الزائر✍️م. مهاب حسين/مصر

عندما هلّ أول مرة، حسبته صاحب حاجة، يود قضاءها، فكدت أنهره، لكن ابتسامته الواثقة أوقفتني!.
قلبت خزانة ذاكرتي رأسا على عقب، فلم أعثر على شيء.
عزمت على الخروح من شرنقة حيرتي، فملامحه تبدو مألوفة.
زارني كعادته في عملي، وألقى تحيته الودودة. وهو يرتشف الشاي، سألتُه عن سبب مجيئه:
– هل تقابلنا من قبل؟.
انفرجت اسارير وجهه المنحوت بفعل تجاعيد الزمن، ودق الأرض بعصاته التي يتوكأ عليها، عدة دقات خفيفة، ثم بنبرة معاتبة:
– أنسيت؟.
– عفوا.. كلنا غرقى في دوامات الحياة.
ندت عنه تنهيدة طويلة:
– ألا تتذكر قهوة ريحان، شادر السمك، جلسات العصاري قبالة مسجد سيدي المرسي أبو العباس.
– نعم!.
– كنا نلعب النرد، وأنت تحتسي مشروب الشوكولاته.
فغرت فاهي في دهشة، فابتسم:
– معذور.. فقد كنت صغيراً.
– ألا يمكن أن تفسر.
– أنا صديق والدك، عمك” أبو العزم”، يالك من ناكر للجميل، أنسيت عمك ياولد، الذي طالما اشترى لك الحلوى، وأركبك المراجيح، خلف باحة المسجد أيام المولد.. ألا تتذكر المولد!.
ثم سحب نفساً عميقاً، وزفره في بطء:
– يااااه… زمن، كنت أحملك على ظهري، وأغطس بك في بحري، فأقب في الأنفوشي.
وأغرق في الضحك حتى بانت أسنانه المثرمة، وسعل سعالاً شديداً.
احتقن الدم في وجهي، وشعرت بالإهانة من لهجته المفعمة بالسخرية، لكنه باغتني:
– كيف حال أمك؟.
وانا أبلع ريقي بصعوبة:
– توفت منذ ثلاث سنوات.
– إيه.. كانت ملاكاً، كم تمنت أن تصبح قبطاناً ذو شأن، يتحاكى عنك أهل بحري.. لكن للآسف..
دب في قلبي خاطر فجاة، بأن الرجل محتال، ينسج خيوطه حولي باتقان، فقلت في خبث:
– صديق أبي، نعم.. نعم.. أظنك تعرف بالتأكيد سبب موته؟.
امتعضت ملامح الرجل، كستها الكآبة، مسح رأسه براحة كفه:
– آه.. مات محسوراً، وحيداً في دار ال…
واغرورقت عيناه المضببتان.. فمسحهما بظهر يده المعروقة.
ثم استطرد:
– لم يزره أحد لسنوات طويلة، كان يحادث نفسه.. جدران غرفته، نافذة محبسه.. كان ينتظرك.. لكنك لم تأتي.
وأنا أكظم غيظاً كافياً بتدمير العالم:
– أيها الكاذب المراوغ، أبي وافته المنيه إثر إصابته بالداء اللعين..
رد بلهجة هادئة:
– مازلتُ متهوراً، تشتاط غضباً، طالما عنّفك أبوك، ونهرتك أمك عن ذلك…
فغرت فاهي:
– هه.. هه..
– أم أصابك الزهايمر أنت الآخر..
انتفضت واقفاً، وصحتُ في وجهه:
– لاتجئ هنا مرة أخرى.
– إهدأ يا…
– لست أنا من تقصد أيها المعتوه.. “قاطعته صارخاً بصوت مشروخ”.
قهقه عالياً، ثم اختفى في لمح البصر.. كأنه لم يكن موجوداً!.
أثناء عودتي للمنزل.. بدت كل الوجوه تحملق في، وكأنها تحمل نفس ملامح الرجل!.





