الشاطئ الأخر- رأفت عبد الستار

خرجت القرية وقدتوشح نساؤها بالسواد يسبقهن الصراخ والعويل ,بعد أن فقدت القرية
ثلاثة عشرشابا من خيرة شبابها فى
محاولة يائسة منهم للوصول للشاطئ الآخر
للمتوسط ,وبدلا من أن يعودوا وقد حققوا أحلامهم غرقوا داخل حلمهم الذي لم يتحقق .
لم تكن هذه هى الصدمة الأولى لأهالى القرية؛ ولن تكون الأخيرة,؛ لإعتيادهم على مثل هذا المشهد من وقت لآخربحثا عن حلم لايتحقق.
أقيم العزاء فى سرادق ضخم تشارك فيه أسر
الضحايا ؛,واقيمت الولائم فى الفراغ المتاخم
للسرادق ,وقد ساهمت بيوت القرية بتولي هذا
الأمر لانشغال أهالي الموتى بتلقي العزاء,وكانت عيون المعزين تتلصص
من وقت لآخر علي هيئة الحاج ضاحي كبيرهم,؛ وهو يرفل فى عباءته الكشميروعصاه
العاج التي احتوتها قبضته ؛وقدظهر منها خاتمه ذو الفص الفريد؛, وهو يتعمد أن يعتدل في جلسته بطريقة مبالغ فيها ليظهر شاله الحرير وقميصه الفاخر وحذائه المصنوع
من جلد الثعبان,؛ وكثيرا ما تجد في جيوبه
عملة اليورو بفئاتها المختلفة بخلاف تلك
المكدسة بخزينةفيلته التي شيدت بالطراز
الإيطالي .
لا يخلو بيت من القرية من مطاردة ذلك
الحلم للوصول الشاطىء الآخر,؛ ويظل العائق هو تدبير ألاف الجنيهات لسماسرة التهريب عن طريق قوارب الصيد وكثيرا ماتفشل المحاولات إما بالقبض عليهم أو
غرقهم داخل حلمهم قبل الوصول إليه .
لأي حلم ثمن فالأحلام لاتأتي من فراغ،؛ والوحيد الذي حقق الحلم هو الحاج
ضاحي،؛ وتحول من مزارع كان مستأجرا لعدة قراريط إلى كبير القرية،؛ صاحب اكبر زمام وأجمل فيلا يمكن أن تراها عين ؛،وزوجته الأربعينية جميلة القوام والملامح تشاركه هذا النعيم والصيت.
الأ إنه في كل يوم مع حلول الليل بعد أن ينضوكل منهما عنه ثيابه الثمينة والحلي ،؛ ويصبحا كطاووس بلا ريش وهما
ينظران إلى صورة ابنهما الأصغر الذي استطاع
أن يعبر الشاطىء الآخر في رحلة غير شرعية،؛
بعد مكافحة الأمواج والجوع ،ليسألها نفس السؤال:
_هل نستطيع النوم بلا مهديء اليوم؟
لتجيبه بتحسر:
_ومن أين يأتي النوم بعد أن فقدنا ثلاثة أبناء،؛
لم يبلغوا العقد الثالث من عمرهم في تلك الرحلة المشئومة.
قال متحسرا:
_نعم…ابتلعتهم الأمواج ومعهم حلمهم الذي لم
يتحقق .
قالت وهى تنظر لصورة على الحائط:
_حتى ابننا الأصغر الذي استطاع أن يصل الشاطىء الآخر يعيش متخفيا كخفاش في
الظلام ،؛لانعرف أين يعمل؛؛ولاكيف يعيش
رغم المبالغ الطائلة التي يرسلها إلينا مع خلال أشخاص هيئتهم مريبة. تنهد ضاحي بحسرة قائلا:
_لم يجد مكانا لحلمه هناك ،فأراد أن يحققه هنا.
همست قائلة:
_كثيرا ماأشعرأنني في كابوس طويل وعندما
استيقظ سأجد جميع اولادي من حولي،
ونعود لتلك القراريط التى كانت مستأجرة.
قال متحسرا:
_ليته كان كابوسا حقا.





