النثر الفني

عَدْني يا حَبيبي✍️احمد غريب

22 face new

في خَيْمَةِ المُعَسْكَرِ المُقامِ لِحِصارِ مَدِينَةِ الضِّباع، كانَ المُرْتَزِقُ ابنِ الأب يَتَشاوَرُ مَعَ نائِبِهِ، ذو الخوذةِ المكسورة، حِينَ دَلَفَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ المساعدُ يَحملُ الرِّسَالَة، كانت الرسالة مَلْفُوفَةً على نَفْسِها مَرْهُوبَة مَرْعوبَة، بالخوفِ مَصْقُولَة، وبِالرَّوائحِ المُعَطَّرَةِ الخاصَّةِ بِالأَمِيرَة كأنت مبلولة، وَعَلَيْها خَتْمُ المَلِكِ الغائِبِ في رِحْلَةِ الفتوحات مَخْتُومَة، ذِئْبٌ مَنْقُوشٌ في شَمْعٍ بُرْتُقاليٍّ يَعْوِي في ريحٍ الخراب.

كَسَرَ المُرْتَزِقُ ابنِ الأب الخَتْمَ، وفَتَحَ الرَّقَّ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ المَخْطُوط:

عَدْني

عَدْني يا حَبيبي

عَدْني باسمِ الرَّبِّ، والحُبِّ والغُفْران،

باسمِ السِّلْمِ والرَّحمةِ والأيَّام،

عَدْني يا حَبيبي، أن تَسْتَجيبَ بِصِدْقٍ للكلمات،

وألَّا تَقَعَ في شِباكِ الكلاب، لقد نَصَبَ الأوغادُ لكَ الفِخاخَ.

في ساحةِ المدينة رأيتُ في الحُلمِ غربانًا سُوداءَ تَعتلي أشجارَ الدُّردار.

رأيتُ يا حبيبي في الحُلمِ، تَرْتَدي ثوب من نورَ السماواتِ في أجنحةٍ من سَراب.

فَكُنْ شُجاعًا، وعَدْني يا حَبيبي أنْ تَرْتَدي تاجَ الجُبْنِ مِن أجلي.

وحينَ تَبلُغُكَ كَلِماتي، لا تَغضَبْ، ولا تَدَعْكَ نارُ الدَّمِ تَقودُكَ إلى الهَلاك.

فقط تذكَّرْ ذلك اليوم، حينَ عَبَرْنا معًا على مَتنِ القارِبِ بينَ المَوجِ،

كُنا أشباحًا تَمشي في النهار وسطَ الكلاب.

يومَها كان البَحرُ هناك في المغيبِ، يَرْتَدي تاجًا من ورودِ السَّماء.

قُبلتُكَ الدافئةُ على خَدّي ما زالت تُغذِّي في دمي العشق،

لكنَّ أحلامي مُثْقَلَةٌ بالأهوالِ والأحزان.

لقد أبصَرْتَ يا حَبيبي لَونَ الدَّمِ في الرَّماد؟

إنَّها كوابيسُ الرُّعبِ والظِّلال.

عَدْني يا حَبيبي الوحيد.

لقد أُشعِلتِ في الشموعُ، بدمعٍ يكتبُ الحزن،

ودمٍ يخطُّ الفداء، وأرواحٍ تصوغُ الخلود.

فأنا الذي أتَيتُ من دمٍ سَلْسَالِ النُّبوءات،

وأحلامي مَليئَةٌ بالرَّسائلِ والمعجزات.

لقد رأيتُ في أحلامي جَمعًا يُعِدُّ لكَ العَتاد:

رِماحًا، شِباكًا، وصَليبًا وعَذابًا.

عَدْني ألَّا تُقَدِّمَ رِقبتَكَ إلى مشانقِ الأوغاد.

عَدْني ألَّا تُقَدِّمَ جَسَدَكَ على صَليبِ الكلاب.

إنْ قَرأتَ رِسالتي التي يَحمِلُها الغُراب،

فاعلَمْ أنَّ اللَّيلَ لا يَحمِلُ إلَّا الأهوال.

فقد جَمَع الأوغادُ لفرقتِكَ العذاب.

عَدْني يا شُجاعًا جَبَّارًا، ألَّا يَغلي دمُ الرُّجولةِ في عُروقِكَ،

فأنا أُريدُكَ أن تَعيشَ للغَد، لِنَبني بيتًا من حياة.

فإنْ قالَ الكلابُ عنكَ: جَبَان، فلا تَسْتَمِع.

فما الخَطْب؟ أن تكونَ جبانًا تَعيش، خيرٌ مِن أن تكونَ مَيْتًا شُجاعًا.

أرجوك أن تعدني.

أجْبُنُ حيٌّ خيرٌ مِن شُجاعٍ ميِّت.

عَدْني ألَّا تَقَع في الشِّباك…

عَدْني باسمِ الرَّبِّ، باسمِ الحُبِّ، باسمِ الوَفاء.

عَدْني باسم العشق.

وحين انتهت الكلماتُ، شَرِبَ المُرتَزِقُ ابنِ الأب نَبيذُه الدم، وبغضب ابتسَمَ وفَكَّر:

“ابنةُ الأبِ تَخون، وما الجديدُ في كأسٍ من قلب قبيح؟ فالبنتُ مثلُ الأمِّ تَصيح، ومَن لا يَمشي على دَرْبِ الدَّجاجةِ القديمة لا يَبِيضُ الخيانةَ في نفسِ الخِزانة.”

ونَظَرَ إلى الصَّبيِّ، ومَدَّ يَدَهُ بالرسالة، وقال بابتسامة:

  •  “قُلْ للكاتِبِ المُقَلِّد، أن يُقَلِّدَ خَطَّ الأميرةِ، ويُرسِلَ للخائنِ رِسالةً بَريئةً، يَدعوهُ فيها إلى المدينةِ، لِيُنقِذَها من هَولِ الكَلبِ ابنِ أبيها.”

ثمَّ التَفَتَ إلى نائبِهِ ومَدَّ كأسًا من نبيذ، وقال وهو يحتسي المزيد:

  • “فلْنَفُكَّ هذا المَعسكرَ، ولْنَعُدْ إلى داخلِ المدينة، فالأميرةُ بالخيانةِ جَلَبَتْ، بتلك بالرِّسالة، الخائنَ صاحبَ القبيلة، وعُدَّ العَتادَ والحراب يا ذو الخوذةِ المكسورة عندَ بُقعةِ شاطِئِ النَّهرِ القديم، هناك حيث لقاء الحب الفريد، فالخائنُ سيسلُكُ هذا الطريقَ القديم، فشُجاعٌ مثلُهُ لا يَغيب، وسيعُودُ مِن جَديد، فالعشق سم في الدم غريب، وغدًا سنُعَلِّقُ رأسَهُ الجميلَ على رُمحٍ طويل، وسنرفع راياتِ النصر كالتاجِ على الجبين”.

وشَرِبَ المُرتَزِقُ ابنِ الأب النبيذَ مع الخمرَ السميك، والتَهَمَ حين عاد للقصر اللحمِ الكثير، حيث في المساءِ رَقَصَتِ الراقصاتُ العارياتُ للفجرِ السعيد القريب.

لكنْ في الغَد، سَقَطَ المُرتَزِقُ ابنِ الأب في كَمِينٍ عظيم، وخَسِرَ الحَربَ في شُروقٍ بَديع، وجُرَّ أسيرًا في أَسْوِرٍ مِن حَديد.

فليستِ النهاياتُ تُكتَبُ بالخيانةِ والجَواسيس، ولا تُخطُّ على ورقٍ مُلطَّخٍ بالدم الرخيص،
بل تُكتَبُ في صفحاتِ الخلود، بمدادِ الأصدقاء، وأنفاسِ العاشقين،
وبدماءِ الأوفياءِ التي لا تجفُّ على دربِ الحقِّ المبين،

يخطُّها الصدق، والحُبُّ الشريف.

عَدْني يا حَبيبي.

تنبيه هام:

القصيدة المقدمة هنا ليست سوى تلخيص مقتضب للأحداث والشخصيات الرئيسية التي تدور حول رواية (ثورة الورديين).

ويجب أن يؤخذ في الاعتبار أن القصيدة غير كاملة، ولا تغطي كافة تفاصيل الرواية، بل تقدم فقط عرضًا موجزًا لأهم الأحداث والشخصيات فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading