مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

عُـرس الذئب العجـوز – سمية جمعة – سورية

رسم توضيحي لامرأة ترتدي حجابًا أزرق اللون، مع تعبير وجه هادئ وإطلالة ودودة.

لماذا أنا هنا يا ربي؟!

بحركة غير اعتيادية زجت بي النسوة إلى الغرفة وهُن يزغردن فرحـًا على ما تبقى من دهشتي، جلست على حافة السرير وأنا أرفل بثوبي الأبيض، بعض العطـر الرخيص كنت أشمه من فستاني ربما رائحته ستجذب الرجل الهمام الذي أطالوا مديحه لي وزينوا لي صورته كفارسٍ عـربي طيب السجايا باسم الثنايا، يأتي ليقص عليّ من حكايات ألف ليلة وليلـة ويحلق بي لسماوات الفرح والسعادة التي ما بعدها كـدر.

دقائق قليلـة ودخل عليّ الحجرة، رحمتك ربي. من صاحب هذا الوجه المليء بثقوب الجدري، سقطت أسنانه الأمامية، يمتلك عينين وقحتين نصفهما ضبابي، رأيت لعاب فمـه يسيل ولسانه يرطب شفتيه المسودتين من الدخان. رائحة فمه كريهة فأنكمشت على نفسي وسرت رعـدة بـرد في مفاصلي ونحن في شهر آب!

أحاول لملمة نفسي، خلايا جسمي ترتجف من الخوف كلما أقتربت أصابعه الغليظة إلى الطرحة ، لم أحب رؤية يده اليمنى ، شوهاء بلا إبهام وسماع صوت لهفته كما الذئب يقترب مني أنا الشاة التي دفعوها بها إلى مصيرها وتخلصوا من عبء يتمها .

تتشظى نفسى ، كريهة هوة الوجع، سرمدي هذا الكابوس، ملعون يا حظـي المنحوس، ضحكوا عليّ ، امرأة عـمي المتعجرفة التي أذاقتني الذل والعذاب منذُ وطـأتُ عتبة بابها ثم مسحت بي بلاط بيتها كما الخرقة البالية لأربعة عشر عـامًا من الشقاء، ولما صرت لحمًا يتورد على الخدين وصدرًا ناهدًا يحمل غـواية الفرح والشباب ، كانت تتعمد تفتيش الكيس الذي أخبئه وقت خروجي من الحمام.

قذرة ونواياها خبيثة أعرفها تريد أن تتأكد من بداية دورتي الطمثيـة، تشمئز مني ثم تبتسم بلؤم، فلا تعرف سر المرأة غير المرأة، رأيتها تتكلم مع صاحب دكان الفلافل في حينـا عصرية اليوم الثاني، ما دار بفكري أنها تبيعنـي إليه، أشك بأنها عرفت أين رميت ذلك الكيس وقت خروجي من الحمام. علها عرضت بقايا الفوطة الصحية لهذا الذئب العجوز كيما يتأكد له خصوبة أرضي. صبح مساء تأتي إلى دكانه ولخاطـر عينها شطائر الفلافل والفول مجانيـة، كان خوفي يتصاعـد وقلقي يأكلني .. أنا تلك الشاة التي تباع له وما كنت يا وجعي أدري!

أنا كنت الصفقـة، مجرد كائن مسلوب الإرادة، قدري أولد وحيدة، علاقتي بأبي مؤطرة بصورة فوتغرافية ضبابية لرجل صرعـته شاحنة على الطريق ورحل، أمي ماتت بعده بقلبٍ مكلوم. انتقلت من بيت إلى بيت ومضى العمر في مرارة العذاب والوحدة، لا قرار لي

 أو سأبقى رهينة الرصيف . ما الذي جاء بي إلى هنا كيما أجد نفسي في حجرة صاحب دكان الفلافل؟ ما هذا بزواج وإنما لحمٌ للبيع وشاريـه كسب رهان تجديد شبابه الهرم الذاوي، فدفع بضع ألوف شحيحة من الليرات وطار بغنيمته من فم الأيام.

أدرت أليه ظهري، لا أقدر على السيطرة على ارتعاشاتي، صارت تزلزل جسدي الخائف بالكاد يصعد عتباته من سن الخمسة عشر عامًا . أبعد أصابعه المخيفة عني ، ولى وجهه ناحية أخرى من الحجرة التي زينوها ببعض الزينة البلاستيكية اللماعة الرخيصة مـع طاقات الزهور الاصطناعية كريهة الشكل . رأيته يفتح خزانة خشبية مهترئة مثله ويأخذ منها زجاجة عـرق محلي مع كأسين ينطبع عليهما شكل ابتسامته القبيحة!

فتح تلك الزجاجة وصب من سائلها، يقرب الكأس من شفتيّ، رفضت بإصرار . اكتفى هو بالشرب، كأس كأسين وثلاثة ، بدأ يهذي ويثمـل ، قرب كأسًـا أخرى مني ولما رفضت طارت كفـه في الهواء ، ما أوجعك يا يُتمـي ويا ظلي المكسور. رأيته يهتـز أمامي دفعـته بكل قوتي فرأيته يتهاوى كقشـةٍ في الحقل، يا ربي ماذا فعلت ؟!

أصطـدم رأسه بالطرف الحاد لرف خشب تلك الخزانة القديمة، أندفعت نافورة دم ساخن من رأسه وهو يترنح في مكانه ، ارعبني المنظر، لكن رغبتي بالهرب حملتني لبلوغ الباب وما عـدت أفكر في شيء غـير النجاة بنفسي من الذئب العجوز وثوب الفرح لا يزال شاهـدًا على الهرب من أحزاني إلى أحزاني!

ومرة أخرى صرت أسأل هذه الحائرة أنا .. لماذا أنا هنا؟! قامت امـرأة لعوب ونفخت دخان سيجارتها في وجهي وصرت أكح وسط حجرة السجن الرطبة والقذرة لما قالت:

-يا اخواتي، هذه هي العروس التي قتلت زوجها ليلة الدخلة، شفت الخبر في الصحيفة الأسبوع الفائت.

حاصرنني وأنا أبكي غـربة نفسي، فداهمني سؤال مرير لا جواب لي عليه.. من سيصدقني حتى أبحث عن خلاصي؟ ولماذا هذه المرأة صاحبة الوجه نصف المحروق بماء النار، تبقى تذكرني بأن القاتـل مصيره الإعـدام ثم تضحك عليّ؟ يا رب الأكوان أنا مظلومة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading