مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

مجتمعاتنا لم تزل تحيا في زمن أيديولوجي لا معرفي انها تعاني في زمن مختل التوازن

رسم مائي لرجل يرتدي بدلة زرقاء وربطة عنق بنفسجية، يظهر تعبيره واثقاً.

مقدمة : تساؤلات من أجل ضرورات التجديد الحضاري

لديّ سؤال مختلف أطرحه اليوم ، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين ، ولكن ينبغي علينا اعادة فهم ما جرى في القرن العشرين. السؤال يقول : هل انتهت أيديولوجيات القرن العشرين نهائياً ؟ كوننا الان في زمن معرفة لا زمن أيديولوجياً ؟ ولكن كيف يمكنني أن أقنِع بهدوءٍ وشفافيةٍ ذاك الذي لم يزل منغمساً بالأيديولوجيات في مجتمعاتنا العربية حتى اليوم ومن أجيال شبابية أجدهم ما زالوا يدافعون عن مستبدّين وطغاة وأصحاب مؤدلجات ساذجة عفا عليها الزمن ؟

سؤالٌ عميقٌ لأنه لا يتعلّق بالماضي فقط، بل بكيفية طبيعة ما يجري من حوارات حتى في زمننا هذا.

أولًا: هل انتهت أيديولوجيات القرن العشرين فعلًا؟

الجواب: لا، لم تنتهِ، لكنها فقدت يقينها القديم وبريقها الجذاب. الأيديولوجيات الكبرى في منطقتنا أحزاب اليسار والقومية الراديكالية، والاشتراكية العربية، والبعثية اليمينية واليسارية ، والإسلام السياسي الحركي وغيرها وُلدت في سياق: البلشفية والفاشية والامبريالية والحرب الباردة والدولة المركزية الصاعدة والزعيم الكاريزمي والبحث عن الهويّة. اليوم نحن في سياقٍ مختلف: عولمة قارية ، واقتصاد عالمي مترابط وثورة معلومات ، وانكشاف سرديات رسميّة وفوضى اعلامية وأجيال رقمية أقل خضوعًا لاحتكار الإعلام .. لكن مع كل هذا ، فان الأيديولوجيا لا تموت؛ هي تتحّول. قد تضعف كمنظومة شاملة تفسر كلّ شيء، لكنها تبقى كـ هويّة عاطفيّة أو ذاكرة جمعيّة أو عقيدة راسخة أو الدفاع عن زعيم سابق أو الحنين الى نظام شمولي لا يكون دائمًا دفاعًا عقلانيًا عن سياساته، بل غالبًا دفاعًا عن الشعور بالأمان وعن الكرامة الوطنية وعن مصالح محلية أو ذاتية وعن زمن كان مفهومًا وبسيطًا ، أو عن عشق تشكّل في سن مبكرة.

ثانيًا: هل نحن فعلًا في “زمن معرفة” لا “زمن أيديولوجيا”؟

صحيح ، نحنُ في زمن وفرة معلومات، نعم. لكن وفرة المعلومات لا تعني تحررًا من الأيديولوجيا أو انفصالاً عن العواطف السياسية بل أحيانًا تقوم وسائل التواصل باعادة إنتاج الأيديولوجيا بشكلٍ أسرع وأشدّ استقطابًا. المشكلة ليست في وجود أفكار كبرى ، بل في تحوّلها إلى يقين مغلق لا يقبل المراجعة. فنجد العالم كلّه قد انقطع عن المؤدلجات التي يعدها اليوم ماضوية رحلت في حين لم يزل التفكير العربي يعيش زمناً مختل التوازن ! هنا تبرز ضرورة التجديد الحضاري .

ثالثًا: لماذا يدافع البعض عن مستبدين لم يعيشوا زمنهم؟

هذا سؤال مهم جدًا أيضاً ينبغي أن يعالج في مجتمعاتنا. هناك عدّة دوافع نفسية واجتماعية كالحنين غير المعاش نحو ما أسمي بـ ” الزمن الجميل ” وبقاء الاعتزاز بصورة “الزعيم القوي” تُقدَّم لهم باعتباره زمن هيبة واستقرار أو بقاء ذكرى لمراهقة سياسية . وهو ردّ فعل على الفوضى الحالية حين يرى الشاب فشلًا أو حربًا أو انهيارًا أو فقراً مدقعاً أو فساداً طاغياً ، فهو يفضّل “قبضة قوية” على فراغ مخيف. فضلاً عن رواية انتقائية للتاريخ بالتركيز على الإنجازات والعنتريات والاشاعات مع تجاهل كلفة التفرّد والقمع والمعتقلات والحروب والرعب. ناهيكم عن البحث عن يقين . انّ الأيديولوجيا تمنح إجابات انشائية مترعة، وسرديات واضحة، ومنها رومانسية او خيالية ساذجة تستهويها المجتمعات المتوقّفة عن النمو في عالم معقّد ومتسارع جدّاً . أما ان كانت ضمن اسلام سياسي ، فهي تبيح المحظورات قبل الضرورات علناً ، فيزداد الفساد والتنازع بشكلٍ مقرف .

رابعًا: كيف تقنعهم بهدوء وشفافية؟

الإقناع هنا ليس معركة، بل عملية طويلة. تتبع منهجًا عمليًا: اذ لا تبدأ بنقد لاذع ولا بشتيمة الزعيم او الطاغية أو المستبد او الدكتاتور، بل يكون البدء بسؤال مبدئي، يقول : هل تقبل أن يكون الحاكم بلا مساءلة مهما كانت إنجازاته؟ ولابد من تحوّل النقاش من الأشخاص إلى المبادئ ، ثمّ افصل بين الإنجاز والشرعية .. وعن التوازن بين الأخطاء والمنجزات .. ومهما كان الإنجاز كبيراً ، فهل يبرّر إلغاء حريّة الناس؟ لابدّ من الموضوعية الّا في حالة واحدة تتمثّل بالاجرام بحقّ البشر.. وعلى المؤرخ ان لا يكون محامياً مدافعاً ولا مدّع عام بل عليه أن يستخدم معيارًا ثابتًا كالذي يستخدمه القضاة ، فالمؤرخ ليس برجل سياسة ، فلا يحقّ له أن يمدح أو يقدح أو أن يقبل أو يرفض ، ولكن عليه توضيح أن الحكم غير الخاضع للمساءلة ينتج فسادًا حتميًا. بمعنى أن المعالجة يجب أن تكون مؤسسّاتيًا لا عاطفيًا. وتكون جاداً بعيداً عن السخرية ، فالسخرية تعزّز التصلّب الدفاعي. والإنسان عندما يُهان يتمسّك بفكرته أكثر. وان يبقى الاعتراف بالمخاوف المشروعة ، فالناس تخشى من الفوضى والتقسيم والانهيار الاقتصادي، بل وتخشى من نفسها!

خامسًا: هل يمكن أن تختفي الأيديولوجيا تمامًا؟

الجواب : لا. لكن يمكن أن تتحوّل من عقيدة مغلقة إلى إطار فكري قابل للنقد. انّ القرن الحادي والعشرين ليس نهاية الأيديولوجيا، بل ستبقى مجتمعاتنا بالذات ميادين اختبار لقدرتنا على جعلها خاضعة للمساءلة. فالعربي ليس كما حال الاوربي في المانيا او ايطاليا أو اسبانيا ولا حتى في روسيا أو الشعب في الصين وتجارب آسيوية أخرى.. فان كانت الايديولوجيات فيها قد أستبدلت بالمعرفة وحلّت بدائل شتى في تلك المجتمعات ، فان مجتمعاتنا لم تزل في حالة اجترار ولم تحدث فيها أية قطيعة مع الماضويات كلّها . وبعد كلّ هذا وذاك أسأل : كل المؤدلجين نادوا بتحقيق العدالة والاشتراكية والاصلاح الزراعي والقضاء على الفقر ( والغلب) وتحقيق التنمية والتقدّم.. فما الذي تحقّق وبقي متطورا واستمر .. لماذا أخفقوا جميعاً في تحقيق مثالياتهم ؟

خلاصة فكرية

وعليه ، فان الدفاع عن مستبد ليس دائمًا حبًا للاستبداد، بل أحيانًا خوفًا من المجهول. أو حنيناً الى المصالح الذاتية والمكاسب المعنوية . ان أفضل طريقة للإقناع ليست تفكيك الماضي وشتمه فقط، بل مساءلته: كيف نضمن ألّا يتكرّر الخطأ أيًا كان اسم الحاكم أو شعاره؟ ولابدّ من صياغة ردودًا متزنة لكلّ حالة. هكذا عالج عددٌ كبير من المفكرين والعلماء والفلاسفة الاوربيين من الذين قادوا حملات شرسة وقويّة ضدّ العقائد السياسية والمؤدلجات الفاشية والنازيست والبلاشفة والدكتاتورية وخصوصا في المانيا وايطاليا وروسيا واسبانيا وفي معظم دول المنظومة الاشتراكية أما الصين ، فقد حّول الملايين من ثورتهم الثقافية المغلقة وتسبيحهم باسم ماوتسي تونغ الى قوى حيوية فاعلة في العالم .. فما الفرق بين اولئك وبين هؤلاء العرب ؟

دعونا نعالج ذلك في حلقة أخرى

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading