النثر الفني

صَمْتُ الفَجْرِ الضّائِع -د.رافد حميد فرج القاضي

رسم توضيحي لرجل ذو لحية بيضاء وشعر رمادي، يرتدي سترة وقميص، ويعبر عن الثقة.

في الفَجْرِ البَعيد

حيثُ لا صَوْتَ

ولا رائِحَةَ سِوى الصَّمْتِ 

الّذي يَمُرُّ بَيْنَ الشِّفاه

تَتَرَدَّدُ خُطُواتي على رِمالٍ 

لَمْ تَمَسَّها قَدَمٌ مِنْ قَبْل

وأرى ظِلّي يَخْتَفي

مع كُلِّ نَسْمَةِ هَواء…

كُنْتُ أَبْحَثُ عن شَيْءٍ

لَمْ أَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَه

عن وَجْهٍ يَبْتَسِمُ في المَدَى

ويَحْتَضِنُ ضَوْءَ الشَّمْس

في عَيْنَيْهِ

عن يَدٍ تَعْرِفُ طَريقَ قَلْبي

قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَه جَسَدي…

اللَّيْلُ يَمُدُّ ذِراعَيْهِ 

فَوْقَ المَدِينَةِ المُهَدَّدَةِ بِالنِّسْيان

والقَمَرُ يَقْرَأُ أَسْماءَنا 

على جُدْرانِ البُيُوتِ المَهْجُورَة

أَشْجارُ الصَّمْتِ تَتَحَرَّكُ

في هُدُوءٍ وكَأَنَّها تُريدُ

أَنْ تُخْبِرَني أَنَّ لا شَيْءَ يَدُوم

ولا شَيْءَ يَبْقى كما هُو…

رَكِبْتُ المَوْجَ وتَرَكْتُ البَحْرَ 

يَقْرَأُ عَلَيَّ أَسْراري

سَمِعْتُ صَدَى الماضي 

يَرْكُضُ خَلْفي

فَقُلْتُ لَهُ: دَعْني أَرْحَل

دَعْني أَكُونُ مُجَرَّدَ طَيْفٍ

يَتَجَوَّلُ بَيْنَ الأَقْدار

يَبْحَثُ عن نَفْسِهِ في العَدَم…

الأَيّامُ تَتَساقَطُ

كَأَوْراقِ الخَريف

تَسْقُطُ على وَجْهي

دُونَ أَنْ أَسْأَلَها لِماذا

أَحْتَضِنُها كُلَّها:

فَرَحَها وأَلَمَها

وضَحِكاتِها المُخْتَبِئَة

وأَدْفِنُ كُلَّ لَحْظَةِ

حُبٍّ لَمْ يَكْتَمِل

في صُنْدوقِ النِّسْيانِ 

المَفْتوحِ على الفَجْر…

كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْلَمُ

طَريقَ قَلْبي

لكنَّ قَلْبي كانَ خَريطَةً

بِلا اتِّجاه

كُنْتُ أَقْرَؤُهُ كما يَقْرَأُ 

العابِرونَ نُجومَ السَّماء

فَتاهَتْ عُيوني في بَحْرٍ

مِنْ حُروفٍ لَمْ تَنْطِقْ بَعْد…

الهَواءُ يُذَكِّرُني بِأَنِّي

كُنْتُ حُرّاً

والمَطَرُ يَصْرُخُ بِأَسْماءِ 

الّذينَ أَحْبَبْتُهُم بِصَمْت

والأَشْجارُ تَهُزُّ رُؤوسَها

كَأَنَّها تَقول:

كُلُّ شَيْءٍ يَمُرّ…

كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَب…

وكُلُّ شَيْءٍ يَبْقى أَثَرُه…

ثُمَّ في لَحْظَةٍ مِنَ الصَّفاء 

أَدْرَكْتُ :

أَنَّ الحُبَّ لَيْسَ دائِماً

ما نَرْغَبُ بِهِ

ولَيْسَ دائِماً

ما نَلْمِسُهُ أَوْ نَراه

الحُبُّ أَحْياناً

يَكونُ انْتِظاراً

ويَكونُ صَمْتاً

ويَكونُ صَبْراً

ويَكونُ شُعْلَةً صَغيرَةً

تُضيءُ الظَّلامَ الطَّويل…

وهكَذا أَمْشي…

أَجْمَعُ أَطْيافَ الأَيّام

مِنْ يَدي

أَزْرَعُها في صَمْتِ قَلْبي

وأَدَعُها تَنْبُتُ

في أَعْماقِ اللَّيْل

أُغَنّي لِنَفْسي وأَنا وَحْدي

لأَنِّي تَعَلَّمْتُ أَنَّهُ 

لا أَحَدَ يَسْتَطيعُ 

أَنْ يَحْمِلَ قَلْبي كُلَّه

ولا أَحَدَ يَسْتَطيعُ

أَنْ يَعْرِفَه…

كما أَعْرِفُهُ أَنا…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading