شينجو – إديث وارتون-ترجمة أسماء الطيفي

عن المؤلف
إديث وراتون: هي مؤلفة أمريكية، اُشتهرت بكتابة قصص وروايات عن المجتمع الراقي. انحدرت وارتون من عائلة مرموقة عريقة في مدينة نيويورك. وتلقت تعليمها على أيدي مدرسين خصوصيين ومربيات، في أمريكا وبعد ذلك في أوروبا، حيث استقرت عائلتها لمدة ست سنوات بعد الحرب الأهلية الأمريكية.
الفصل الأول
السيدة بالينجر هي واحدة من النسوة اللاتي يُتابِعن أمور الثقافة في تجمُّعات، كأنها لو فعلَت ذلك بمفردها لأصابها مكروه. ولأجل هذه الغاية، أسَّسَت «نادي الغداء»، وهو جمعية تضمها هي والعديد من السيدات الشغوفات باقتناص المعرفة. ولقد حقَّق «نادي الغداء» — بعد مرور ثلاثة شتاءاتٍ من دعوات الغداء وجلسات النقاش — مكانةً مرموقة في المجتمع، حتى أصبح استقبال الضيوف البارزين والاحتفاء بهم أحد أدواره الأساسية، وإقرارًا بذلك الدور، قدَّم النادي دعوةً إلى السيدة أوزريك دين الذائعة الصِّيت، يوم وصولها إلى بلدة هيلبريدج، لحضور الاجتماع التالي للنادي.
كان من المقرر عقدُ الاجتماع التالي في منزل السيدة بالينجر. لكنَّ الأخريات استنكرن، دون علم السيدة بالينجر، عدم رغبتها في التنازل عن حقها في استضافة الاجتماع لصالح السيدة بلينث التي كان منزلها أفخم وأنسب لاستضافة المشاهير، وفي الوقت نفسه، حسب تعليق السيدة ليفيريت، كان به معرضُ لوحاتٍ يمكن اللجوء إليه كمَخرجٍ لائق عند تعسُّر النقاشات.
ولم تُخفِ السيدة بلينث موافقتها لذلك الرأي. فقد اعتبرت استقبال ضيوف «نادي الغداء» المرموقين أحد التزاماتها المنوطة بها. كانت السيدة بلينث تعتزُّ بالتزاماتها كاعتزازها بمعرض لوحاتها؛ في الحقيقة، كانت مولعةً بالإشارة إلى أنَّ ملكيتها لهذا المعرض اقتضت ضمنيًّا هذه الالتزامات، وأنَّ المعايير الرفيعة التي تتبنَّاها لا يَقدِر على الوفاء بها إلا امرأة بمثل ثروتها. واعتقدَت أن الحس العامَّ بالمسئولية، الذي يمكن تطويعه لغاياتٍ مختلفة، هو كلُّ ما أوجبه الإله على مَن هم أدنى منها شأنًا؛ أما المشيئة الإلهية التي قَدَّرت لها أن تكون من ذوي الخدم والحشم، فقد أرادت لها بوضوحٍ الاضطلاع بمجموعة من المسئوليات الخاصة التي تلائم هذه المكانة الرفيعة. ولذا كان من المؤسف حقًّا أن السيدة بالينجر، التي لم تُوكِل إليها المشيئة الإلهية إلا مسئولياتٍ ضئيلة، إذ ليس لديها إلا خادمتا استقبال، تتشبَّث بحقها في استضافة أوزريك دين.
كانت مسألة استقبال السيدة قد استحوذت على اهتمام سيداتِ «نادي الغداء» طوال الشهر السابق لزيارتها. ونظرًا إلى تعدُّد الخيارات التي تُتيحها هذه الفرصة العظيمة، وليس لشعورهن بأنهن لسن أهلًا لاستضافتها، شعرَت سيداتُ «نادي الغداء» بحالةٍ من الحيرة محبَّبة إلى النفس، كتلك التي تشعر بها سيدة تقف أمام خزانة مليئة بالثياب المتنوعة البديعة. وإن كانت احتمالية تبادل الأفكار مع مؤلِّفة «أجنحة الموت» قد هزَّت ثقة العضوات الأقل مكانةً مثل السيدة ليفيريت، فإن العضوات الرفيعات المقام الواثقات بكفاءتهن — مثل السيدة بلينث والسيدة بالينجر والآنسة فان فلويك — لم يهتز لهن طرف. ولقد وقعَ الاختيار على رواية «أجنحة الموت»، بِناءً على اقتراح من الآنسة فان فلويك لتكون موضوعَ النقاش في اجتماع النادي الأخير؛ وبهذا سنحت الفرصة لكل عضوة كي تُعبِّر عن رأيها فيها، أو تبنيَ ما تراه مناسبًا من تعليقاتِ الأخريات قبل استقبال المؤلِّفة.
السيدة روبي وحدها هي التي امتنعت عن استغلال هذه الفرصة، لكن كان معلومًا للجميع أن السيدة روبي لم تكن جديرة بعضويتها في «نادي الغداء». قالت الآنسة فان فلويك: «هذا ما يحدث عند قَبول امرأة بِناءً على ترشيح رجل.» كان البروفيسور فورلاند، عالِمُ الأحياء البارز، قد أثنى على السيدة روبي التي عادت إلى بلدة هيلبريدج بعد إجازة مؤقتة في بلد غريب — لم تَعُد الأخريات يتكبدن عناءَ تذكُّره — وقال إنها ألطف امرأةٍ التقى بها على الإطلاق، فاقتنصت سيداتُ «نادي الغداء» فرصة ضمِّ سيدة مهتمة بعلم الأحياء إلى ناديهن، متأثراتٍ في ذلك أيَّما تأثُّر بإشادة البروفيسور التي كانت بمثابة إجازة علمية، وافترضن دون تروٍّ أن رجاحة ذوق البروفيسور الاجتماعي ستكون على نفس قدْر خبرته المهنية. لكن عند ذِكر الآنسة فان فلويك لديناصور التيرُداكتيل لأول مرة عرَضًا، غمغمت السيدة روبي في ارتباك: «لا أعرف الكثير عن القياسات المترية …» وهكذا، بعد أن انكشف عدم كفاءتها على هذا النحو المحرج، رأت أنه من الأسلم لها أن تنأى عن المشاركة مجددًا في النقاشات الفكرية للنادي.
قالت الآنسة فان فلويك مفسِّرة: «أرى أنها إما تملقت البروفيسور، وإما أن رأيه هذا كان بسبب تسريحة شعرها.»
اقتصرت عضوية النادي على ست عضواتٍ فقط؛ إذ لم تسَع غرفة طعام الآنسة فان فلويك أكثر من ذلك العدد، ومن ثَمَّ كان عدم مشاركة ولو عضوةً واحدةً في النقاش بمثابة عقبة كبيرة أمام تبادُل الأفكار بين الحضور؛ وهو ما دفعَ بعضهن إلى التعجب من إصرار السيدة روبي على التغذِّي على السخاء الفكري للعضوات الأخريات إلى حد التطفُّل إن جاز التعبير. وعزز رأيَهن ذلك اكتشافُهن أن السيدة روبي لم تقرأ رواية «أجنحة الموت» بعدُ. وأقرَّت السيدة روبي أنها سمعت باسم أوزريك دين من قبل، لكن كان ذلك هو أقصى معرفتها بالروائية الشهيرة، رغم ما يحمله ذلك من غرابة. عجزت السيدات عن إخفاء دهشتهن، لكن السيدة بالينجر، التي كان اعتزازها بسُمعة النادي يدفعها إلى تبييض وجه السيدة روبي، ألمحت بلطفٍ إلى أن السيدة روبي ربما لم يكن لديها الوقت لمطالعة «أجنحة الموت»، لكن لا بد أنها طالعت على الأقل الرواية السابقة للكاتبة، والتي لا تقلُّ عنها شهرة: «اللحظة الفارقة».
قطَّبت السيدة روبي جبينها المبتهج في محاولة جاهدة لإنعاش ذاكرتها، فتذكَّرت أنها رأت الرواية من قبلُ في منزل أخيها، عندما كانت تُقيم معه في البرازيل، بل إنها أخذتها معها ذات يوم لقراءتها في رحلة على متن زورق، لكنها وأخاها تقاذفاها على الزورق، فوقعت في الماء، ومن ثَمَّ لم تحظَ بفرصة …
لم تُحسِّن الصورةُ التي استحضرتها هذه الطُّرفة مكانةَ السيدة روبي في نظر عضوات النادي، وأعقبَ كلامَها صمتٌ مُحرِج، كسرته السيدة بلينث بتعليقها:
«أرى أن كثرة اهتماماتكِ الأخرى لا تترك لكِ متسعًا من الوقت للقراءة، لكني توقعتُ أن تكوني على الأقل قد تصفحتِ «أجنحة الموت» قبل وصول أوزريك دين.»
استقبلت السيدة روبي هذا الاستنكار المشوب بالتوبيخ بسماحة نفس. وقالت: «كنت أعتزم تصفُّح الرواية، لكني اندمجت في قراءة رواية لترولوب حتى إني …»
لكن السيدة بالينجر قاطعَتها قائلة: «لا أحدَ يقرأ لترولوب الآن.»
بدا الإحراج على وجه السيدة روبي. واعترفت: «كنت في بدايتها.»
سألت السيدة بلينث: «وهل تعجبكِ؟»
أجابت السيدة روبي: «أجدُّها مسلية.»
قالت السيدة بلينث: «التسلية هي آخِر ما أبحث عنه عند اختياري للكتب.»
تدخَّلت السيدة ليفيريت: «رواية «أجنحة الموت» ليست مُسلية قطعًا.» كانت طريقتها في طرح رأيها تشبه رجل مبيعاتٍ متعاونًا، معه مجموعة موديلات متنوعة، يعرضها على المشتري واحدًا تلو الآخر إذا لم يلائمه أوَّل موديل.
سألت الآنسة بلينث التي كانت مغرمة بطرح أسئلة لا تسمح لأحدٍ سواها بالإجابة عنها: «وهل كان مقصدُ المؤلِّفة التسلية؟ بالتأكيد لا.»
وافقتها السيدةُ ليفيريت التي سارعت كعادتها بمسايرة الأجواء وعرضت رأيًا جديدًا: «بالتأكيد لا، هذا ما كنت سأقوله. إن مقصدها هو … بثُّ التفاؤل والبهجة.»
عدَّلت الآنسة فان فلويك نظَّارتها كما لو أنها قبعة الإدانة السوداء. وتدخلت: «لا أرى أن من المنطقي وصف رواية تسودُ فيها نبرة تشاؤم مريرة بأنها تهدف إلى بث التفاؤل، وإن كانت مليئة بالمواعظ.»
قالت السيدة ليفيريت التي ارتبكت لوجود فارق غير متوقع بين مصطلحَين كانت تراهما مترادفَين: «قصدتُ، بالتأكيد، أن الغرض منها هو الوعظ.» في الواقع، كانت هذه المفاجآت كثيرًا ما تعكر على السيدة ليفيريت استمتاعها باجتماعات «نادي الغداء»، ولأنها لم تكن تدرك قيمتها الحقيقية لدى السيدات الأخريات اللاتي يعتبرنها المرآة التي تعكس إعجابهن بعقولهن، فقد كانت تشك في بعض الأحيان في جدارتها بالمشاركة في مناظراتهن. ولولا أن لديها شقيقة بليدة، تراها بالغة الذكاء، ما أنقذها من ذلك الشعور اليائس بالدونية شيء.
تدخلت السيدة روبي وسألت: «هل يتزوجان في النهاية؟»
هتفت عضواتُ «نادي الغداء» في صوتٍ واحد: «مَن تقصدين؟»
أجابت السيدة روبي: «البطل والبطلة بالتأكيد. أليست رواية؟ هذا هو أهم شيء في اعتقادي. إنِ افترق البطلان يتعكر مِزاجي.»
تبادلت السيدة بلينث والسيدة بالينجر نظرات الدهشة، وقالت الأخيرة: «لا أنصحكِ بقراءة «أجنحة الموت» بهذا المنظور. في رأيي، ثَمَّة كُتب كثيرة ينبغي للمرء قراءتها بغرض الاستفادة، ولا أدري أين يجد أحدٌ الوقت الكافي لقراءة كتبٍ لمجرد التسلية.»
تمتمت لورا جلايد: «أرى أن ذلك هو أجمل ما في الراوية، فلا أحدَ يستطيع الجزم بما حدث في نهايتها. لقد أخفت أوزريك دين النهاية شفقةً بالقارئ لقسوة دلالتها، بل ربما أخفتها عن نفسها هي أيضًا، مثلما أخفى أبيليس وجه أجاممنون في تصويره لتضحية إيفيجينيا.»
همست السيدة ليفيريت إلى السيدة بلينث: «ما هذا؟ أهو من الشعر؟» لكن السيدة بلينث ترفَّعت عن إعطائها إجابة واضحة وقالت ببرود: «يجب أن تبحثي عن ذلك بنفسك. أُلزم نفسي دائمًا بالبحث عن المعلومات بنفسي.» وازدادت نبرتها تعاليًا وهي تضيف: «رغم أنني يمكنني بكل سهولة أن أُوكِل ذلك إلى خادمي.»
واصلت الآنسة فان فلويك: «كنت على وشك أن أقول إننا يجب أن نسأل أنفسنا دائمًا: هل يمكن للرواية إرشاد القارئ وتوجيهه دون بث البهجة في نفسه؟»
تمتمت السيدة ليفيريت التي باتت تشعر بالضياع تمامًا: «امممم …»
قالت السيدة بالينجر، بعد أن استشعرت في كلام الآنسة فان فلويك نبرة استخفاف بفكرة استضافة أوزريك دين المأمولة: «لا أعتقد أن مِثل هذا السؤال يمكن طرحه جديًّا بشأن أكثر رواية جذبت اهتمام أهل الفكر منذ رواية روبرت إلزمير.»
هتفت لورا جلايد: «ألا ترون أن هذا اليأس المطلق من كل شيء، ذلك التدرج السوداوي الذي يَسود الرواية، هو ما يجعلها تحفة فنية؟ ذكَّرَتني هذه الرواية، عندما قرأتُها، ﺑ «النقش التظليلي» للأمير روبرت … ذلك الكتاب مرسوم بتقنية التظليل، وليس ملونًا، ومع ذلك يستشعر المرء فيه درجات الألوان بقوة …»
همست السيدة ليفيريت إلى جارتها: «مَن يكون؟ أهو شخص قابلَته في أثناء سفرها بالخارج؟»
وافقتها السيدة بالينجر، فقالت: «أجمل ما في الرواية أنه يمكن النظر إليها من عدة منظوراتٍ مختلفة. ولقد سمعتُ أن البروفيسور لوبتون اعتبرها لا تقل قيمةً عن كتاب «معطيات علم الأخلاق» من حيث كونُها دراسة لمبدأ الحتمية.»
قالت السيدة بلينث: «سمعتُ أن أوزريك دين أمضت عشر سنواتٍ في التحضير لتلك الرواية قبل أن تشرع في كتابتها. كانت تبحث عن كل شيء، وتتحقق من كل المعلومات. هذا هو مبدئي دائمًا كما تعلمن. كما أنني لا أُنحِّي أيَّ كتاب أقرؤه جانبًا قبل الفراغ من قراءته لمجرد أنني قادرة على شراء غيره.»
سألت السيدة روبي السيدة بلينث فجأة: «وما رأيكِ في رواية «أجنحة الموت»؟»
كان هذا سؤالًا يمكن تصنيفه بأنه خارج عن حدود اللياقة، فنظرت السيدات بعضهن إلى بعض، كأنهن يبرِّئن أنفسهن من المشاركة في ذلك التطاول. إذ كن جميعًا يعلمن أنه ما من شيءٍ تكرهه السيدة بلينث قدر كراهتها أن يسألها أحدٌ عن رأيها في كتاب. كانت السيدة بلينث تؤمن أن الكتب كُتبت لتُقرأ فحسب، فإذا قرأها المرء فقد أدى ما عليه تجاهها. أما أن يسألها أحدٌ بالتفصيل عن محتويات كتاب، فتلك إهانة صارخة لشخصها، تعادل إهانة تفتيشها ذاتيًّا في مصلحة الجمارك بحثًا عن ملابس دانتيل مُهرَّبة. ولقد احترمت عضوات النادي حساسيتها الغريبة تلك. فقد اتسمت آراءُ السيدة بلينث بأنها إلزامية ومطلقة، كان عقلها مثل منزلها، مليئًا بالتحف الثمينة التي يُحظر على أي أحد الاقتراب منها أو لمسها، ولقد كان من القواعد الضمنية للنادي وجوبُ احترام آراء كل عضوة فيما يخص مساحتها الشخصية. وهكذا انتهى الاجتماع بتزايد قناعة السيدات بعدم أهلية السيدة روبي لأن تصير واحدة منهن على الإطلاق.





