📰 آخر الأخبار
ما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السيابوجع ُ القصيدة/حبيب الإبراهيمالعقل العربي/حميد المصباحيفبرغم الكسوف/ سالم الياس مدالوإحداثيات توطين الجمود الديني/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلتداخل الأزمنة / سوران محمدفحولة الشيطان/أ.مالك بن فرحات ليس لي منكَ افتكاكا /‏غنوة مصطفىخطة إنقاذ الجامعات العراقية: من صدمة شنغهاي إلى صناعة الجامعة البحثية/ قسم البحوثأناهيت الضحى - خزعل الماجدي - العراقالتنزيل والتأويل/( قراءة في فقه جماعات الإسلام السياسي )-الدكتور بليغ حمدي إسماعيل-مصرتَعْمِيَّة/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيحوار شاعرة الزجل المصرية رحاب لطفي/ حاوره: بسام الطعانUnder the Same Sky/ Dr Haroon Rashid Ahcène MARICHE/the man who speaks littleWhat Philosophy Is/Anna Zanidakiسحر البنان : قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالإنسان/أسامة محمد صالح زامل
ما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السيابوجع ُ القصيدة/حبيب الإبراهيمالعقل العربي/حميد المصباحيفبرغم الكسوف/ سالم الياس مدالوإحداثيات توطين الجمود الديني/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلتداخل الأزمنة / سوران محمدفحولة الشيطان/أ.مالك بن فرحات ليس لي منكَ افتكاكا /‏غنوة مصطفىخطة إنقاذ الجامعات العراقية: من صدمة شنغهاي إلى صناعة الجامعة البحثية/ قسم البحوثأناهيت الضحى - خزعل الماجدي - العراقالتنزيل والتأويل/( قراءة في فقه جماعات الإسلام السياسي )-الدكتور بليغ حمدي إسماعيل-مصرتَعْمِيَّة/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيحوار شاعرة الزجل المصرية رحاب لطفي/ حاوره: بسام الطعانUnder the Same Sky/ Dr Haroon Rashid Ahcène MARICHE/the man who speaks littleWhat Philosophy Is/Anna Zanidakiسحر البنان : قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالإنسان/أسامة محمد صالح زامل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

شينجو – إديث وارتون-ترجمة أسماء الطيفي

الفصل الثاني

في اليوم المرتقَب، وصلت السيدة ليفيريت إلى منزل السيدة بالينجر مبكرًا، تحمل في جيبها نسختها من كُتيِّب «لكلِّ مقام مقال».

كانت السيدة ليفيريت تشعر بالتوتر دائمًا إذا وصلت متأخرة إلى اجتماع «نادي الغداء»؛ إذ كانت تحب أن تستغل وقت تجمُّع العضوات الأخريات في لملمة شتات أفكارها ومحاولة استشفاف المجرى المحتمَل للنقاشات. لكنها اليوم شعرت بالضياع تمامًا؛ وحتى وجود نسختها المألوفة من كُتيِّب «لكلِّ مقام مقال»، التي كانت ملاصقة لها عند جلوسها، فشل في بث الطمأنينة في قلبها. كان كُتيِّبًا رائعًا، أُلِّف ليساعد القُراء في مواجهة شتى أنواع المواقف الاجتماعية؛ ولذا لن يَعدَم قارئُه مقولةً تتناسب مع أي موقف اجتماعي، سواءٌ كان مناسبة سعيدة أو حزينة (حسب التصنيف)، أو مأدبة اجتماعية أو رسمية، أو حفل معمودية سواءٌ كان تابعًا إلى الكنيسة الرسمية لإنجلترا أو إلى طائفةٍ أخرى. ومع أن السيدة ليفيريت عكفت على دراسة صفحاته سنوات، من قبيل الدعم المعنوي لا الاستفادة العملية — إذ كانت تردد الكثير من الاقتباسات في خصوصية غرفة نومها — فقد كانت تنمحي تلك الاقتباسات من ذهنها دائمًا في اللحظة الحرجة، حتى الجملة الوحيدة التي حفظَتها — «أتصطاد لوياثان بِشَصٍّ؟» — لم تجد يومًا سياقًا مناسبًا لاستخدامها فيه.

واليوم شعرت السيدة أنها حتى لو كانت تحفظ الكُتيِّب عن ظهر قلب، لما أشعرها ذلك بالطمأنينة؛ إذ خطر ببالها أنها حتى لو حدث بمعجزةٍ ما أن تذكرت اقتباسًا من الكتاب، فلا يُستبعَد أن يوجد مع أوزريك دين كتاب آخر من هذا النوع (كانت السيدة ليفيريت لديها قناعة أن المشتغلين بالأدب يحملون مثل هذه الكتب معهم أينما ذهبوا)؛ ومن ثَم لن يكون للاقتباس الذي ذكرته أيُّ وقع عليها.

وزاد من شعور السيدة ليفيريت بالارتباك طريقةُ تنسيقِ غرفة استقبال السيدة بالينجر. بَدت الغرفة، إلى العين غير المهتمة بالتفاصيل، على حالها لم تتغير، لكن العين الخبيرة بطريقة ترتيب السيدة بالينجر لكتبها كانت ستلحظ اختلافًا جديدًا طرأ عليها. بصفتها عضوة في «نادي الغداء» كان اختصاص السيدة بالينجر هو «كتاب اليوم». وأيًّا كانت ماهية الكتاب، روايةً كان أم بحثًا في علم النفس التجريبي، تجدها مطلعة عليه وتناقشه بكل ثقة ويقين. أين ذهبَت كُتب العام الماضي أو حتى كُتب الأسبوع الماضي؟ وماذا فعلَت بالموضوعات التي ناقشَتها في السابق بالقدر نفسه من الثقة؟ لا أحدَ يعلم. كان عقل السيدة بالينجر مثل الفندق، تأتي إليه الحقائق وترحل منه مثل النُّزلاء العابرين، دون أن تترك عنوانًا خلفها، أو تدفع ثمن الإقامة في كثير من الأحيان. ولطالما تفاخرت السيدة بالينجر بأنها «مُطلعة» على «التوجهات الفكرية المعاصرة»، وشعرت أن خير تعبير عن مواكبتها لكل ما هو جديد هو الكتب القابعة على طاولتها. كانت هذه المجلدات، التي كانت تتجدد باستمرار ما إن تصدر كُتب جديدة من المطابع، تحمل عادةً أسماءً غير مألوفة لدى السيدة ليفيريت، وكانت السيدة ليفيريت، عندما تتفحصها خلسة، تأخذ لمحة عن مجالات المعرفة التي ينبغي لها أن تخوض فيها كي تلحق بالسيدة بالينجر؛ مما كان يصيبها بالإحباط. لكنِ اليوم كانت بعض المجلدات القديمة تختلط بلمساتٍ حاذقة بأحدث الإصدارات؛ فقد زاحم كارل ماركس البروفيسور هنري برجسون، وقبعت «اعترافات القديس أوغسطين» بجوار أحدث الأعمال عن الوراثة المِندِلية؛ ولذا كان واضحًا حتى للسيدة ليفيريت المرتبكة أن السيدة بالينجر ليست لديها أدنى فكرة عما قد تناقشه أوزريك دين من أفكار؛ ومن ثَمَّ فقد اتخذت تدابيرها الاحتياطية تحسبًا لأي مفاجآت. شعرت السيدة ليفيريت أنها مِثل راكبٍ في باخرة تعبر المحيط، قِيل له إنه لا يوجد خطر وشيك، لكن عليه أن يضع سُترة النجاة تحسبًا.

تنفست السيدة ليفيريت الصُّعَداء عندما انتشلها وصولُ الآنسة فان فلويك من هواجسها.

سألت الوافدةُ الجديدة مُضيفتَها بسرعة: «أخبريني يا عزيزتي، ما الموضوعات التي سنناقشها اليوم؟»

كانت السيدة بالينجر تستبدل خلسةً بديوان للشاعر ويليام وُردزْوُرث ديوانًا للشاعر بول فيرلان. وأجابتها بعصبية نوعًا ما: «ليس لديَّ الكثير من المعلومات. قد يكون من الأفضل أن نترك ذلك للظروف.»

كررت الآنسة فان فلويك بنبرةٍ لاذعة: «نتركه للظروف؟ أظن ذلك يعني أن لورا جلايد ستقود دفة الحديث كالعادة، وستُغرقنا بحديثها عن الأدب.»

كان العمل الخيري والإحصاء مجالَي اطِّلاع الآنسة فان فلويك، فضايقها احتمال أن يصرف شيء انتباه ضيفتهن عن هذين الموضوعَين.

ظهرت السيدة بلينث في تلك اللحظة.

واحتجَّت قائلة بنبرة اعتراض: «الأدب؟ لكن هذا غير متوقَّع بالمرة. فهمتُ أننا سنتحدث عن رواية أوزريك دين.»

تضايقت السيدة بالينجر من اعتراضها، لكنها تركت الأمر يمر مرور الكرام. واقترحت: «لا يليق أن نجعل الرواية موضوعنا الرئيسي؛ على الأقل لن نتعمَّد ذلك. سنترك حديثنا ينساق إليها بلا شك، لكن يجب أن تكون لدينا موضوعاتٌ أخرى للنقاش التمهيدي، وهذا ما أودُّ مناقشته معكن. في الواقع، لا نعلم الكثير عن تفضيلات أوزريك دين واهتماماتها؛ ولذا سيكون من الصعب تجهيز موضوع معين للنقاش.»

قالت السيدة بلينث بحزم: «قد يكون صعبًا لكنه ضروري. أعلم ما ستؤدي إليه هذه الطريقة الارتجالية. وكما أخبرتُ بنتًا من بنات إخوتي، منذ بضعة أيام، توجد مواقف اجتماعية يتعيَّن على أي سيدة راقية أن تكون متأهبةً دائمًا لأن تُحسِن التصرف فيها. فمن غير اللائق تمامًا لسيدةٍ أن ترتدي ثيابًا ملونة عند الذَّهاب لتعزية شخصٍ ما، أو أن ترتدي فستانًا انتهت موضته عندما تنتشر الأقاويل حول تعسُّر زوجها ماديًّا، وهكذا الأمر مع النقاشات. كل ما أطلبه هو أن أعلم مسبقًا الموضوع الذي سيُطرح للنقاش، حتى أطمئن إلى استعدادي الكافي له.»

وافقتها السيدة بالينجر قائلة: «أتفق معكِ، لكن …»

وفي تلك اللحظة، ظهرت أوزريك دين على عتبة الباب، بعد أن أعلنت عن قدومها خادمةُ الاستقبال المضطربة.

فيما بعد، أخبرت السيدة ليفيريت شقيقتها أنها تنبأت بما سوف يحدث منذ أن وقعت عيناها على أوزريك دين. إذ أدركت أنها لن تتواضع لهن. فقد دَلَفت السيدة البارزة إلى الغرفة كالمرغمة بفتور لا يتناسب مع الحفاوة التي استقبلنها بها. بدت كأنما جاءت كي تُلتَقط لها صورة فوتوغرافية مع نسخة جديدة من كُتبها.

في العادة، تتناسب رغبةُ المرء في استرضاء غيره عكسيًّا مع استجابته لها؛ ومن ثَمَّ فقد أثار الفتور الذي دخلت به أوزريك دين حماسَ عضوات «نادي الغداء» لاسترضائها. وبدَّد أسلوبُها فكرةَ أنها ملزمة باحترام مُضيفاتها من أذهانهن؛ فكما قالت السيدة ليفيريت لشقيقتها فيما بعد، كانت أوزريك دين تنظر إلى المرء على نحوٍ يُشعره بأن ثَمة عيبًا في مظهره. هذه الخيلاء كان لها تأثيرها الفوري على السيدات، اللاتي ارتجفت أجسادهن رهبةً عندما استدارت السيدة روبي لهن، في أثناء انشغال السيدة بالينجر بإرشاد السيدة البارزة إلى غرفة الطعام، وهمست: «يا لها من امرأة فظَّة!»

ولم تُغيِّر الساعة التي أمضتها الضيفة والسيدات جالساتٍ إلى مائدة الطعام من ذلك الحُكم شيئًا. فقد أمضتها أوزريك دين في تناول الطعام الذي أعدته السيدة بالينجر في صمت، في حين أمضتها عضواتُ النادي في إمطارها بالعبارات المبتذلة المترددة، التي بدت كأنها تبتلعها بسرعة وبلا اكتراث كأصناف الطعام المقدَّمة لها.

أدَّى تردُّد السيدة بالينجر في اختيار موضوعٍ بعينه للنقاش إلى وقوع عضوات النادي في فوضى فكرية، ازدادت حِدَّتها بعودتهن إلى غرفة الاستقبال، حيث كان من المفترض أن يُفتَح موضوع النقاش الأساسي. وجلست كلٌّ منهن تنتظر أن تأخذ أخرى بزمام المبادرة وتفتح باب النقاش، كما سادت موجة عارمة من الإحباط، عندما فتحت مضيفتهن الحديث بذلك السؤال المألوف المثير للحرج: «هل هذه زيارتكِ الأولى إلى بلدة هيلبريدج؟»

شعر الجميع، حتى السيدة ليفيريت، أنَّ البداية ليست موفقة، ودفعت رغبةٌ مُبهمة، ناجمة عن الاستنكار، الآنسةَ جلايد إلى مقاطعة السيدة بالينجر، وقالت: «إنها بلدة صغيرة حقًّا.»

انزعجت السيدة بلينث، فتحدثَت بنبرةِ مَن يدافع عن طبقته الاجتماعية: «لدينا الكثير من الممثلين الرفيعي الشأن.»

التفتت أوزريك دين إليها وسألتها: «ممثلين عن ماذا؟»

زادَ جهلُ السيدة بلينث بموضوع النقاش مسبقًا من كراهيتها الشديدة للأسئلة، ومرَّرت السؤال إلى السيدة بالينجر بنظرةٍ توبيخية.

قالت السيدة بالينجر وهي تنظر بدورها إلى الأخريات: «آملُ ألا أكون مبالِغةً إذا قلتُ إن مجتمعنا يمثل الثقافة.»

قاطعتها الآنسة جلايد: «يمثل الفن …»

نقَّحت السيدة بالينجر: «الفن والأدب.»

أضافت الآنسة فان فلويك بانفعال: «وعلم الاجتماع …»

قالت السيدة بلينث وقد شعرت بالثقة فجأةً في فضاء الموضوعات العامة الرحب: «لدينا معيار.»

ورأت السيدة ليفيريت أن هناك مجالًا حتمًا لأن تؤكد على تلك العبارة العامة، فاستجمعت شجاعتها وتمتمت: «بالتأكيد، لدينا معيار.»

واصلت السيدة بالينجر: «هدف نادينا الصغير هو أن نُشكِّل كوكبة من أسمى الاهتمامات الفكرية في بلدة هيلبريدج؛ أن نُوحِّد جهودها الفكرية ونحشدها.»

كان وقْعُ هذه العبارة طيبًا للغاية في نفوس السيدات، فتنفسن الصُّعَداء بصوت يكاد يكون مسموعًا.

واصلت رئيسة النادي: «نطمح إلى مواكبة كل ما هو سامٍ وراقٍ في الفن والأدب وعلم الأخلاق.»

التفتت أوزريك دين نحوها. وكرَّرت بنبرة متسائلة: «علم الأخلاق؟»

سَرى القلقُ في الغرفة بشكل ملحوظ. لم تكن أيٌّ من السيدات بحاجة إلى التحضير المُسبق لإبداء رأيها في مسألة تتعلق بالأخلاق، لكن عندما تحوَّل السؤال من الأخلاق إلى علم الأخلاق اختلفَ الأمر. كان يَسهُل على عضوات النادي مناقشة أي موضوع بثقة بعد أن يطَّلعن عليه في «الموسوعة البريطانية» أو «دليل القارئ» أو «القاموس الكلاسيكي» مباشرةً، لكن عند مباغتتهن بالسؤال تختلط عليهن الأمور؛ فقد حدثَ أن عرَّفن اللاأدرية بأنها بدعة ابتدعتها الكنيسة القديمة، والبروفيسور فرويد بأنه عالِم بارز في علم الأنسجة، ولا تزال العضوات الأقل اطِّلاعًا، كالسيدة ليفيريت، يعتقدن في قرارة أنفسهن أن علم الأخلاق نوعٌ من الهرطقات الوثنية.

حتى السيدة بالينجر وجدت سؤال أوزريك دين مُربكًا، وساد شعور عام بالامتنان، عندما تقدَّمت لورا جلايد، وقالت بنبرة تتقاطر تفهُّمًا: «اعذرينا يا سيدة دين؛ لأننا لا نقدر حاليًّا على مناقشة أي شيءٍ باستثناء رواية «أجنحة الموت».»

قالت الآنسة فان فلويك التي قررت فجأةً أن تنقل المعركة إلى أرض العدو: «أجل. نحن متحمساتٌ جدًّا لمعرفة الغرض الذي كنتِ تركزين عليه تحديدًا، وأنتِ تكتبين روايتكِ الرائعة.»

تدخلت السيدة بلينث قائلة: «ستجدين أننا لسنا قارئاتٍ سطحيات.»

واصلت الآنسة فان فلويك: «نحن متحمساتٌ لمعرفة ما إن كانت النزعة التشاؤمية في الرواية تعبيرًا عن قناعتكِ الشخصية أم …»

قاطعتها الآنسة جلايد بحِدَّة مكملةً: «أم أنها مجرد خلفية قاتمة أُضيفت إلى الرواية كي تبرز شخصياتها. أنتِ تُطوِّعين أسلوبكِ حسب مقتضيات الرواية، أليس كذلك؟»

اقتحمت السيدة بالينجر المحادثة وقالت: «لطالما اعتقدتُ أنكِ تمثلين الطريقة الموضوعية تمامًا …»

تناولت السيدة أوزريك دين كوب القهوة بتأنٍّ. ثم سألتها: «وما تعريف الموضوعية في رأيكِ؟»

سادَ صمتٌ مشحون بالتوتر قبل أن تغمغم لورا جلايد بانفعال: «عند قراءة كتبكِ، لا نَعمِد إلى التعريفات وإنما إلى المشاعر.»

ابتسمت أوزريك دين. وعلَّقت: «كثيرًا ما يكون المُخَيخ حاضنًا للمشاعر التي يُثيرها الأدب.» وتناولت قطعةً أخرى من السكر.

فرحت السيدات بمخاطبتها لهن بهذه اللغة المتخصصة فرحةً بدَّدت إحساسهن بالسخرية الكامنة في تعليقها.

قالت الآنسة فان فلويك باعتزاز: «آه، المُخَيخ. أخذت عضوات النادي دورة في علم النفس الشتاء الماضي.»

سألت أوزريك دين: «في أي موضوعٍ في علم النفس؟»

أعقبَ سؤالَها صمتٌ مشوب بالحَرج، حيث راحت كل عضوةٍ تستنكر على الأخرى، في قرارة نفسها، عدم كفاءتها على هذا النحو المزعج. وحدها السيدة روبي التي واصلت احتساء نبيذ شارتروز بهدوء. وأخيرًا، قالت السيدة بالينجر، بنبرةٍ تصنَّعت فيها الثقافة: «حسنًا، في الحقيقة، كما تعلمين، درسنا علم النفس العام الماضي، لكننا في شتاء العام الحالي انشغلنا ﺑ …»

وسكتت، وهي تحاول استدعاءَ بعض مناقشات النادي في توتر، لكنها شعرت أن عقلها تجمَّد من نظرة أوزريك دين المرعبة. ما الذي انشغلَ به النادي؟ كرَّرت السيدة بالينجر العبارة ببطءٍ، لمجرد كسب بعض الوقت: «انشغلنا للغاية ﺑ …»

وضعت السيدة روبي كأس النبيذ، واقتربت من جماعة النادي، بابتسامة على مُحيَّاها.

واقترحت بلطفٍ: «شينجو؟»

اختلجت صدور الأخريات من الإثارة. وتبادلن نظراتٍ مرتبكة، قبل أن يلتفتن جميعًا إلى منقذتهن، بنظرة تساؤل يشوبها الارتياح. وعكَس وجه كلٍّ منهن درجة مختلفة من الشعور نفسه. كانت السيدة بلينث أول مَن بدت عليها الثقة، وكاد وجهها، بعد هذا التحوُّل السريع، يوحي بأنها هي مَن لقَّنت كلمة «شينجو» للسيدة بالينجر.

هتفت الأخيرة بحماسها المعتاد: «شينجو، بالتأكيد!» في حين بدا على الآنسة فان فلويك والآنسة لورا جلايد انشغالُهما بالبحث في أعماق الذاكرة، أما السيدة ليفيريت التي كانت تتحسَّس كُتيِّب «لكلِّ مقام مقال» بتوجُّس، فقد استمدت بعض الطمأنينة من كونه معها ملاصقًا لها.

كان التغير الذي طرأ على تعابير وجه أوزريك دين مفاجئًا بقدر التغير الذي طرأ على مضيفاتها. وضعت كوب القهوة على الطاولة وقد بدا عليها الانزعاج بوضوح، ثم ارتسم على وجهها، للحظة عابرة، تعبيرٌ وصفَته السيدة روبي لاحقًا بأنه يوحي بمحاولتها استدعاء شيءٍ من ذاكرتها البعيدة، وقبل أن تستطيع إخفاء علامات الضعف اللحظية هذه، التفتت إليها السيدة روبي بابتسامة تفيض إجلالًا، وقالت: «وكنا نأمل أن تخبرينا اليوم عن رأيكِ في شينجو.»

اعتبرت أوزريك دين الإجلال الذي حملَته ابتسامة السيدة روبي أمرًا مسلَّمًا به، لكن من الواضح أن السؤال المصاحب لها أصابها بالإحراج، وتبيَّن للسيدات وهن ينظرن إليها أنها تعجز عن تغيير تعابير وجهها بالسرعة الكافية. بدا كأن قسمات وجهها قد تجمَّدت على تعبير الفوقية المطلقة لفترة طويلة، لدرجة أن عضلاتها تيبَّست ورفضت الانصياع لأوامرها.

قالت كأنها تسعى هي أيضًا إلى كسب الوقت: «شينجو …»

ألحَّت عليها السيدة روبي. فقالت: «لو علمتِ كم هو موضوعٌ شائق، فستفهمين لماذا نحَّت عضواتُ النادي كلَّ الموضوعات الأخرى جانبًا بصفة مؤقتة. منذ أن بدأنا ننشغل بشينجو، لن أبالغ إذا قلت إننا غفَلنا كل شيء سواه باستثناء كُتبكِ.»

ابتسمت أوزريك دين ابتسامة متوترة، أظلم لها وجهها بدلًا من أن تنبسط أساريره. وقالت بشفتَين مزمومتَين: «يسعدني أنكن استثنيتن كُتبي.»

قالت السيدة روبي بلطف: «أوه، ما من شكٍّ في ذلك، لكن لأنكِ بيَّنتِ لنا بكل عفوية أنكِ لا تكترثين بالحديث عن كُتبكِ، فلا يسعنا أن ندعكِ قبل أن تُحدثينا عن رأيكِ في شينجو تحديدًا، لا سيما …» وابتسمت ابتسامة أكثر إقناعًا وتابعت: «أن بعض الأشخاص يقولون إن كتابًا من كُتبكِ الأخيرة متشبع به.»

إذَن فهو شيء وليس شخصًا، سرت الطمأنينة في نفوس العضوات الأخريات المترقبات كالنار في الهشيم. وفي خضم حماسهن للعثور على أي خيط يقودهن إلى شينجو، نَسِينَ تقريبًا أن يستمتعن بمشاهدة السيدة دين مُحرجةً.

احمرَّ وجه الأخيرة بعصبية أمام تحدي غريمتها. وسألت بنبرة مترددة: «هل لي أن أسألكِ عن أي كتابٍ تتحدثين بالضبط؟»

لم تتردد السيدة روبي. وأجابت: «هذا ما أريدكِ أن تُحدثينا عنه؛ لأنني كنت حاضرة لكني لم أشارك.»

سألت السيدة دين بنبرة تحدٍّ: «حاضرة أين؟» ولوهلة ظنت سيدات «نادي الغداء» المرتجفات أن البطلة التي أرسلَتها المشيئة الإلهية لنجدتهن أدركَتها الهزيمة. لكن السيدة روبي أوضحت قصدها بمرح: «أقصد حاضرة النقاش بالطبع. ولذا فإننا متلهفات إلى معرفة كيف خُضتِ في الشينجو.»

تلا ذلك صمتٌ مشئوم، صمتٌ مثقَل بالمخاطر غير المحسوبة، حتى إن السيدات جميعًا سكتن عن الكلام، مثلما يضع الجنود أسلحتهم عند مشاهدة نزال فردي بين اثنين من قادتهم. بعد ذلك، عبَّرت السيدة دين عن أعمق مخاوفهن، عندما قالت بحِدَّة: «آهٍ، تقولين الشينجو، أليس كذلك؟»

ابتسمت السيدة روبي ببسالة: «هذه تفصيلة غير فارقة بعض الشيء، ألا تعتقدين ذلك؟ أنا عن نفسي أحذفُ «أداة التعريف» دائمًا، لكني لا أعلم رأي العضوات الأخريات في هذا الشأن.»

بَدت على الأخريات رغبتُهن في أن تُعفيَهن من التعبير عن آرائهن، فواصلت السيدة روبي، بعدما جالت ببصرها فيهن مبتهجةً، وقالت: «على الأغلب هن يوافقنني على أن لا شيءَ يهم حقًّا إلا الشيء نفسه … شينجو.»

لم يخطر ببال السيدة دين ردٌّ فوري، واستجمعت السيدة بالينجر شجاعتها لتقول: «بالتأكيد، كلنا نتشارك هذا الشعور تجاه شينجو.»

أيَّدتها السيدة بلينث بصوتٍ خافت حازم، في حين تنهدت لورا جلايد تنهيدة تفيض بالمشاعر: «أعرف حالاتٍ غيَّر فيها حياةً بأكملها.»

قاطعَتها السيدة ليفيريت التي بدا أنها تذكَّرت أنها قرأته أو درسته الشتاء الماضي: «لقد نفعني كثيرًا.»

اعترفت السيدة روبي: «بكل تأكيد. تكمن الصعوبة في ضرورة تخصيص الكثير من الوقت لأجله. فهو طويل جدًّا.»

قالت الآنسة فان فلويك: «لا أتصوَّر أن يضن المرءُ بوقته على شيءٍ بتلك الأهمية.»

واصلت السيدة روبي: «وذلك العمق أيضًا، فهو بالغ العمق في بعض مواضعه، وليس من السهل تخطِّيه.» (أتُراه كتابًا إذن!)

قالت السيدة بلينث بنبرة قاطعة: «أنا لا أتخطى أبدًا.»

«والتخطي خطير في شينجو. حتى في بدايته، توجد أجزاء يقف المرء عاجزًا حيالها. لكن على المرء أن يخوض فيها.»

قالت السيدة بالينجر بنبرة متهكمة: «لا أرى وصفَ ذلك بالخوض مناسبًا.»

نظرت إليها السيدة روبي بنظرة تنم عن الاهتمام. وقالت: «آه، لطالما وجدتِه في غاية السهولة، أليس كذلك؟»

ترددت السيدة بالينجر. ثم قالت في إذعان: «توجد أجزاء صعبة بلا شك.»

أضافت السيدة روبي: «أجل، وبعضها غير واضح تمامًا، حتى لو كان المرء عارفًا بالأصل.»

نظرت إليها أوزريك دين بتحدٍّ مفاجئ، وسألتها: «وأنتِ عارفةٌ بالأصل؟»

قابلت السيدة روبي نظرةَ التحدي بإيماءةٍ تنم عن استصغارها الأمر. قالت: «أوه، معرفة الأصل لم تكن صعبة حقًّا حتى مرحلة معينة، مع أن بعض الفروع غير معروفة تقريبًا، ويكاد يكون الوصول إلى المصدر مستحيلًا.»

سألت السيدة بلينث وهي لا تزال متشكِّكة في قدرة السيدة روبي على تحرِّي الدقة: «وهل جربتِ ذلك؟»

سكتت السيدة روبي بُرهة، ثم أجابت خافضة عينَيها: «لا، لكن أحد أصدقائي فعل ذلك، وهو عبقري جدًّا، وأخبرني أن من الأفضل للسيدات ألا …»

اجتاحت موجة من التوتر أنحاء الغرفة. سعلت السيدة ليفيريت حتى لا تسمع خادمةُ الاستقبال، التي كانت تُقدِّم السجائر إلى الزائرات، تعليقَ السيدة روبي، واكتسى وجه الآنسة فان فلويك بالاشمئزاز، وبدت السيدة بلينث كأنها اجتازت شخصًا أدنى مقامًا من أن تحييه. لكن أهم أثر لكلمات السيدة روبي كان ذلك الذي أحدثته في نفس ضيفة «نادي الغداء» الرفيعة الشأن. فقد لانت ملامح أوزريك دين القاسية، واكتست بشفقة إنسانية دافئة للغاية، وسألت السيدة روبي وهي تقرِّب مقعدها منها: «أحقًّا قال ذلك؟ وهل وجدتِ كلامه صائبًا؟»

ولم تقبل السيدة بالينجر — التي بدأ استياؤها من ادعاء السيدة روبي لنفسها مكانةً مرموقة على غير حقيقتها، يحل محل شعورها بالامتنان للمساعدة التي قدمتها — أن تسمح للسيدة روبي بالاستحواذ على اهتمام ضيفتهن بهذه الطرق الملتوية المراوغة. وفكرت في أنه إذا لم يكن لأوزريك دين من احترام الذات ما يجعلها تمتعض من وقاحة السيدة روبي، فعلى الأقل ستُبدي رئيسة «نادي الغداء» امتعاضها.

وضعت السيدة بالينجر يدها على ذراع السيدة روبي. وقالت بنبرة مهذبة فاترة: «يجب ألا ننسى أن شينجو رغم أهميته لنا، قد لا يكون كذلك ﻟ …»

قاطعتها أوزريك دين قائلة: «أوه، بل على العكس من ذلك، اطمئني.»

أنهت السيدة بالينجر عبارتها بحزم: «… للآخرين. ويجب ألا ندع اجتماعنا الصغير ينفضُّ دون أن نُقنع السيدة دين بالحديث عن الموضوع الأهم بالنسبة إلينا اليوم مما سواه. أقصد، بالتأكيد، رواية «أجنحة الموت».»

تشاركت العضوات الأخريات الرغبة نفسها بدرجاتٍ متفاوتة، وشجَّعهن اللينُ الذي طرأ على ملامح ضيفتهن المَهيبة، على أن يُكررن طلب السيدة بالينجر بقولهن: «أوه، أجل، حدِّثينا قليلًا عن روايتكِ.»

عادَ الضجر إلى وجه أوزريك دين، لكنه لم يمتزج بالاستعلاء الذي بدا عليها عندما ذكرت السيدات أعمالها المرة السابقة. لكن قبل أن تتمكن من الاستجابة إلى طلب السيدة بالينجر، نهضت السيدة روبي من مقعدها، وأنزلت خمار قبعتها الشفاف على أنفها الطائش.

وقالت، وهي تتوجه نحو مضيفتها وتمدُّ يدها لمصافحتها: «أنا آسفة جدًّا، لكني أرى أنه من الأفضل أن أرحل قبل أن تبدأ السيدة دين. فلسوء الحظ، لم أقرأ أيًّا من كُتبها كما تعلمن؛ ولذا لن أستطيع مواكبة حديثكن، بالإضافة إلى أنني لديَّ موعد للعب البريدج.»

لو أن السيدة روبي اكتفت بالتحجج بجهلها بأعمال أوزريك دين كي تنسحب من الاجتماع، فلربما اعتبرت عضواتُ «نادي الغداء» تصرُّفها ذلك حصيفًا، لا سيما في ضوء الحنكة التي أبدتها لتوِّها، لكن أن تضيف إلى عذرها ذلك الإعلان الفج بتخليها عن هذا الشرف كي تلعب البريدج، فذلك أمرٌ اعتبرنه دليلًا آخر على افتقارها إلى اللياقة بدرجة مُخزية.

لكن السيدات رأين أن رحيلها — بعدما أسدت إليهن هذه الخدمة الوحيدة التي لن تستطيع تقديم سواها — قد يجلب النظام والرقي إلى النقاش الوشيك، إلى جانب أنهن سيتخلصن من شعورهن بعدم الثقة الذي يخلقه وجودها بينهن لسبب غير واضح. لذلك، اقتصرت السيدة بالينجر على التعبير عن أسفها لرحيلها بنبرة رسمية خافتة، وبدأت الأخريات يحتشدن حول أوزريك دين في ارتياح، غير أن الأخيرة، لسوء حظهن، هبَّت ناهضةً عن الأريكة التي كانت تجلس عليها.

وصاحت مخاطبةً السيدة روبي: «انتظري، انتظري، سأذهب معك!» وصافحت السيدات المرتبكات واحدةً تلو الأخرى بطريقة جامدة سريعة، مثلما يثقب كمساري السكة الحديدية التذاكر.

وقالت عند عتبة الباب: «أنا في غاية الأسف، لكنني كنت قد نسيت …» وبينما انضمت إلى السيدة روبي التي استدارت إليها مندهشة من طلبها، شعرت الأخريات بالإهانة عندما سمعنها تقول بصوت عالٍ لم تتكبد عناءَ خفضه احترامًا لهن: «اسمحي لي بالسير معكِ لجزءٍ من الطريق؛ إذ أودُّ أن أسألك بعض الأسئلة عن شينجو …»

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة