ
وأغزلُ منها ضجيجاً بلا عنوانٍ.
في وجهي
تختفي المدنُ
كطفلٍ نَسِي كيف يضحكُ
وأنا أصرخُ في سراديبِ النسيانِ
وأبني قلاعاً من رذاذِ الضوءِ.
هل تسمع؟
همسُ خطواتي يتردّدُ في دهاليز الغيابِ
وأنا أراقصُ ظلّي
خذلتُ العصافيرَ حين قلتُ إنَّ الأجنحةَ مذكراتُ قفصٍ
خذلتُ الأشجارَ حين قلتُ إنّها مداخنٌ تلهو بها الظلالُ.
في وجهي
تختفي المدنُ
وأنا أدفنُ أحلامي في دفاترٍ بلا كلماتٍ.
في وجهي
يختفي وجهي
فتتهافت عليه المرايا
مثل سهمٍ في سرابٍ.





