نساء الفجر – حيدر كاظم الحسيناوي

الليل كان طويلًا، والبرد قارسًا، والرصيف خالٍ إلا من صدى خطوات نادرة.
نام أبو خليل على الرصيف البارد، متكئًا على حقيبته المهترئة، ينتظر الفجر ليأخذ سيارة الريم.
الصمت يضغط على المدينة، لكنه لم يوقف خفقان قلبه.
قال في نفسه: الفجر سيأتي… لا يتأخر أبدًا.
في البيت، كانت جماله وأمهات الكيمر يبدأن يومهن قبل أن يولد الضوء.
أيديهن تتعب قبل أن يبدأ النهار، يملأن الكاسات بعناية، ويضعن الصواني على رؤوسهن بثباتٍ غريب، كأن الرقاب خُلقت لتقاوم الثقل.
ابتساماتهن صغيرة، لا تكتمل، لكنها لا تذبل.
أحيانًا يبعن في الكراج، وأحيانًا على الرصيف، حسب حركة السوق وأمان المكان.
كل يوم يحمل نفس الصمود، نفس الدقة، نفس الصمت.
نهض أبو خليل مع خيوط الفجر الحمراء.
مسح الغبار عن ثوبه، وأخذ يتفقد الرصيف، يراقب النساء.
ليس بصوت، وليس بكلام… فقط نظره يراقب، يلمس، يشعر.
كان شاهدًا على حياة المستضعفين…
لكن قلبه يعرف أنه جزء من هذا العالم المضطهد، جزء من فقرٍ لم يختَر.
وككلِّ عادةٍ، تمرّ سيارة لاندكروزر بيضاء مسرعة… فتسكب الصواني.
انسكب الكيمر على الأرض.
توقّف الزمن لحظة.
جماله نظرت إلى البياض المسكوب، ثم رفعت الكأس المكسور، مسحت اللبن بطرف عباءتها، وأعادته إلى الصينية.
ابتسامة قصيرة، مليئة بالكرامة، تقول بصمت: لن يُكسر صمودنا.
وفي هذه اللحظة، شعر أبو خليل بشيء جديد…
شيء يشبه الأمل، رغم الألم، رغم الفقر، رغم قسوة المدينة.
فهم أن الإنسان يستطيع أن يقف، حتى حين ينهار العالم من حوله.
الضوء الأحمر للصباح بدأ يتسلل بين الأسطح القديمة.
الرصيف عاد إلى ضوضائه المعتادة: عربات، خطوات، أصوات الناس…
لكن أثر اللبن الأبيض ظل هناك،
يُذكر الجميع بأن الصمود لا يحتاج إلى تصفيق، وأن الكرامة تظهر دائمًا في اللحظة التي لا يراها أحد.
نساء الفجر وهن يحملن الصواني، يمشين بثبات، والبرد يعض وجوههن،
لكن الرصيف كله، كمدينة صامتة، يعرف أنهن موجودات،
أنهن يقاومن،
أنهن يصنعن الحياة كل صباح،
بهدوء، بصمت، وبابتسامة لا يستطيع أحد سرقتها.
ظل أثر اللبن الأبيض على الإسفلت…
كأن كل سقوط يمكن أن يصبح درسًا،
وكل صبر صغير يضيء الطريق لمن يمر بعدنا.
والمدينة تمضي، والناس يمرون…
لكن الصمت الذي يقاوم، والكرامة التي تبقى، لا يُنسى.





