القصة القصيرة

خيط صمود – حسين بن قرين درمشاكي – ليبيا

رجل ذو لحية رمادية يجلس ويمسك ذقنه، ينظر بتفكير نحو الشاشة خلفه.

في جوف الليل الأسود، كانت غزة أنينًا مكتومًا. الجوع ينهش الأرواح قبل البطون. عواء حزين وشهقات أمهات مفجوعة تناثرت في الصمت الثقيل، وأنين أطفال خاوين كاد لا يُسمع. أيادٍ يائسة امتدت في الظلام، لا تبحث عن طعام، بل عن ذكرى خبز وسط أنقاض أحلام مبعثرة. المدينة تختنق، والعالم يصمت.

في عمق هذا البؤس، نام صمود، ذو السبعة أعوام. لم يستيقظ على صوت، بل على قرع معدة جوفاء تردد صداها في أذنه. عيناه الغائرتان تحدقان في سقف الغرفة المتشقق.

هناك، في شق صغير، لاح خيط رفيع متلألئ، يهبط بلون الفجر الأول. كفه الصغيرة التي قستها مشقة البحث امتدت وتشبثت به بخوف ثم بيقين. نبضة دفء خفي سرت في صدره الواهن.

شد الخيط. قطرة واحدة، لامعة كجوهرة، هوت من طرفه، سقطت على لسانه الذابل. لمعت عينا صمود بذهول. توالت القطرات بغزارة مذهلة، ثم بغتة، انفجر الماء نهرًا عذبًا متدفقًا.

روى النهر غزة الظمأى. تفتحت براعم الزهور. اكتست الأرض خضرة يانعة. دبت الحياة في الشوارع الخالية. نبتت خيرات الأرض، فاضت الأسواق بالطعام. صدحت ضحكات، أشرقت وجوه، عادت الألوان للوحة الحياة الرمادية.

شحبت الوجوه ذهولًا. خرج الجميع يبحثون عن مصدر هذا النهر. لم يجدوا إلا صمودًا، يمسك الخيط الجاف بيده الواهنة. على شفتيه ابتسامة بالغة السكون.

في فجر اليوم التالي، استفاقت غزة على إشراقة لم تعهدها. وجدوا صمودًا نائمًا بسلام أبدي. يده ما زالت ممسكة بالخيط الجاف تمامًا. وجه صمود بشوش، لا أثر فيه لجوع أو تعب.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading