القصة القصيرة

عبدالأمير المجر – رحلة العائلة

A man with dark hair, wearing a plaid shirt, sitting outdoors with greenery in the background.

( لا حقائق كاملة في التاريخ مهما اخلص المؤرخون.. والفخر بالأجداد غالبا مايتكئ على تواريخ مزيّفة )!!
حين انتبهت لوجودي صغيرا بين العائلة، كنّا على وشك عبور نهر عريض نسبيا وسريع الجريان .. اشار أبي لأمي بأن ترفعني لأكون على كتفه وحنى لها جسده .. حين استويت على الكتف ادهشني منظر الاشجار والحقول الطويلة التي تمتد امامنا في الضفة الأخرى من النهر، ففرحت حينها بالحياة التي اكتشفتها للمرة الأولى .. أختي الكبرى التي تتقدم سبعة أخوة لي يكبروني وتوازي أمي وخالاتي وعماتي في الطول، قالت لي؛ نحن نبحث عن (بيتنا الكبير) منذ مدة طويلة .. لا ادري لماذا اعجبتني حكاية هذا البيت وتملكتني رغبة في الوصول اليه مع أني في عامي الرابع ولا اعرف شيئا عنه أو عن أي بيت آخر .. أبونا أو كبير العائلة الذي يتقدمنا برأس مرفوع وخطى ثابتة، يتلفت يمينا ويسارا بإستمرار، وقليلا ما يذكر اسم البيت أمامنا، لكنه يتحدث طويلا مع الناس الذين نلتقيهم ونحن في الطرقات عن مكان معين، ويحاول أن يجد الطريق التي توصلنا اليه … عرفت بعد أن كبرت وصرت أعي الأشياء من حولي أكثر، أن العائلة بدأت رحلتها هذه منذ زمن لم يستطع أن يحدده لي أحد منها، فهم جميعا وجدوا انفسهم في هذه الرحلة، فالعائلة تكبر وتتوالد في مسيرها من دون أن تنسى الهدف الذي تسير اليه .. (البيت الكبير) .. لقد عبرت انهارا كثيرة وصحارى واسعة، كادت امتعتها تنفد فيها وتهلك، وكذلك مرّت بعوالم غريبة، لكن هذا لم يضعف عزيمة كبيرها الذي ظل يسأل الناس عن مكان (البيت الكبير) الذي قيل إن جدّنا تركه لنا أو تركنا نبحث عنه .. المشكلة هي إن الجد، أو هكذا يقال، لم يحدد مكان البيت واكتفى بوصفه أو وصف المكان الذي علينا الوصول اليه.
حين يجن الليل ونحن في الخلاءات الموحشة، يقف أبونا أو كبير العائلة بعيدا عنا بعض الشيء وفيما نحن بين نسيم النعاس وصمت المكان وظلمته، يبدأ هو بإطلاق اصوات غريبة غير مفهومة كما لو إنه ينادي فيها على أحد ما، فيتردد صوته على شكل أغان حزينة في فضاءات الصحاري أو بين الوديان حين نكون قرب الجبال .. تركت العائلة وراءها سنينا كثيرة، حيث يغادر بعضها الحياة ويولد البعض الآخر واستبدلت أكثر من أب أو كبير للعائلة فيما أنا اصبحت رجلا بين أخوة وأعمام وأبناء وأحفاد.
في أحد الأيام وبعد أن بات عددنا كبيرا جدا والسير أرهق الجميع وصار التذمر يصل اسماع الأب الكبير صباحا ومساء، وجدنا انفسنا في مكان يقع عند سفح جبل اخضر يمتد بعيدا، يتوسطه كوخ صغير مبني من الحجر، بدا بناؤه متماسكا على الرغم من كونه قديما جدا.. وحوله جداول من ماء زلال، تنزل من اعالي الجبال لتترك وراءها هذا الإخضرار المدهش .. حطت العائلة الكبيرة رحالها قربه فيما كان الأب الكبير يتطلع في المكان، ثم قال بصوت متهدج خالطته دموع الفرح؛ لقد وصلنا الى مكان (البيت الكبير)! .. تملكنا فرح عارم ورحنا نرقص جميعا، كبارا وصغارا، نساء ورجالا .. في تلك الاثناء خرج علينا من الكوخ شيخ طاعن يحمل بيده عصا طويلة من الخيزران يتكئ عليها .. أخذ يتأمل بوجه الأب الكبير الذي كان ينظر اليه بصمت ثم قال؛ كنت انتظركم منذ وقت طويل لكنكم تأخرتم كثيرا، وواصل كلامه؛ إن عائلة كبيرة وصلت قبلكم، وحطت رحالها هناك، واشار الى مكانها .. نزلت كلماته على رؤوسنا كالسهام، لقد خشينا ان تنافسنا على المكان أو تدعي إنه إرث لها، وانتظرنا ان يردّ عليه الأب الذي بقي صامتا ينظر بوجه الشيخ قبل أن يقول له؛ أنت جدنا الذي ترك لنا هذا البيت! وكرر بثقة؛ انت جدنا وحدسي لايخطئ أبدا!! أشاح الشيخ بوجهه عنه وبدا كما لو إنه ينظر الى الجبال القريبة ثم قال؛ كلكم تقولون هذا وأنا لم أعد أحدا بشيء ولم اترك ارثا لأحد .. هذا الكوخ هو كل ما املك منذ آلاف السنين.
هبت ريح عاصفة اتت ببرد الثلوج الذي يغطي رؤوس الجبال .. فتراصت عائلتنا على بعضها.. فيما اختفى الشيخ الذي بدا كما لو إنه طيف أو محض سراب واختفى معه الكوخ .. ووجدت العائلة نفسها وقد شعرت بالراحة بعد انحسار العاصفة.. لكن همسا تحول الى جدال بين ابناء العائلة عن البيت الكبير الذي كنا نحلم به وأين هو .. وكيف سنواجه العائلة الأخرى التي حطت قربنا وغدت منافسا لنا على الإرث الذي انكره علينا الجد؟!

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading