مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

1979: أخطر سنة في القرن العشرين السنة التي ولد في رحمها عالمنا المعاصر – سيار الجميل-كندا

صورة لرجل مبتسم يرتدي بدلة رسمية، مع خلفية تحتوي على رفوف كتب.

أولا : مقدمة : لماذا أخترت هذا المفصل التاريخي ؟
منذ أكثر من عشرين عامًا نشرت مقالًا ذهبت فيه إلى أن عام 1979 كان أخطر سنة في القرن العشرين. يوم ذاك، بدا هذا الحكم غريبًا لكثيرين، لأن الذاكرة الجماعية كانت تميل إلى منح هذا اللقب لسنوات الحروب الكبرى أو للسنوات التي شهدت سقوط إمبراطوريات وأنظمة عالمية. لكنني كنت أنظر إلى التاريخ من زاوية مختلفة. فليست كل السنوات الخطيرة صاخبة، وليست كل التحولات الكبرى تحدث تحت وقع المدافع. أحيانًا يتغير العالم بهدوء، ثم نكتشف بعد عقود أننا لم نعد نعيش في العالم نفسه. واليوم، وبعد ما يقرب من نصف قرن على أحداث 1979، تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى. وهو جواب لكل من سألني عن أسباب ما وصفت به 1979 كأخطر سنة في القرن العشرين وستبقى تداعياتها لزمن طويل قادم !
أزعم ان هذا الطرح مثير للاهتمام، فهو يرى أن عام 1979 كان سنة مفصلية أعادت تشكيل العالم الذي نعيش فيه اليوم. لكن من المهم عندي ان ثلاث سنوات فاصلة في القرن العشرين كانت الأكثر تأثيراً وتمييزاً ، هي 1919 و 1949 و 1979 وأرى أن 1979 أكثر تأثيرًا، وكانت بداية التحولات التي انفجرت نتائجها لاحقًا. ويمكن بالفعل بناء حجة قوية مفادها أن عام 1979 شهد تزامن عدد غير عادي من الأحداث التي غيرت اتجاهات السياسة والاقتصاد والثقافة والدين على مستوى العالم.
ان الكثير من الظواهر التي تحكم عالمنا الحالي، من صعود الإسلام السياسي إلى بروز الصين قوة عالمية، ومن العولمة الاقتصادية إلى التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ومن إعادة تشكيل الحرب الباردة إلى بدايات الإرهاب العابر للحدود، يمكن العثور على جذورها في تلك السنة الاستثنائية. لقد كانت 1979 أكثر من مجرد سنة في التقويم؛ كانت لحظة انعطاف تاريخي انكسر فيها عالم قديم وبدأ بالتشكل عالم جديد ما زلنا نعيش في ظله حتى اليوم. لكنني كنت أرى أن خطورة 1979 تختلف عن تلك السنوات جميعًا. فالحروب العالمية كانت انفجارات كبرى واضحة المعالم، أما سنة 1979 فقد كانت أشبه بزلزال صامت أعاد تشكيل العالم من جذوره. لقد شهد ذلك العام سلسلة متزامنة من الأحداث السياسية والدينية والاقتصادية والاستراتيجية التي لم تغير حاضر ذلك الزمن فحسب، بل رسمت ملامح العقود اللاحقة حتى يومنا هذا. إن العالم الذي نعرفه اليوم، بصعود الصين، وانتشار الإسلام السياسي، والعولمة الاقتصادية، والإرهاب العابر للحدود، وتحولات الشرق الأوسط، وتراجع دولة الرفاه في الغرب، بدأ يتشكل فعليًا في سنة واحدة هي سنة 1979.
ثانياً : احداث خطيرة عام 1979 غيّرت تاريخ العالم
1- الشرق الأوسط: بداية عصر جديد
كان الحدث الأبرز بلا شك هو الثورة الإيرانية التي أسقطت نظام الشاه وأوصلت آية الله الخميني إلى السلطة. لم تكن الثورة مجرد تغيير سياسي داخل دولة مهمة، بل كانت إعلانًا عن دخول الدين بقوة إلى قلب الصراع السياسي الحديث. لقد منحت الثورة الإيرانية دفعة هائلة لمختلف تيارات الإسلام السياسي، سواء المؤيدة للنموذج الإيراني أو المعارضة له. ومنذ ذلك التاريخ دخل العالم الإسلامي مرحلة جديدة أصبحت فيها الحركات الدينية لاعبًا أساسيًا في السياسة والمجتمع. وفي العام نفسه تم توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وهو حدث أحدث تحولًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا في المنطقة. فقد سقط أحد أكبر المحرمات السياسية في العالم العربي، وأصبح ما كان يُعد مستحيلًا قابلًا للتحقق. كما شهد العام نفسه وصول صدام حسين إلى السلطة في العراق، وتبع ذلك مشهد التصفيات الدموية الشهير داخل حزب البعث الحاكم ، معلنًا بداية مرحلة جديدة من الحكم الفردي المطلق ستقود لاحقًا إلى سلسلة من الحروب والكوارث الإقليمية. وانقسم الحزب الى بعثيين صامتين وبعثيين صداميين وفي نوفمبر من العام نفسه هز العالم الإسلامي حادث اقتحام الحرم المكي بقيادة جهيمان العتيبي وجماعته. وكانت تلك الحادثة صدمة كبرى دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الدينية والأمنية، وتركت آثارًا فكرية وسياسية لا تزال محل نقاش حتى اليوم. واندلعت في أفغانستان الشرارة التي غيرت العالم في ديسمبر 1979 اذ دخل الاتحاد السوفييتي أفغانستان، فبدأت واحدة من أهم الحروب في النصف الثاني من القرن العشرين. في ظاهر الأمر كان الأمر مجرد تدخل عسكري سوفييتي، لكنه تحول إلى نقطة تجمع لمقاتلين ومتطوعين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومن رحم تلك الحرب خرجت لاحقًا شبكات وتنظيمات لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل ظاهرة الإرهاب العالمي خلال العقود التالية. لقد كان الغزو السوفييتي لأفغانستان أحد أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ الحديث، ليس بسبب الحرب نفسها فحسب، بل بسبب النتائج غير المتوقعة التي ترتبت عليها.
2- الصين: نهاية الثورة وبداية القوة
في الجهة الأخرى من آسيا كانت الصين تدخل مرحلة جديدة بعد وفاة ماو تسي تونغ وصعود دينغ شياو بينغ. لقد شهد عام 1979 ترسخ سياسة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي التي نقلت الصين تدريجيًا من اقتصاد عقائدي مغلق إلى قوة اقتصادية عالمية جعلته تنيناً . ومن المفارقات أن هذا التحول، الذي بدا محدودًا في بدايته، هو الذي صنع لاحقًا أكبر منافس اقتصادي واستراتيجي للغرب في القرن الحادي والعشرين. كما شهد العام نفسه الحرب الصينية الفيتنامية التي كشفت حجم الانقسام داخل العالم الشيوعي وأظهرت أن الصراع الدولي لم يعد مجرد مواجهة بين الشرق والغرب.
3- اوروبا : ولادة النيوليبرالية
في بريطانيا وصلت مارغريت تاتشر إلى السلطة 1979 ، معلنة بداية تحول اقتصادي وفكري عميق. لقد دشنت تاتشر مرحلة جديدة تقوم على الخصخصة وتحرير الأسواق وتقليص دور الدولة. وسرعان ما انتقلت هذه الأفكار إلى الولايات المتحدة ثم إلى أجزاء واسعة من العالم. كان ذلك إيذانًا بولادة العولمة الاقتصادية بصيغتها الحديثة، وهي الظاهرة التي ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي والعلاقات الاجتماعية والثقافية خلال العقود التالية. أوروبا . إذا نظرنا إليها من زاوية أوسع، فإن سنة 1979 كانت سنة رمزية للغاية. ففيها جرت أول انتخابات مباشرة لـلبرلمان الآوربي European Parliament، وهي خطوة نحو الاتحاد الاوربي ، وأرى انها بداية أوروبا السياسية الحديثة.
4- أوروبا الشرقية: بداية سقوط الشيوعية
بينما كان الغرب يتحول اقتصاديًا، كانت أوروبا الشرقية تدخل مرحلة اهتزاز عميق. فقد أدت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى بولندا سنة 1979 نتائج خطيرة مذ أطلق موجة تعبئة شعبية هائلة وايقاظ شعور وطني وديني واسع مهد لاحقًا لظهور حركة تضامن Solidarity التي مثلت أول تحدٍ جماهيري حقيقي للمنظومة الشيوعية. ولهذا يرى بعض المؤرخين أن الطريق إلى سقوط جدار برلين عام 1989 بدأ فعليًا في بولندا سنة 1979. كانت أوروبا الشرقية تعيش أزمة شرعية متزايدة داخل الأنظمة الشيوعية.
5- أمريكا اللاتينية: اشتعال جبهة الحرب الباردة
في أمريكا الوسطى انتصرت الثورة الساندينية في نيكاراغوا وسقط نظام سوموزا، لتتحول المنطقة إلى إحدى ساحات الصراع الرئيسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وفي الوقت نفسه كانت أنظمة الحكم العسكرية وحملات القمع السياسي في أمريكا الجنوبية تبلغ ذروة نشاطها، مما جعل القارة إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا خلال تلك المرحلة.
6- أفريقيا: نهاية مرحلة وبداية أخرى
شهدت أفريقيا سقوط نظام عيدي أمين في أوغندا، بينما استمرت الصراعات المرتبطة بالحرب الباردة في أنغولا وموزمبيق وجنوب القارة. وكانت القارة بأكملها تدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بعد انتهاء موجة التحرر الوطني. وفي الجنوب الأفريقي استمرت المواجهة حول مستقبل زمبابوي Zimbabwe، التي كانت لا تزال تُعرف آنذاك باسم روديسيا، قبل استقلالها الرسمي عام 1980. كما كانت أنغولا وموزمبيق مسرحين لصراعات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
7- الشرق الأقصى وآسيا
إضافة إلى التحول الصيني الذي أشرت إليه، شهد عام 1979 حربًا قصيرة لكنها بالغة الدلالة بين الصين China وفيتنام Vietnam. . لقد أظهرت تلك الحرب أن العالم الشيوعي نفسه لم يكن كتلة واحدة كما كان يُعتقد، وأن الصراع السوفييتي الصيني بلغ مرحلة خطيرة. وفي جنوب شرق آسيا كانت تداعيات سقوط نظام Khmer Rouge ما تزال تتكشف، كاشفة واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في القرن العشرين.
8- نقطة غالبًا ما تتكتم عليها الولايات المتحدة : مؤشر آخر على التحول العالمي حتى خارج السياسة ظهرت إشارات إلى تغيرات عميقة. ففي الولايات المتحدة وقع في مارس 1979 حادث محطة ثري مايل آيلاند النووية، مما أثار مخاوف عالمية جديدة حول التكنولوجيا والطاقة النووية. كما شهد العالم أول انتخابات مباشرة للبرلمان الأوروبي، وهي خطوة مهمة في مسار بناء أوروبا الموحدة.
ثالثاً: ماذا كانت الحصيلة ؟ ولماذا كانت 1979 أخطر سنة؟
إن خطورة 1979 لا تكمن في عدد الضحايا أو حجم المعارك التي شهدتها، بل في كونها السنة التي تلاقت فيها أربعة تحولات كبرى في وقت واحد متمثلّة بـ : صعود الإسلام السياسي. وانطلاق العولمة والنيوليبرالية. وبداية صعود التنّين الصيني. والدخول في المرحلة الأخيرة والأكثر تعقيدًا من الحرب الباردة. لقد بدأت في تلك السنة عمليات تاريخية استمرت لعقود وغيرت وجه العالم كله.
أن عام 1979 كان سنة مفصلية أعادت تشكيل العالم الذي نعيش فيه اليوم. لكن من المهم التمييز بين الرأي التحليلي وبين الحكم التاريخي القاطع؛ بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على تلك الأحداث، يبدو أن كثيرًا من الأزمات والتحولات التي نعيشها اليوم تعود جذورها إلى سنة 1979. فمن أفغانستان خرجت ظواهر غيرت الأمن العالمي، ومن إيران انطلقت تحولات دينية وسياسية واسعة، ومن الصين بدأ الصعود الاقتصادي الأكبر في العصر الحديث، ومن بريطانيا انطلقت السياسات الاقتصادية التي أعادت تشكيل العالم. وعليه ، أقول : إذا أردت رأيي كمؤرخ افتراضي يتعامل مع الوقائع لا مع الأساطير، فإن ما يجعل 1979 سنة استثنائية ليس وجود حدث واحد ضخم، بل تزامن تحولات كبرى في جميع الاتجاهات:
1/ صعود الإسلام السياسي. الى الحكم لأول مرة في التاريخ .
2/صعود النيوليبرالية. وما قادت اليه من النتائج .
3/التحول الصيني. وكأنه تنين كان نائما وصحا .
4/اشتداد الحرب الباردة في أفغانستان وأمريكا الوسطى وأفريقيا.
5/ بداية تفكك الشرعية الشيوعية في أوروبا الشرقية قاد الى سقوط المنظومة الاشتراكية .
6/ إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط وصنع الحروب والحصارات وجنون الدكتاتوريات .
ولهذا يمكن وصف 1979 بأنها السنة التي وُلد فيها العالم الذي عرفناه بين 1979 -2009. فالكثير من أحداث العقود اللاحقة – من العولمة إلى الإرهاب العابر للحدود، ومن صعود الصين إلى انهيار الاتحاد السوفييتي – يمكن تتبع جذورها، بصورة أو بأخرى، إلى تلك السنة المفصلية.
لهذا السبب ما زلت أعتقد أن سنة 1979 تستحق وصف “أخطر سنة في القرن العشرين”. لم تكن سنة حرب عالمية، ولم تشهد انهيار إمبراطوريات كبرى، لكنها كانت السنة التي تغير فيها اتجاه التاريخ، وولد فيها العالم الذي ما زلنا نعيش داخل نتائجه حتى اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading