النثر الفني

مَنْ يُبْكِي السُّودَانَ؟ سعيد إبراهيم زعلوك

A portrait of a man with a serious expression, wearing a colorful checkered shirt, set against a dramatic fiery background.

مَنْ يُبْكِي السُّودَانَ؟

مَنْ يُشَاطِرُهُ الْأَحْزَانَ؟

مَنْ يَقُولُ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ؟

كَيْفَ أَخْبَارُ الأَهْلِ وَالْوِلْدَانِ؟

تَعِبَتْ خُطَاهُ،

وَضَاعَ صَوْتُ النِّيلِ فِي دَرْبِ الأَمَانِ،

تَبْكِي الأَرْضُ أَغَانِيهَا الحَزِينَةَ،

وَيَسْكُنُ فِي الْمَآذِنِ أَنِينُ الأَذَانِ.

يَا وَجَعَ الْوَطَنِ الْمَغْسُولِ بِالدَّمْعِ،

يَا رِيحَ النَّخْلِ إِذَا بَكَى الْوَطَنُ،

كَيْفَ تُغَنِّي الطُّيُورُ وَالْغُصْنُ مَقْصُوفٌ؟

كَيْفَ يُزْهِرُ صَبَاحٌ، وَالأَرْضُ نُعَاسٌ وَشَجَنٌ؟

مَنْ يَضُمُّكَ إِذَا جَرَحَ الْفَقْرُ الْجِبَاهَ؟

مَنْ يَمْسَحُ عَنْ عَيْنَيْكَ غُبَارَ المَسَافَاتِ؟

مَنْ يُرْجِعُ إِلَيْكَ أَغَانِيَ الطُّفُولَةِ،

وَضِحْكَةَ الأَمْسِ فِي زَمَنِ النِّسْيَانِ؟

يَا سُودَانُ،

لَسْتَ وَحِيدًا…

فِي كُلِّ قَلْبٍ عَرَبِيٍّ نَخْلَةٌ تَبْكِيكَ،

وَدُعَاءٌ فِي سَجْدَةٍ يُنَادِيكَ،

وَحُلْمٌ يُرَدِّدُ:

سَيَعُودُ النِّيلُ نَقِيًّا،

وَسَتُولَدُ مِنْهُ الأَغَانِي مِنْ جَدِيدٍ…

وَسَيَأْتِي يَوْمُكَ، يَا سُودَانُ،

يَوْمُ النُّورِ وَالْعُمْرَانِ،

تُغْسَلُ فِيهِ الأَرْضُ بِالضَّوْءِ،

وَيَرْقُصُ فَوْقَ النِّيلِ أَذَانٌ وَأَمَانٌ.

سَيُولَدُ مِنْ رَمَادِكَ زَهْرٌ،

وَيَنْهَضُ فِي رُوحِكَ الإِيمَانُ،

وَيَكْبُرُ فِي أَعْمَاقِكَ الْحُلْمُ،

وَيَصِيرُ الْوَجَعُ أَوْطَانًا تُغَنِّي.

يَا وَطَنَ النَّخْلِ وَالأَنْسَامِ،

سَيَبْقَى فِي عَيْنِ الشَّمْسِ اسْمُكَ،

وَفِي قَلْبِ الشُّعُوبِ وَعْدُكَ،

وَفِي كُلِّ مَسَاءِ دُعَاءٌ يَقُولُ:

قُمْ…

فَالسُّودَانُ لَا يَمُوتُ.

وَفِي آخِرِ الصَّمْتِ،

حِينَ تَغْفُو الدُّيُونُ فِي كَفِّ الزَّمَانِ،

سَيَعْلَمُ اللهُ أَنَّ لِي كَلِمَةً لَمْ تَخُنْ،

وَقَلَمًا لَمْ يَتْرُكِ الْحَقَّ وَحْدَهُ فِي الْمَيْدَانِ،

مَا كُنْتُ إِلَّا شَاعِرًا،

يَكْتُبُ وَجَعَ الْوَطَنِ بِصَمْتٍ نَبِيلٍ،

وَيَتْرُكُ قَلْبَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَبَّ…

وَمَا غَدَرَ، وَمَا خَانَ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading