مصرع الوالي :ألبارو موتيس – ترجمة وضاح محمود*

يُعتبر ألبارو موتيس (1923-2013) أحد ألمع أدباء كولومبيا وأميركا اللاتينيّة في العقود الماضية الأخيرة. كتب الشعر أساسًا ثمّ القصّة القصيرة فالرواية والمقال أيضا، وفي جميعها تميّز بلغته الثرّة وأسلوبه الفريد، الذي يعكس تعمّقه في خبايا نفس الإنسان، وتبحّره في معرفة الثقافات على اختلافها.
عاش طفولته في بروكسل وتلقّى تعليمه الابتدائيّ فيها، حيث كان والده يعمل دبلوماسيّا في سفارة بلده كولومبيا. ثم عاد مع العائلة إلى بوغوتا، فتزوّج في سنّ مبكّرة، إذ كان ابن ثمانية عشر عامًا، ولم يكمل دراسته “لتأفّفه من الكتب المدرسيّة ولكثرة الكتب الأخرى التي كان عليه أن يقرأها”. بدأ العمل في الإذاعة وهو شابّ في قسم البرامج الثقافية، ثم نشر في العام 1947 ديوانه الشعري الأول بعنوان “الميزان”، وفيه تبدو ملامح تأثّره بالمدرسة السرياليّة. بعد ذلك انضم إلى شعراء مجلة “ميتو” الطليعيّة التي كانت تُعنى بقضايا الحداثة الشعريّة في كولومبيا، ثمّ تابع نشر دواوينه التي نذكر منها ديوان “عناصر الكارثة” المنشور في العام 1953، وقد ظهرت فيه لأول مرة شخصية “مَكْرول الغابييرو”، وهي شخصية مغامرة، حالمة، قلقة، ابتدعها موتيس وهو شاب فرافقته مدى حياته، وتطوّرت بتطوّرها. وندر أن كتب كتابًا سواء أكان شعرًا أم سردًا من دون الإشارة إلى “مَكْرول”. ثم توالت دواوينه الشعرية وقصصه ورواياته إلى أن نشر في العام 1983 الجزء الأول من سباعيّته الشهيرة التي كرّسته روائيا رفيعًا في عالم اللغة الإسبانية كما في غيره، وكانت بعنوان “مغامرات مَكْرول الغابييرو والشدائد التي ألمَّت به”. وهي رواية أشبه بالملاحم العظيمة التي يصارع فيها البطل الأقدار لاهثًا وراء أحلامه في المجد والحبّ والثراء.
عُرف موتيس بصداقته العميقة لغابريال غارسيّا ماركيز، بل وبتأثيره عليه في الكثير من رواياته التي كتبها، بما فيها “مائة عام من العزلة”، إذ لم يكن ماركيز ينشر رواية من دون أن يُطْلِعَ موتيس على مسودتها، ثم يعدّل فيها بناء على ملاحظاته. ولقد شكّلا معًا ثنائيًّا فريدًا في عالم الأدب اللاتينيّ. تميّز موتيس أيضًا بنهمه للقراءة وحبّه للأسفار والتعرّف على الثقافات الأخرى، حتى إنّه “جاب الكرة الأرضيّة سبع عشرة مرّة” على حدّ تعبير ماركيز. عُرف عنه أيضا تعدّد المهن والأعمال التي عملها في حياته كي يكسب رزقه، وكان منها عمله في إحدى شركات النفط في المكسيك، وهي تجربة أودت به إلى السجن بتهمة الاختلاس. كما تميّز أيضًا بالطرافة وحدّة المزاج التي قادته إلى آراء مثيرة للاهتمام، مثل استنكاره وصف الأدب اللاتينيّ بالواقعيّة السحريّة، واتّهامه الصحافة الفرنسيّة باختلاق التسمية، كنوع من تصنيف الرجل الأبيض لما عداه من الملوّنين.
تُرجمت أعماله الشعرية والروائية إلى الإنكليزية والفرنسية وغيرهما، ونال العديد من الأوسمة والجوائز في بلده وخارجه أيضا، وكان أرفعها جائزة “ثربانتس” الإسبانيّة في العام 2001، وجائزة “جوقة الشرف” من فرنسا في العام 2003. توفيّ في العام 2013 في مدينة مكسيكو التي عاش فيها أكثر من خمسين عاما.
من مجموعته القصصيّة التي تحمل عنوان “حكايات البرّ والبحر”، الصادرة في العام 1990، اخترنا لقراء مجلتنا الغرّاء قصة “تاريخيّة” تدور أحداثها في النصف الثاني من القرن الثامن الميلاديّ في إحدى الولايات البيزنطيّة، المتاخمة لأراضي الإمبراطورية الإسلامية في سوريا، وفيها يقصّ موتيس حياة الوالي، “ألار الأليريّ”، بنجاحاته وإخفاقاته والصراعات التي عاشها في ذلك العالم البيزنطيّ المضطرب.
***
حينما أُثيرت في مَجْمَع نيقية المسكونيّ مسألة تكريس مجموعة من المسيحيّين الذين استشهدوا على أيدي الأتراك في كمين نصبوه لهم في رمال البادية السوريّة، استرعت انتباه الكنيسة بعض الوقائع المتعلّقة بحياة ألار الأليري ومماته، يومَ كان واليًا على ولاية ليكاندوس في زمن الإمبراطورة إيرينا. في البداية كان اسم ألار يُدرج مع أولئك المسيحيّين الذين استشهدوا في سبيل دينهم. ولم يكن أحد يشكّ في أمره إلى أن جاء بطرك لاكونيا، نيسيفورو كاليتسيس، وكشف حقيقته، وذلك بعد أن تفحّص بعض الوثائق المتعلّقة به وبعائلته، وهي وثائق أتت بمعلومات جديدة عن حياته، فأبعدت كلّ احتمال في تنصيبه على عرش المذابح الكنسيّة. وأخيرًا لمّا اطّلع المجمع على رسائل ألار إلى شقيقه أندرونيكو، فرضت الكنيسة الصمت المطبق حوله، فعاد اسمه إلى عالم النسيان الذي أجارته منه في الأمس الكنيسة الشرقية، مدفوعةً بمطامحها السياسيّة.
كان ألارُ ابنًا لأحد كبار موظّفي البلاط الذين نالوا حظوة الإمبراطور، في زمن حرب الأيقونات الدينيّة، ولقد كُنّيَ بالأليريّ لتميّزه بعينيه اللوزيّتين الغائرتين. بيد أنّ رجل البلاط الحاذق لم ينشغل كثيرًا في تربية ابنه، بل تدبّر أمره بأن أرسله إلى اليونان كي يتلقّى تعليمه في أثينا، على يد آخر أساتذة الأفلاطونيّة المحدثة. وهناك، في صخب المدينة الآفلة النجم، أضاع ألار آخر أثر تبقّى فيه من إيمانه بالمسيح، هذا إن كان ذلك الإيمان قد عرف الطريق إلى قلبه ذات يوم. وكذلك كان الأب، إذ لم يتميّز يومًا بتقواه، وما المكانة الرفيعة التي حظي بها في البلاط غير ثمرة لاتّساع معين دهائه الدبلوماسي الذي لا ينضب، أكثر منه لحماسته الدينيّة. إلّا أنّ الأب لم يستطع أن يغالب دهشته لدى عودة ابنه من أثينا، إذ رأى إهماله واستخفافه عندما يتطرّق إلى شؤون الكنيسة. ومع أن الإمبراطوريّة في ذلك الوقت كانت تعيش أدمى اللحظات في تعقّب مبجّلي الأيقونات، فإن قصر الماغنورا الإمبراطوري ما انفك يحفل بالمزالق اللاهوتيّة والشعائريّة القاتلة. فبعض الناس الأرفع مقامًا من ألار، والأقرب إلى الإمبراطور منه، سُملت أعينهم أحيانًا، أو فقدوا حياتهم في أحايين كثيرة، لتفوّههم بجملة بسيطة غير ملائمة، أو لسلوكهم سلوكًا غير محتشم في المعبد.
لجأ والد ألار إلى أعذار متقنة، وأفلح في إقناع الإمبراطور بضمّ الصبيّ إلى جيشه، فعُيِّنَ قائدًا لأحد الأفواج المرابطة في ميناء بيلاغوس. وهناك بدأت المسيرة العسكريّة لوالي الغد. لم يكن ألار يتمتّع حقًّا بتلك الميّزات التي يتميّز بها العسكر. فشكّه في جدوى الزهو بالانتصارات، وإغفاله التام للعواقب الوخيمة للانكسارات، جعلا منه جنديًّا متواضعًا. غير أنّه لم يبزّه أحد سوى القلائل في تعامله الإنساني مع الجنود، وفي نيل محبّتهم الصادقة وكسب قلوبهم. ففي أسوا لحظات المعركة، وعندما تلوح الهزيمة في الأفق، كان جنوده يلجؤون إليه كي يتأمّلوه وهو يقاتل بدم بارد وعلى شفتيه ابتسامة مريرة. وكان ذلك يكفيهم كي تعود إليهم الثقة بأنفسهم، فيعود معها الانتصار.
لقد تعلَّم بسهولة لسان السوريّين والأرمن والعرب، وكان يتحدّث بطلاقة اليونانيّة واللاتينيّة إضافة إلى اللاتينيّة العامّيّة. أمّا تقاريره المكتوبة عن حملاته العسكريّة فلقد أكسبته بعض الشهرة بين كبار الضباط نظرًا لوضوح أسلوبه وأناقته. وعند وفاة قسطنطين الرابع، كان ألار قد بلغ رتبة جنرال وصار قائدًا لحامية قبرص. لقد أتاحت له مسيرته العسكريّة، بعيدًا عن دسائس البلاط المفزعة، بأن يظلّ في منأى عن الصراعات الدينيّة التي ولّدتِ القمع الدمويّ الشديد في إمبراطوريّة الشرق. وذات يوم ذهب الإمبراطور ليون إلى بافوس في رحلة، وذلك بصحبة زوجته الجميلة إيرينا. وهناك أقام ألار للزوجين الشابّين حفل استقبال، تمكّن خلاله من كسب ودّهما، وهما الحاكمان المطلقان الجديدان، وكان أكثر ما كسبَ ودّ الزوجة، الأثينيّة المستبصرة، إذ تأثّرت بحرارة الاستقبال وأحسّت بصدقه، وأُعجِبَتْ بتبحّر الجنرال في الثقافة اليونانية القديمة وشؤونها. وكذلك كانت حال الإمبراطور، فلقد سرّ أيّما سرور بتعرّفه على ألار، ومال قلبه إليه لحسن معشره وبساطته، ولحسّ السخرية الذي يميّزه، وبه يتملّص من أشدّ المواقف السياسيّة والدينيّة إحراجًا.
في ذلك الحين كان ألار قد بلغ الثلاثين من العمر، فبدا ممشوق القامة، فيه بعض الميل إلى النعومة، فاتر الخطوات، ذا عينين ناعستين هازئتين، لا تفصحان عمّا يدور في دخيلته إلّا باحتراز. لم يلقَهُ أحد مرّةً إلّا ورأى على محيّاه ملامح الودّ الذي غالبا ما كان بيّنا وجليّا مثل ودّ العسكر. كان يمضي أيّامًا كاملةً مستغرقًا في المطالعة، محبّذًا قراءة الشعر اللاتينيّ، فيصحبه فيرجيليو وهوراسيو وكاتولو في حلّه وفي ترحاله. أمَّا مظهره فلقد كان يوليه عناية فائقة، لكنّه لم يكن يلبس الزيّ الرسميّ إلّا في بعض المناسبات. تُوفّي والده متربّعا على قمّة مجده السياسيّ، فورث المجد عنه شقيقه الأصغر أندرونيكو الذي يرتبط به برباط خاصّ من المودّة والصداقة العميقة. وقبل أن يتوفى عجوز البلاط، كان قد طلب إلى ألار أن يتزوّج من صبيّة تنتمي إلى البرجوازيّة الرفيعة في بيزنطة، وهي ابنة أحد أصدقاء العائلة القدامى. وبالفعل اتّخذ ألار من الصبيّة زوجة له، نزولًا عند رغبة والده الراحل، لكنّه عرف دوما كيف يعيش بعيدًا عن منزل الزوجيّة، من دون أن يقطع نهائيًّا مع تقاليد الكنيسة وتعاليمها. من جهة أخرى، لم يُعرف عنه انغماسه في العلاقات الغراميّة والفضائح الشائعة في أوساط كبار المسؤولين في الإمبراطوريّة. ولم يكن ذلك لبرود يعتريه أو لإهمال منه، بل لميل يأخذه إلى التفكّر والحلم، تولّد فيه منذ يفاعته من تشكّكه في أهواء الإنسان وتكلّفه. كان يروق له التردّد على الأماكن التي تشهد أوابدها على العبث الكامن وراء محاولة الإنسان تخليد أفعاله. ومن هنا أتاه الشغف بأثينا، والإعجاب بقبرص، وحبّ تجريد الحملات العسكرية المغامرة صوب الرمال الراقدة حول هليوبوليس وطيبة.
حينما عيّنت الإمبراطورةُ ألارَ قنصلًا وأرسلتْه إلى سرقوسة في سفارة لترتيب زواج ابنها الشاب قسطنطين من إحدى أميرات صقلّية، طال مكوثه هناك أكثر من اللازم لإنهاء مهمَّته. ثمَّ اختفى بعد ذلك في تاورومينيوم، فسعى وراءه ضبّاطه المقرّبون كي يبلّغوه أوامر الإمبراطورة القاطعة بأن يسرع في المثول أمامها من دون إبطاء. ولمّا عاد ودخل قاعة الدلافين في القصر، بعد رحلة طالت أكثر مما ينبغي، بسبب زياراته للموانئ الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، وتردده على خلجان الساحل الأفريقي التي تحتضن آثارًا رومانيّة وفينيقيّة، كان صبر الإمبراطورة قد نفد بالكامل.
-إن سوء استثمارك لوقت الإمبراطور يعرّضك لأشد أنواع العقوبات –قالت له موبّخة- ما عذرك في الـتأخّر؟ أم أنّك نسيت لِمَ أرسلناك إلى صقلّية؟ أتجهل أنّك قنصل للإمبراطور؟ ومن قال لك، يا ابن السماء، أنّ هذا الوقت ملكك وبوسعك أن تستمتع به كما تشاء وأنت في مهمّة لصالح أسيادك؟ أجِبْني ولا تحدّق في الفراغ، وامسحْ عن شفتيك هذه الابتسامة الصفيقة، فليس هذا وقت الابتسام، وأنا لستُ بمزاج يمكّنني من تحمّل أطوارك الغريبة.
-مولاتي، يا ابنة الأباطرة، يا من باركتها العذراء، يا نور الأناجيل –أجابها الأليري بثبات-، لقد توقّفتُ في رحلتي لبعض الوقت باحثًا عن آثار عوليس العظيم، مستقصيًا عن سرّ دهائه. غير أنّ هذا الوقت لم يضِعْ سدًى على الإمبراطورية، ولم يُنْفَق إلّا في خدمة مآربكم الجليلة. لقد ارتأيت أنَّه لا يليق بمكانة ابنكم، ابن أباطرة الشرق، أن يتزوَّج زواجًا غير متكافئ بكلّ المقاييس. من جهة أخرى، لم يبدُ لي مناسبًا أن أبعث إليكم رسولًا يخبركم بالأسباب التي منعتني من التفاوض مع أمراء صقلّية، أو أن أكتب إليكم رسالة عنها. لقد علمتُ أنَّ ابنتهم مخطوبة إلى وليّ عهد أمير الأراغون بموجب اتّفاق سريّ بينهم، وهم لم يعربوا عن اهتمامهم بتزويجها لابنكم إلّا لغرض تحسين شروط العقد مع وليّ العهد. وهكذا حيال عدم اهتمامي الواضح في التفاوض معهم، كشفوا أوراقهم من تلقاء أنفسهم. أما عن عودتي، يا من اصطفاها الربّ لنا، فلقد رافقتْها فعلًا بعض العراقيل التي لم ترتقِ همّتي في تذليلها إلى مستوى رغبتي في المثول بين يديكم.
ومع أن الإمبراطورة إيرينا لم تقتنع كثيرا بحجج ألار الخادعة، فلقد أوشك غضبها أن يتلاشى تماما. وتحذيرًا له، كي لا يرتكب أخطاء جديدة في المرّات القادمة، أُرسلَ إلى بلغاريا، وكُلّفَ بتجنيد عساكر مرتزقة فيها.
وهناك في غبار الحامية العسكرية التي تقع في بلد لم يكن ألار يحبّه، عانى أّوّل المتغيّرات التي ستبدّل شخصيّته. صار يميل إلى الصمت، ثمّ فقد مزاجه الطيّب الذي كان يتحلّى به دائمًا، ويُكْسِبُه الكثير من الأصدقاء المخلصين بين رفاق السلاح، وحتّى في البلاط. غير أنَّ ذلك لا يعني أنَّه صار سريع الغضب أو أنَّه فقد فضيلته المميّزة في معاملة كلِّ فرد معاملة ودّيّة صادقة، لا يتحلّى بها إلّا من يعرف الناس حقّ المعرفة. بل صار كثير الشرود، يحدِّق بناظريه في الفراغ، وكأنَّه ينتظر منه أجوبة على بلاء بدأ يفعل فعله في نفسه. حتّى إن لباسه صار أبسط وحياته أكثر تقشفًا وصرامة.
في بداية الأمر لم يلحظ تغيّره إلّا أقرب المقرّبين إليه؛ أمّا في عموم الجيش والبلاط فما برح يحظى باستحسان من يقرّون له بالصداقة ويكنّون له الإعجاب. كان لدى ألار صديق قديم اسمه أندريس، وهو رئيس لأحد الأديرة البيزنطيّة، وعالم فطن في الديانات الشرقيّة. في إحدى الرسائل التي كتبها رجل الدين المبجّل هذا إلى أندرونيكو، بغرض إخباره عن لقاء جرى مع أخيه الأليري، يَذكرُ وقائعَ عنه وأقوالًا له، ساهمت كثيرًا في إجهاض مشروع تكريسه الكنسيّ. تقول الرسالة، من جملة أشياء أخرى:
لاقيت الجنرال في قرية من قرى جزيرة كريت اسمها زاروس، وكان قد اشترى أوائل المرتزقة وبدأ ينهمك في تدريبهم. لم أعثر عليه في المدينة ولا في الثكنات، بل في خيمة نصبها خارج القرية، على ضفّة أحد الجداول، وسط بستان مليء بأشجار البرتقال التي يحبُّ رائحة أزهارها ويفضّلها على غيرها. استقبلني بودّه المعتاد، لكنّني لاحظت أنّه شارد الذهن ومشتّت قليلا. ثمّة شيء في نظراته جعلني أحسّ إحساسًا مبهمًا بالذنب وعدم الأمان. نظر إليّ لحظة وهو صامت ثم نطق، وعوضًا عن أن يسألني عنك وعن العائلة وعن شؤون البلاط، باغتني قائلا:
-أيّ إله ذاك الذي يُجَرْجِرُكَ إلى المعابد، يا أبانا المبجّل؟ أي إله هو من بين الآلهة؟ أخبرني.
-لم أفهم سؤالك –أجبتُه.
فما كان منه إلّا أن تجاهل ردّي وبدأ يعرض عليَّ مسائل غايةً في التنوّع والغرابة، تتعلّق بديانة الفرس وطائفة البراهمانيّين، وذلك مسألة تلو الأخرى. في بداية الأمر ظننتُ أنّه مريض ومحموم. ثمّ أدركتُ أنّه يقاسي كثيرًا وأنّ الشكوك تنهش لحمه كأنّها كلاب شرسة. وبينما كنت أشرح له بعض الخطوات التي تقود إلى الإحساس بالكمال أو النرفانا لدى الهندوس، انبرى لي صارخا:
-وهذه الطريق أيضا ليست بالطريق. لقد أُسْقِطَ في يدنا وليس هناك ما يمكننا فعله أبدا! ومن العبث أن نحاول أصلًا، فنحن في شرك رهيب.
استلقى على فراشه المصنوع من الفراء، حيث ينام عادة، ثم عاد ليغرق في الصمت بعد أن غطّى وجهه بيديه كلتيهما. وفي نهاية المطاف اعتذر منّي قائلًا:
-المعذرة يا أبانا المبجّل. فمنذ شهرين وأنا أَسْتَفُّ الغبار الأمغر في هذه الديار المسمّاة بداسيا، وأسمع لغة أهلها البرابرة الشبيهة بالصراخ، ولذا يشقّ عليّ أن أضبط نفسي. اِعذرني وتابعْ شرحك فإنّه مشوّق حقًّا.
تابعت عرضي للموضوع، لكنّي كنت قد فقدت حماسي له، فردُّ فعلِ أخيك كان يشغلني أكثر. بدأت أدرك مدى عمق الأزمة التي يمرّ بها. أنت تعلم جيّدًا، باعتبارك أخًا للجنرال وصديقًا عزيزًا له، أنّه لا يؤدّي واجباته الدينيّة إلّا شكليًّا، ولا يتمّها إلّا تقيّدًا بالنظام الذي يرغمه على أن يكون قدوة لجنوده. أمّا خروجه عن كنيستنا ورفضه لكلِّ المعتقدات الدينيّة الأخرى، فهو أمر لم يعد خافيًا على أحد. ولأنّني أعرف ذكاءه جيّدًا وسبق لنا أن تحدَّثنا عن ذلك في مناسبات كثيرة، فأنا لا أحاول أبدًا أن أثنيه عن قناعاته. لكنّ ما أخشاه فعلًا هو أن يتمكّن سيّدنا البطرك، ميغيل لاكاديانوس، من الوقوف على حقيقة الأليري بالتفصيل، ويستخدمها سلاحًا ضدّه لدى إمبراطورتنا الحبيبة، فهو صاحب نفوذ كبير لديها الآن، وفوق ذلك لم يكن يومًا يتمنّى الخير لعائلتكم. وقبل أن أتطرّق إلى مواضيع أخرى بعيدة عن هموم الجنرال، أودّ أن أروي لك كيف كان ختام لقائنا. تفحّصنا عددًا من الأوجه المشتركة بين بعض الهرطقات المسيحيّة وديانات الشرق، وخضنا فيها مطوّلًا. وحينما بدا أن الجنرال نسي تمامًا فورته الأخيرة، وتطرَّقنا للحديث عن أسرار إليوسيس، بدأ يتحدّث إلى نفسه أكثر ممّا يتحدّث إليَّ، مطلقًا العنان لشغفه بالحضارة اليونانية القديمة. وأنت تعرف جيّدا مدى تبحرّه في هذا المضمار. فجأة توقّف عن الكلام ونظر إليّ كأنّه استفاق من الحلم، فقال وهو يداعب القناع الجنائزيّ الذي أرسلتَه أنت إليه من كريت:
-أجل، هؤلاء عرفوا طريقهم ووجدوها. فعندما خلقوا آلهتهم على صورتهم وسوّوها على شاكلتهم، سَمَوا بانسجامهم الداخليّ، الخالد، الذي تنبع منه الحقيقة والجمال. لقد آمنوا به وقدّموه على كلّ ما عداه، ومن أجله قدّموا القرابين وعبدوه. وهذا ما أدخلهم إلى عالم الخلود. سوف تفنى كلّ الشعوب والأعراق ويبقى اليونانيون القدماء من بعدهم أحياء، لأنّهم عرفوا كيف يستخرجون من الإنسان ذاته كلّ القوى التي تقهر العدم. وهذا أقصى ما بوسع المرء أن يفعله. ليس ذلك بالقليل، لكنّه يكاد يستحيل تحقّقه اليوم، فلقد تغلغلت خميرة الدمار الملتاثة إلى أعماقنا. لقد ضحّى بنا المسيح على صليبه، وبوذا في نكرانه للذات، ومحمّد في ثورانه. وها نحن على طريق الفناء. لا أعتقد أنّني أفصح عن أفكاري بوضوح. لكنّني أحسّ أنّنا تائهون، وأنّنا تسبّبنا لأنفسنا بآفة الوقوع في فخّ العدم، التي لا سبيل إلى إصلاحها. لم نعد نساوي شيئًا ولم يعد بوسعنا فعل أيّ شيء، ولا أحد يستطيع إنقاذنا ممّا نحن فيه.
عانقني بحرارة، ثمّ توقّف عن الكلام وفتح كتابًا بين يديه واستغرق يقرأ فيه. وعندما غادرت المكان، كنت على يقين أن أعزّ أصدقائنا، أخاك الحبيب، قد بدأ يسير على الدرب الخطرة، وذات العواقب الوخيمة، المتمثّلة في الإنكار الذي لا حدود له.
لا شكّ في أنّ قلق رئيس الدير له ما يسوّغه. ففي البلاط تختلط الأهواء السياسيّة بالمعتقدات الدينيّة اختلاطًا مريعًا. وإيرينا كانت تتهاوى كلَّ يوم، أكثر فأكثر، إلى قاع التشدّد الدينيّ الذي قادها إلى تصرّفات غير معقولة، مثل إصدارها الأوامر بسَمْلِ عيني ابنها قسطنطين، وذلك لبعض الشكّ في تعاطفه مع مبجّلي الأيقونات. ولو أنّ كلمات ألار ذُكرت في البلاط، لكان موته محتّما. إلّا أنّ الأليريّ كان شديد الحذر، ولا يجاهر بأفكاره التي تشكّل شغله الشاغل، حتّى بين أقرب المقرَّبين إليه. كان شقيق ألار ماهرًا في تبديد الشكوك والمخاطر، فأفلح بعد انقضاء فترة الإبعاد إلى بلغاريا، في ترقيته إلى أرفع منصب عسكريّ في الإمبراطوريّة، وهو منصب الوالي، ممثّل الإمبراطور المباشر في الولايات ومبعوثه الشخصيّ إليها. ولم يلقَ تعيين ألار في هذا المنصب أيّ معارضة من الأحزاب المتصارعة على السلطة، لأنّ كلّ حزب كان موقنًا أنّه لا يمكن الاعتماد عليه في تحقيق مآرب سياسيّة، ويواسي نفسه بأنّ خصومه لن يعوّلوا عليه أيضا. أمّا الأباطرة فيعلمون أنَّ سلاح الإمبراطوريّة باقٍ في أيدٍ أمينة ولن ينقلب عليهم أبدًا، لثقتهم المؤكّدة من نفور الأليريّ من السلطة السياسيّة والطموح الشخصيّ، وبُعده عن كل ما يتعلّق بهما.
توجّه ألار إلى القسطنطينيّة كي يتقلّد المنصب على أيدي الأباطرة. وهناك في كاتدرائيّة آيا صوفيا خلع عليه الإمبراطور رموز منصبه الجديد وأوسمته، وسلّمته الإمبراطورة نسر الولاة الذي باركه البطرك ميغيل ثلاث مرّات. وعندما وقف الإمبراطور ليون يصغي إلى الوالي الجديد وهو يقسم أمامه قسم الولاء، اغرورقت عيناه بالدموع. وفيما بعد استشهد الكثيرون بهذه الواقعة على أنها كانت نذيرًا بالنهاية المحزنة لألار، وكذلك بنهاية الإمبراطور التي لم تقلّ عن نهاية ألار في تراجيديّتها. والحقّ أنّ الإمبراطور تأثّر بتواضع صديقه القديم، بل بزهده الذي كاد أن يكون كزهد الرهبان، أثناء تلقّيه أرفع دلائل الثقة الإمبراطورية وأوسع تفويض في السلطة يمكن لمواطن بيزنطيّ أن يتلقّاه، بعد رداء الإمبراطور الأرجوانيّ.
وفي قصر اهْيِرْيا، على مقربة من بيزنطة، أقيمت مأدبة عامرة للمناسبة، لم يتملّق الوالي الجديدُ الإمبراطورَ خلالها، ولم يشكره على الشرف العظيم الذي منحه إيّاه، بل استغرق في حديث ودّي مطوّل معه حول بعض النصوص القديمة التي عَثَرَ عليها الرهبان في جزيرة برينكوبو، وتُنسب إلى لوكريسيو. قاطعت إيرينا الحديث الشيّق عدة مرات، وفي إحداها أشاعت صمتًا مخيفًا بين الحاضرين، وكان ردّ الوالي عليها لا يُنسى.
-أنا على يقين –قالت الإمبراطورة- أنَّ والينا الجديد يفكّر في نصوص الوثنيّ لوكريسيو أكثر ممّا يفكّر في القربان المقدّس الذي يحتفل به بطركنا من أجل خلاص نفسه.
-والحقّ أقول يا مولاتي –أجاب ألار- أنّني كنت منشغلًا كثيرًا خلال القدّاس الإلهي بالنصّ المنسوب إلى لوكريسيو، لكنّ انشغالي به كان على وجه التحديد بسبب التشابه القائم بين بعض مقاطعه ومقاطع من نصوصنا المقدّسة. لا يفتقر نصّ لوكريسيو اللاتينيّ إلّا إلى الكلمة، فهي التي تمنح الأشياء حقيقتها الأبديّة فعلًا. ما عدا ذلك، فإنّ النص يمكن أن يُنسب بسهولة إلى دانيال النبيّ أو إلى بولس الرسول في رسائله.
أَثلجتْ إجابة ألار صدور الحاضرين جميعًا، وأُسْقِطَ في يد إيرينا التي لم تطرح السؤال إلّا بتحريضٍ لا يستهان به من البطرك ميغيل. إلا أنّ الوالي أدرك أنّ صديقته هَوَتْ، إلى غير رَجْعة، في مستنقع التعصّب الأعمى الذي سيقودها إلى إراقة دماء كثيرة، وذلك بدءًا بدماء أهل بيتها.
وبذا يبلغ الخاتمة ما يمكن أن نسمّيه الحياة العامّة لألار الأليري، إذ كانت تلك المرّة آخر مرّة يزور فيها بيزنطة. وبعدها مكث حتّى مماته في ولاية ليكاندوس، الواقعة على الحدود السورية، حيث لا تزال آثاره شاهدة على إدارته للحكم إدارة فعّالة نشطة. فلقد شيّد هناك عدّة قلاع لتكون مراكز متقدّمة وسدودًا منيعة في وجه غزوات المسلمين، وكان يتفقدّها دائمًا فيزورها واحدة تلو الأخرى، مهما كانت بائسة ومهما بَعُدت وصَعُب الوصول إليها على الصخور الجرداء أو على الرمال الحارقة في الصحراء.
وفي ولايته عاش حياة بسيطة مثل أيّ جنديّ عاديّ، يعاونه أناس ثِقات، وبعض الفرسان المقدونيّين، وعجوز يونانيّ من دوريا يتقن فنّ الخطابة، أحسّ تجاهه بمودّة خاصّة مع أنّه لم يكن يتمتّع بمواهب كبيرة ولا بثقافة مميّزة. وإضافة إلى هؤلاء كان لديه شاعر، هو مغنٍّ جوّال أيضًا، التقى به أثناء زيارته إلى صقلّية، ثمّ حرّاسه الخزريّون المخلصون الذين كان يجنّدهم من بلغاريا ولا يسمعون كلمة غير كلمته. أما أناقة ملبسه المعهودة فلقد أخذت تتبدّل وتنحو نحو البساطة، وصار يرتدي دائمًا بذلة عسكريّة متواضعة، يزيّنها في أيّام الاستعراض بنسر الولاة الذي باركه البطرك. وفي خيمته كانت ترافقه بعض الكتب دائمًا، لا سيّما كتب هوراسيو التي لا تفارقه أبدًا، وإضافة إلى ذلك كان بجانبه دومًا القناع الجنائزيّ الكريتيّ الذي أهداه إيّاه شقيقه، وكذلك تمثال صغير الحجم لهرمس مثلّث العَظَمَة، احتفظ به تذكارًا من صديقة مالطيّة تدير أحد بيوت المتعة في قبرص. ولقد اعتاد أصدقاؤه المقرّبون على صمته الطويل وشروده الغريب، وألِفوا حزنه الشديد الذي يرتسم على محيّاه كلّ مساء.
كان التباين جليًّا بين أسلوب الأليريّ في العيش وأسلوب بقيّة ولاة الإمبراطوريّة، إذ ابتنى هؤلاء لأنفسهم القصور الفخمة واستقرّوا فيها، وخلعوا على أنفسهم الألقاب مثل: “سيف الرسل” و”حارس أمّ الله” و”مُختار المسيح”. كما كانوا يتباهون بسلطتهم أيّما مباهاة، ويعيشون في ترف وبذخ فاضحين، ويشاركون الإمبراطور ذلك التكبّر المتفاخر، وتلك الأبّهة المتغطرسة التي تولّد في نفوس رعايا الولايات النائية، المتروكة لعسف الولاة، إحساسًا بالتبجيل والاحترام الذي يحفل بالكثير من الخضوع الدينيّ. كانت حالة ألار الأليريّ فريدة في ذلك العصر، وقدّمت مثالًا حذا حذوه فيما بعد أباطرة سلالة كومنينا الحكماء، وكان لذلك نتائج سياسيّة عظيمة. كان ألار يعيش بين جنوده ويخالطهم. وفي حملاته لم يكن يصطحب معه إلا حرّاسه الخزريّون وفوج الفرسان المقدونيّين، فيجوب بهم حدود ولايته المحاذية لمناطق نفوذ أحمد قابيل، ذلك الملك السوريّ الصغير النّهم، الذي لا يكلّ ولا يملّ ويعيش على الغنائم التي يغنمها في غزواته على ضِياع الإمبراطوريّة. في بعض الأحيان كان قابيل يتحالف مع الأتراك ضدّ بيزنطة؛ وفي أحيان أخرى كان الأتراك يتخلّون عنه ويوقّعون معاهدات السلام مع الإمبراطور، بعد أن يضمنوا حياده.
كان الوالي يظهر فجأة في الثغور المحصّنة، فيبقى هناك أسابيع بأكملها، يتفقّد سير أعمال تدعيم التحصينات، ويختبر معنويّات جيشه. وكان يقيم في المعسكرات ذاتها، حيث تُخصّص له غرفة صغيرة مطليّة بالكلس، يَمدّ له فيها حاجبه أرغيروس فِراشًا من الفراء، شاع استخدامه بين البلغار. وهناك كان يقضي بين الجند في خلافاتهم، ويناقش المعماريّين والبنّائين في أعمالهم، ويقابل قادة الميدان فيستلم تقاريرهم. ومثلما كان يأتي إلى المكان، كان يغادره ولا يفصح عن وجهته المقبلة. ومن شغفه بالأوابد وحبّه للفنون الجميلة عَلِقَتْ في نفسه بقايا، كانت تطلع إلى النور حينما يتعلّق الأمر باختيار زينة جسر أو زخرفة واجهة حصن، أو بإنقاذ نفائس اليونان القديمة التي سقطت في أيدي المسلمين. وغير مرّة فضّل أن ينقذ تمثالًا مشوّهًا لفينوس أو آخر لميدوزا على أن ينقذ الرُّفات المقدّسة لأحد بطاركة الكنيسة الشرقية. لم يُعرف عنه أيّ نوع من العلاقات الغراميّة أو المغامرات الفضائحيّة، ولم يكن كَلِفًا بحفلات المجون، العزيزة على قلوب بقية الولاة. وفي بداية ولايته اعتاد أن يصطحب معه جارية شابّة، أصلها من ويلز، كانت تعتني به بحنوّ وإخلاص عميقين. وحينما قُتلت الصبيّة في أحد الكمائن التي قضى فيها قسم من رجال موكب الأليريّ، لم يعد يصطحب معه أيّ امرأة، وبات يكتفي بتزجية بعض الليالي في الموانئ الساحليّة، برفقة بنات الحانات، فيلهو معهنّ ويَسْمَر، كأيّ جندي من جنوده. إلا أنّه في تلك الليالي كان يظلّ على شيء من الشرود والانطواء اللذين يوقظان في نفوس الفتيات بعض الخشية المبهمة.
وفي الروتين الكئيب لتلك الحياة العسكريّة، بدأ سحر الأليريّ القديم يخبو، وأخذت حياته تزدحم بالهموم الكبيرة التي ندر أن ألمح إليها، أو سمح لها بأن تصير موضع نقاش بين المقرّبين إليه. لم يعد البلاط يذكره وكاد أن ينساه. مات الإمبراطور في ظروف شديدة الغرابة، وبعد أسابيع قليلة على موته أعلنت إيرينا نفسها، في كاتدرائيّة آيا صوفيا، “إمبراطورة معظّمة وحاكمة مطلقة على الرومان”؛ فدخلت الإمبراطوريّة على الفور في طور من أطوارها المعهودة، الموسومة بالتعصب الدينيّ الأعمى والهستيريا اللاهوتيّة المسعورة، ففرضَ الرهبان الجبّارون أجواء الرعب القاتمة بدسائسهم التي كانت تقود الضحايا إلى أقبية كنيسة مريم العذراء في بيزنطة، حيث تُسْمَلُ أعينهم، أو إلى ميدان الخيل، حيث تدوسهم الخيول الهائجة وتقطّعهم إربًا إربا. أجل، هذا هو الثمن الذي كان يُدفع مقابل أيّ تراخ في خدمة المسيح وابنته الجليلة، نجمة الصبح، إيرينا المعظّمة. في هذا المناخ المضطرب، لم يجرؤ أحد على أن يرفع سبّابته ويشير بها نحو ألار بالاتهام. كانت مكانته في الجيش راسخة، وكان شقيقه قد نال أرفع الألقاب وعُيّن كبير المعلّمين في المدارس كلّها، أما الإمبراطورة فكانت تعرف نفوره الفطري من الانحياز لأيّ طرف، وتدرك مدى شكّه حيال مخلّصي الإمبراطوريّة الذين ما انفكّوا يتكاثرون عددًا في ذلك الوقت، ويظهرون كلَّ يوم.
في ذلك الحين ظهرت آنا الكريتيّة على مسرح الأحداث، فتبدّلت حياة ألار من جديد بالكامل. كانت آنا شابّة وارثة لعائلة ثريّة من تجّار سردينيا، تسمّى عائلة أليسي، وتسكن في القسطنطينيّة منذ عدّة أجيال. كان آل أليسي يحظون بثقة الإمبراطورة وعطفها، وكثيرًا ما كانوا يساعدونها ويقدّمون لها قروضًا ماليّة ضخمة، بضمانة تحصيل الضرائب من الموانئ البيزنطيّة المنتشرة على سواحل البحر الأبيض المتوسّطّ. كانت الصبيّة وشقيقها الأكبر قد وقعا في الأسر، بين أيدي القراصنة البربر، وذلك أثناء عودتهما من سردينيا، حيث للعائلة أملاكَ واسعة. كلّفت إيرينا الأليريَّ بتحرير الرهينتين والتفاوض مع ممثّلي الأمير التركيّ الذي كان يرعى القرصنة ويتقاضى حصّته من عمليّات السلب.
وقبل الدخول في تفاصيل اللقاء الأوّل مع آنا، فإنّه من المثير للاهتمام أن نستطلع أفكار الأليريّ، بما فيها من قناعات وشكوك، وذلك في اللحظة التي تعرّف فيها إلى تلك المرأة التي ستزيد على أيّامه الأخيرة سعادة جديدة وارفة، وتضفي على موته غاية ومعنى خاصّا. ثمّة رسالة من ألار إلى شقيقه أندرونيكو، كتبها له قبل أربعة أيّام من استقباله لقافلة عائلة أليسي. في بدايتها يتناول بعض الأخبار المتعلّقة بالسياسة الخارجيّة للإمبراطوريّة، والتي أخبره بها شقيقه، ثمّ يستطرد فيقول:
…وهذا سيحملني على أن أضع ثقتي في هباء ذلك الالتزام المفزع الذي يلوّث أفضل فضائل الإنسان، والذي أعني به السياسة. انظْرْ إلى الحماس الذي تستخدم به إمبراطورتنا بعض الحجج اليوم كي توطّد دعائم النظام في بيزنطة، وهي حجج كانت ترفضها شخصيًّا قبل عشر سنوات، وتعتبرها انتهاكًا لقوانين الإمبراطوريّة وهرطقة خطيرة. وانظرْ كمْ من الناس قُتِلوا لأنّهم كانوا يفكّرون مثلما تفكّر هي اليوم، وكمْ منهم سُمِلَتْ أعينهم أو بُتِرَتْ أطرافهم لمجاهرتهم بعقيدة هي اليوم عقيدة الدولة. إنَّ الإنسان، في تخبّطه البائس، يختلق لنفسه أنظمة مُحكمة، ويظنّ أنّه بتطبيقه الصارم لها، سيفلح في تهدئة وجيب دمه. لقد أوقعنا أنفسنا بأيدينا ذاتها في الشرك وليس بوسعنا فعل أيّ شيء، ولا أحد يحضّنا على الخلاص. وإنّ أيّ قرار نتّخذه، سوف يذهب على الدوام سدًى، وينجرف في سيل الأوهام التي تأتينا من أماكن قصيّة، ثمّ تتلاقى وتتبدّد في المدى الشاسع للمحيط. قد يخطر في ذهنك أنَّ بعض شكوكي المريرة تمنعني من الاستمتاع بالحياة التي وُهِبت لنا مجّانًا. لا، ليس الأمر كذلك يا شقيقي العزيز. إن السكينة ضيف دائم على نفسي، وكلّ طور من أطوار الروتين الذي أعيشه، حاكمًا وجنديًّا، يأتيني بقبس جديد من النور الذي يكشف لي عن منابع ثرّة للحياة، لم تكن تخطر ببالي من قبل. لا أبحث فيما وراء الأشياء عن معانٍ قصيّة أو غير محتملة، بل إنّني أحاول أن أنقذ حضورها الذي يمنحني مبرّر بقائي كل يوم. ولمّا كنت أعلم علم اليقين أن أيّ محاولة للتواصل مع البشر هي عبث ولا طائل منها أبدًا، وأننا لا نستطيع إنقاذ أنفسنا من العدم إلّا عبر الدروب المظلمة للدم وببعض الانسجام الذي يتجاوز كل الأشكال، ويدوم بعد الحضارات والإمبراطوريّات، فإّنني أعيش من دون أن أخادع نفسي أو أن أدّعي أنّ الآخرين يقومون بذلك بسببي أو من أجلي. إنَّ جنودي يطيعونني لأنّهم يعلمون تفوّقي عليهم في خبرتي بالتعامل اليوميّ مع الموت وآلته المسمّاة بالحرب؛ أمّا رعاياي فيغفرون لي نقائصي، لأنّهم يعلمون أنّها غير ناجمة عن قانون مكتوب، إنّما عن حبّي الفطريّ لهم وعمّا أحاول أن أدركه عن طريقه. ليس لديّ أيّ طموح، وآمالي ومقاصدي تشبعها بعض الكتب، وصحبة الفرسان المقدونيّين، وفطنة اليونانيّ، ودفء الفراش الذي تنام فيه معي حسناء من حِسان لبنان. لا أسير على درب أحد، ولا أحد يطأ دربي. أمارس القتل في ميدان المعركة بلا رحمة، بيد أنّي لا أمارسه بهياج. وأمارس القتل لأنّني راغب في أن تعمّر إمبراطوريّتنا أطول فترة زمنيّة ممكنة، وذلك قبل أن يغزوها البرابرة بلسانهم الفظّ ونبيّهم الغاضب. أنا يونانيّ، أو رومانيّ من الشرق إن شئت، وأعلم أنّ البرابرة، سواء كانوا لاتين أم جرمان أم عربا، وسواء أتوا من كييف أو من لوتيسيا أو من بغداد أو من روما، فإنّهم في نهاية المطاف سيمحون اسمنا ويقضون على نسلنا. نحن آخر ورثة لليونان القديم الخالد، البلد الوحيد الذي أعطى الإنسان أجوبة شافية على أسئلته الشائكة. أؤمن بعملي واليًا وأقوم به على أكمل وجه، وأنا مدرك سلفًا أنّه ليس بوسعي فعل الكثير، لكنّي أدرك أيضًا أنّ التخلّي عن عملي سيكون أسوأ من الموت. لقد ضللنا طريقنا منذ عدّة قرون وسلّمنا أنفسنا للمسيح المتعطّش للدماء، الذي يُثقل بصليبه على صدر الإنسان بغير حقّ، ويجعله مرتابًا وشقيًّا وكذوبا. لقد سدَدْنا بأيدينا منافذ خلاصنا كلّها، ولا نزال نخادع أنفسنا، كما تخادع وحوش البرّ أنفسها وهي في ظلمة أقفاص السيرك، معتقدة أنّ الغابة التي تتحسّر عليها، تنتظرها في الخارج. إنّ ما تخبرني به عن سفير الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة يبدو لي مثالًا مؤيّدًا لحججي، وعليك باعتبارك مسؤولًا رفيعًا في الإمبراطوريّة أن تبيّن له اللبس في مقاصده والزيف في أفكاره، لكنّ ذلك سوف يكون عسيرًا مثل…
وصلت القافلة التي تقلّ عائلة أليسي عند المساء إلى ثغر “المَخير” المنيع، حيث نزل الأليريّ كي ينتظر الرهائن. كان قد أمضى على الطريق ثلاثة أيّام مسافرًا من دون أن ينام، فانسحب إلى غرفته باكرًا كي يستريح. وفي صباح اليوم التالي استقبل المواطنين البيزنطيّين المحرّرين في غرفته الصغيرة، وذلك بعد أن أعطى أوامره بانصراف الخيّالة الأتراك الذين أتوا بهم. دخلوا عليه بصمت، فاعترت الدهشةُ وجوهَهم، لمّا رأوه يعيش ببساطة مثل أي ضابط عاديّ، بلا سجاجيد ولا حليّ أو جواهر، وليس يصحبه غير بعض الكتب، مع أنّه “والي ليكاندوس” و”ذراع المسيح المسلّحة” و”ابن الإمبراطورة الحبيب”. كان مستلقيًا على فراشه المصنوع من جلد الدبّ، يراجع كشوف بعض الحسابات، وكانوا خمسة يتقدمّهم شابٌّ يبدو عليه التحفظ والاتّزان، وتتبعه صبيّة في العشرين من العمر تسدل خمارًا على وجهها. أما الثلاثة الآخرون فكانوا طبيب العائلة، فمدير شؤون قصرها في باري، ثمّ أحد أعمام الصبيّة، وهو رئيس لدير ستوديون. ألقوا على الوالي التحية التي تليق بمقامه، فدعاهم إلى الجلوس، ثمّ تلا عليهم لائحة أسمائهم بصوت مرتفع، فأجاب كلٌّ منهم عند سماع اسمه بالديباجة المعروفة: “يونانيّ بنعمة المسيح ودمه الفادي، وخادم لإمبراطورتنا المعظّمة”. كانت الصبيّة آخر من أجاب من الخمسة، ولكي تفعل ذلك أزاحت الخمار عن وجهها. لم يتوقّف ألار في البداية عندها، ولم يلفت نظره فيها غير رصانة صوتها الهادئ الذي لا يتّفق وعمرها.
طرح ألار عليهم بعض الأسئلة من باب الكياسة، واطمأنّ على حسن سير رحلتهم، ثمّ تحدّث مطوّلًا مع رئيس الدير عن صديقه أندريس، فهما يعرفان بعضهما قليلا. وبعدها أجابته الصبيّة عن أسئلته بدقّة تدلّ على ذكاءٍ جليٍّ وحسٍّ نقديٍّ حادّ. صار الحديث معها يثير اهتمامه، فطالت الجلسة عدّة ساعات. تنبّهت الصبيّة إلى ملاحظة ذكرها شقيقها، حول فخامة بلاط الأمير، فقالت للوالي عقبها:
-إن تخلّيك عن حياة البذخ التي تقتضيها مكانتك، يدفعنا إلى الاعتقاد أنّك رجل ذو إيمان دينيّ عميق، فها أنت تعيش عيشة شبيهة بعيشة النسّاك.
حدّق آلار فيها مليًّا، فأخذت كلماتها تفلت منه بمقدار ما كانت الدهشة تأخذه من ذلك الاتّساق العميق، ذي النكهة العريقة، الذي تكشف عنه ملامحُها. وهو اتّساق يبدو أيضا في القناع الجنائزيّ الكريتيّ، وينمّ في تلك الوجوه المميِّزة لبعض شعوب المشرق عن رشاد يتخطّى رشاد البشر، فيمنحها الكمال ويضفي عليها ديمومة عابرة للزمان في تناغم العينين والفم، والأنف والجبهة. ابتسمت الصبيّة، فأعادته من جديد إلى أرض الواقع، فقال:
-إنَّ نمط حياتي ينسجم وطباعي الشخصيّة، أكثر منه وقناعاتي الدينيّة. أمّا أنا، فيؤسفني حقًّا عدم تمكّني من استقبالكم في مسكن أفضل.
وهكذا كان أن تعرّف ألارُ إلى آنا أليسي، وقد سمّاها فيما بعد بالكريتيّة، وأحبّها حتّى آخر يوم في حياته، وأبقاها إلى جانبه خلال السنوات اللاحقة من حكمه لولاية ليكاندوس. تمكّن الوالي من اختلاق أعذار في تأخير سفر عائلة أليسي، ثمَّ تذرّع بخطورة السفر عليهم بحرًا بالقرب من الساحل، فأبقى آنا إلى جانبه وأرسل الباقين برًّا، لأنّ تلك الرحلة ستشقّ عليها.
قبلت آنا ما ارتآه الوالي وهي مسرورة، إذ أحسّت تجاهه بمشاعر الحب والإخلاص العميقين الذين احتفظت بهما نحوه مدى الحياة. وحينما وصلوا إلى بيزنطة، اشتكى شقيق آنا الشاب لدى الإمبراطورة إيرينا من تصرّف ألار. فتدخّلت عن طريق أندرونيكو كي يوبَّخ شقيقه الوالي ويطلب إليه عودة آنا على وجه السرعة. أجاب ألار شقيقه في رسالة لا تزال محفوظة أيضًا في أرشيف المجمع الكنسيّ، وهي تسلّط الكثير من الأضواء على قصّته، وتوضّح الأسباب التي جمعته بآنا. تقول الرسالة:
فيما يتعلّق بآنا، سوف أخبرك بما حدث كي تنقله حرفيًّا إلى مسامع الإمبراطورة. غير أنَّ إخلاصي لمولاتنا وولائي لها أكبر من أن تميّزني أنا بالذات، من بين جميع المتآمرين والخونة الذين يحيطون بها، فتخصّني بغضبها المجحف.
إنّ آنا اليوم هي كلّ ما يشدّني إلى هذا العالم. ولولاها لكنتُ أسلمتُ عظامي منذ زمن بعيد للعدوّ في أيّ كمين يُنصب لي ليلا. أنت تفهمني أكثر من أيّ إنسان آخر على وجه الأرض وتفهم مبرّراتي أيضا. في البداية، وعندما لم أكن أعرف آنا إلّا قليلًا، تذرّعتُ فعلًا ببعض الحجج عن خطورة الرحلة عليها كي أبقيها إلى جانبي. لكنّها فيما بعد أخذت تنغرس في حياتي أكثر فأكثر، حتّى إنّني اليوم أرى العالم من خلال إهابها وعطرها، وعبر كلماتها ورفقتها المحبَّبة في الفراش، وفي تبصّرها لفهم الحقائق واليقينيّات التي توصّلتُ إليها بعد عناء، في انسحابي من هذا العالم وابتعادي عن حيل البلاط الدنيئة. معها توصّلت أخيرًا إلى أن أقبض بكفّي على ما يكفيني من الصدق كي أحيا يومي: صدق جسدها الدافئ، وصدق صوتها الخافت المخلص، وصدق عينيها النجلاوين الذاهلتين الوفيّتين. وبما أنّ ما أقوله يشبه إلى حدّ بعيد منطق مراهق وقع في الحبّ، فعلى الأرجح لن يُفهم في البلاط. لكنّني متيقّن أنَّ الإمبراطورة ستقف على المغزى من سلوكي وتفهمه. فهي تعرفني منذ زمن بعيد، وفي أعماق نفسها المسيحيّة اليوم، لا تزال تهجع راقدة تلك الأثينيّة المستبصرة التي كانت صديقتي الوفيّة وراعيتي على الدوام.
وبما أنني أدرك هشاشة أيّ محاولة بشرية تسعى، غصبًا عن الجميع وغصبًا عن كل شيء، لإطالة عمر علاقة كتلك التي تجمعني بآنا، وأدرك أيضا عبثها، فلن أحرّك ساكنا في وجه مولاتنا إنْ ألحّت في طلب عودة آنا إلى القسطنطينيّة. لكنّني في ذلك الحين سأكون في حلٍّ من الالتزام بتقديم خدماتي إلى من آذاني بطيش.
أبلغ أندرونيكو الإمبراطورة بجواب أخيه، فتأثّرت لكلماته ووعدت بطيّ صفحة الموضوع. والحقيقة أنَّ آنا بعد ذلك ظلّت إلى جانب ألار عامين كاملين لا تبارحه، ومضت تجوب معه المواقع والمدن الحدوديّة، وتستجمّ بصحبته صيفًا في أحد الموانئ الساحليّة المتوارية عن الأنظار، حيث كان لهما منزل صيفيّ صغير، أهداه إلى ألار صديق من البندقيّة. إلّا أنَّ أفراد عائلة أليسي لم يستسلموا للأمر الواقع، فذات مرّة كانت الإمبراطورة تفاوض تجّارًا من جنوة على قرض ماليّ، ولم تجد من يكفلها بتوقيعه غيرهم، فاضطرت على مضض إلى التدخّل لصالحهم تدخّلا حاسمًا، وأمرت بعودة آنا. استقبل الزوجان رسول إيرينا واجتمعا به ردحًا طويلًا من الليل. وفي اليوم التالي توجّهت آنا الكريتيّة إلى القسطنطينيّة، وعاد ألارُ إلى عاصمة ولايته. ولم يتمكّن الحاضرون من إخفاء دهشتهم حيال سكينتهما لحظة الوداع، فلقد كانوا جميعًا يعرفون عمق ارتباط الوالي بالصبيّة، ومدى تعلّقه بها حتّى في أدقّ تفاصيل حياته. غير أن أصدقاء الأليريّ المقرّبين لم يستغربوا هدوءه، فهم يعرفون حقّ المعرفة ما يدور في خلده، ويدركون أنّ في نفسه إيمانًا بالأقدار، جليًّا وعميقَ الجذور، يجعله يبدو غير مبالٍ في أشدّ اللحظات حرجًا.
لم يعد ألار يذكر اسم الكريتيّة، واحتفظ لنفسه، تذكارًا منها، ببعض الأغراض الشخصيّة، وببعض الرسائل التي كانت قد كتبتها إليه حينما غاب مدّة كي يتولّى مهمّة إعداد الأسطول الحربيّ الراسي في مالطا، وتزويده بما يلزم. كما احتفظ أيضا بقُرطٍ نسيته الصبيّة في الفراش الذي ناما فيه معًا أوّل مرة في قلعة القدّيس اصطفان الدمشقيّ.
ذات يوم استدعى الوالي ضبّاطه إلى اجتماع عام، وأبلغهم بنواياه وخططه قائلا:
“لقد حشد أحمد قابيل قوّاته كلَّها ضدّنا، وهو يستعدّ لغزوةٍ على ديارنا لم يسبق أن قام بمثلها، وفيها يحظى هذه المرّة بحياد الأمير التركيّ الحذر، إن لم نقل بدعمه. غير أنّا إذا ما اقتحمْنا سوريا على حين غرّة وباغتْنا قابيل وأطبقنا عليه في ثكناته، حيث يجهّز قوّاته الآن، فإنَّ النصر سيكون حليفنا بالتأكيد. وحالما ننتهي من قتال قابيل، فإنَّ الأمير التركي سوف يتخلّى عن حياده وينقضّ علينا، ذلك أنَّه يعرف بُعدَنا عن ثكناتنا واستحالة حصولنا على أيّ عون. ولذا فإنّ خطّتي تقوم على طلب تعزيزات من بيزنطة وإحضارها إلى هنا سرًّا كي تذود عن قلاع الحدود، حيث سيرابض نصف جيشنا.
وحينما يفرغ الأمير من قتالنا والإجهاز علينا – من العبث أن نتخيّل مشهدًا غير هذا المشهد، لأننا سنواجه كلَّ خمسين رجل من رجاله برجل واحد منا-، سوف يرتدّ على حدودنا ويهاجمنا، لكنّه سيفاجأ فيها بمقاومة أعنف بكثير مما يتصوّر. وساعتئذ يكون قد وقع في الفخّ وألفى نفسه بعيدًا عن ثكناته، فيطوّقه جنودنا المرابضون هنا ويبيدونه.
وهكذا نكون قد تخلّصنا من عدوّين خطيرين من أعداء الإمبراطوريّة، وذلك بالتضحية ببعض رجالنا. وخلافًا لنظامنا المعهود، لا أريد هذه المرّة أن أسمّي القادة والجنود الذين سيبقون هنا، ولا أولئك الذين سيذهبون معي. تدبّروا أمركم بينكم وعلى هواكم، وغدًا عند الفجر أخبروني بما ارتأيتم. ثمّة أمر أريد منكم أن تعلَموه علم اليقين: من سيذهبون معي للقضاء على أحمد قابيل، ليس أمامهم أيّ فرصة في أن يعودوا أحياء. إنّ الأمير يتحيّن أيّ تقصير منّا كي ينقضّ علينا، وهذه المرّة قد تكون فرصته الذهبيّة التي لن يتوانى عن استثمارها بلا هوادة، إن تلكّأنا. فمن أراد منكم البقاء هنا والانضمام إلى التعزيزات التي طلبناها من إمبراطورتنا، عليه أن يصطفّ على ميسرة ساحة الاجتماع، ومن قرّر الالتحاق بي عليه أن يصطفّ على الميمنة منها. هذا كلّ ما في جعبتي”.
ويُقال أنَّ تشبُّث الجند بألار كان عظيمًا، حتّى إنَّ الضبّاط اضطروا لتسمية من يبقى ومن يذهب بالقُرعة؛ إذ لم يشأ أحد منهم مفارقته. وفي صباح اليوم التالي استعرض ألار جنده، ثمّ توجّه بخطبة حماسيّة إلى من سيبقون من أجل الدفاع عن حدود الإمبراطوريّة، فاستقبل الكثيرون منهم كلماته بالدموع. ثم طلب إلى الذين قرّروا التوغّل معه في الصحراء، أن يلتقوا في مكان محدّد من الأراضي التي يسيطر عليها الجراجمة في سوريا. وبعد أسبوعين تجمّع هناك زهاء أربعين ألف جنديّ، ثم تقدّموا عبر الجبال الجرداء لآسيا الصغرى، بقيادة الأليريّ شخصيّا.
إنّ حملة ألار تلك موصوفة وصفًا دقيقًا في كتاب يحمل عنوان “تقارير حربيّة” لمؤلفه أليخو كومنينو، وهو وثيقة لا تُقدّر بثمن في فائدتها للتعرّف على الحياة العسكريّة في ذلك الوقت، والوقوف على الأسباب التي مكّنت الأتراك بعد قرون من تدمير الإمبراطوريّة البيزنطيّة. لم يخطئ ألار أبدًا في حساباته. فبعد أن هَزَمَ أحمد قابيل المراوغ، مقابل خسائر قليلة جدّا في صفوفه، عاد إلى ولايته بخطًى حثيثة. وفي منتصف الطريق فوجئت أرتال جيشه بسيل من الإنكشاريّة والمشاة الأتراك الذين تعقبّوه بلا تراخ. كان قد قسّم قوّاته إلى ثلاثة أفواج، تتقدّم على هيئة مروحة نحو أماكن متفرّقة من الأراضي البيزنطيّة، وذلك لدرء خطر الإبادة الكاملة لجيشه العائد من سوريا. انطلت الحيلة على الأتراك وتبعوا الفوج الأيسر الذي يقوده الوالي، معتقدين أنّه قوام الجيش كلِّه. وبعد أن تعرّض هذا الفوج، ليلًا نهارًا، لمضايقات حشود المسلمين المتزايدة، أمر ألار جنوده بالتوقّف في واحة “القاضب” ومواجهة الأعداء فيها. وهناك اصطفّوا على هيئة صندوق، جريًا على التقليد العسكريّ البيزنطيّ، وبدأ حصار الأتراك عليهم. وبينما كان الفوجان الآخران عائدين إلى الإمبراطوريّة سالمين، لينضمّا إلى المدافعين عن الثغور المتقدّمة، كانت سهام المسلمين تشدّد الخناق على الجنود الذين يقودهم ألار. وفي اليوم الرابع من الحصار، قرّر ألار محاولة التسلّل ليلًا لفكّه، ثمّ الهجوم صباحًا على الأعداء من المؤخّرة. ولقد كان من الممكن إبعادهم فعلًا، بإيهامهم أن هذا الهجوم هو إسناد آتٍ من ليكاندوس. جمع ألار الفرسانَ المقدونيين وفرقتين من البلغار ثمّ عرض عليهم خطّته في كسر الحصار. ارتاحوا لاقتراحه فوافقوا عليه بالإجماع؛ وعند منتصف الليل انسلّوا على الرمال النديّة الممتدّة وسع المدى، فاجتازوا صفوف الأتراك من دون أن يلفتوا انتباههم، ثمّ تواروا في وهدة من الوهاد بانتظار انبلاج الفجر. لكنّ الحظّ لم يقف إلى جانب اليونانيّين هذه المرّة، فعند الصباح أتت حشود جيش الأمير إلى ميدان المعركة. ومع خيوط النهار الأولى، أمطرهم الأعداء بوابل من السهام التي أنذرت بفنائهم. وأخذ بحر شاسع من المشاة والإنكشاريّة يمتدّ حولهم من كلّ الجهات، ويحكم الخناق على الوهدة. ولم يتسنَّ لهم حتّى أن يقاتلوا الأتراك وجهًا لوجه، إذ خلقتِ السهام التي انهالت عليهم سدًّا منيعًا لا يُخرق. تشجّع الفرسان المقدونيّون وأغاروا على أعدائهم بجنون، فأُبيدوا عن بكرة أبيهم في دقائق معدودات، بسيوف العسكر الإنكشاريّة. لملم بعضُ الجنود الهنغار والحرّاسُ الشخصيّون شملهم، وأحاطوا بألار وهو يتأمّل بثبات المَقتلة التي مُني بها جيشه.
اخترق السهم الأول ظهر ألار، ثمَّ نفذ من صدره عند أضلاعه السفليّة. وقبل أن تخور قواه بالكامل، صوّب سيفه نحو فارس من فرسان المسلمين، كان يلهو وهو على صهوة جواده بقتل البلغار بسهامه، فانغرز السيف في جسده واخترقه من جانب إلى آخر. بعد ذلك أصيب ألار بسهم ثانٍ، اخترق حلْقَه. بدأ ينزف دمًا غزيرًا، فالتفَّ بعباءته وخرّ على الأرض تعلو وجهه ابتسامة مبهمة. شرع الغلاة البلغار يترنّمون بترانيم دينيّة وينشدون مزاميرَ في حمد المسيح، بذلك الإيمان الأعمى والمتّقد الذي يميّز المؤمنين الجدد؛ ثمَّ أخذ شبح الموت يدنو من الأليريّ طالعًا من بين أصوات الضحايا الرتيبة.
وفجأة جال في ذهنه خاطر مفرح يؤكّد هواجسه. حقًّا إنّنا منذ الولادة نهوي في شرك لا مخرج منه، فلقد بدا له كلّ ما في الكون عبثًا أخرقَ مثل عبث الأطفال، بدءًا من تكلّف العقل، إلى تعدّد الأديان وكثرتها، وإيمان الإنسان الضعيف الفاني بقوى الطبيعة، أو بتلك التي يختلقها في تقدّمه الأخرق عبر التاريخ، وصولًا إلى القناعات السياسيّة، ونظم اليونان والرومان في قيادة الدولة. وأمام الهاوية التي كانت تدنو نحوه، بمقدار ما كان الدم يتدفق منه، فتّش عمّا يبرّر به حياته التي عاشها، واستقصى عمّا مكّنه من قبول خوائها برضى، فباغتته على الفور ذكرى آنا الكريتيّة وكأنها مزيد من دفق الدم يتصاعد في عروقه، وأخذت تسبغ المعنى على كلّ تفاصيل حياته التي عاشها على هذه الأرض. ثم بدأت صورها تتوالى أمام ناظريه: النسيج الناعم الأزرق لعروق نهديها البيضاوين، تفتيحة بؤبؤي عينيها المليئين بالذهول والحنان، احتضانها له برقّة بغية السهر على نعاسه، وأنفاسهما اللاهثة في هاتيك الليالي، مثل بحر تتلاطم أمواجه إلى الأبد، يداها الحانيتان البيضاوان، أصابعها القويّة وأظافرها الشبيهة باللوز، طريقتها في الإنصات إليه، مشيتها، ذكرى كلّ كلمة تلفّظت بها. كل ذلك انداح أمام ناظري الوالي ليقول له أنّ حياته لم تكن هباء وأنّه لا يمكن لنا أن نطلب شيئا في هذه الدنيا غير الانسجام الداخلي الذي يوحّدنا مؤقّتًا بذلك السرّ العظيم الذي تكتنفه الكائنات الأخرى، ويسمح لنا بأن نقطع برفقتها شوطًا من مسافة الطريق. اكتفى بالانسجام الدائم للجسد، واكتفى عبره بالنداء الوحيد الذي تلقّاه ممن سعى لوصاله لأنه أحبّه ونجح في مسعاه، ولو نجاحًا منقوصًا أو مرتبكًا؛ فعَبَرَ مضيق الموت بسعادة عظيمة امتزجت بدمه المتدفّق الفوّار. وأخيرًا أصابه سهم ثالث فسمَّره على الأرض بعد أن اخترق قلبه، لكنَّه حينذاك كان قد صار أسير ذلك الفرح الخاطف، الراجف، الذي لا يعرف طعمه إلّا كلّ ربّانٍ مدركٍ لزيف مهوى الموت.
*مترجم من سوريا





