📰 آخر الأخبار
ما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السيابوجع ُ القصيدة/حبيب الإبراهيمالعقل العربي/حميد المصباحيفبرغم الكسوف/ سالم الياس مدالوإحداثيات توطين الجمود الديني/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلتداخل الأزمنة / سوران محمدفحولة الشيطان/أ.مالك بن فرحات ليس لي منكَ افتكاكا /‏غنوة مصطفىخطة إنقاذ الجامعات العراقية: من صدمة شنغهاي إلى صناعة الجامعة البحثية/ قسم البحوثأناهيت الضحى - خزعل الماجدي - العراقالتنزيل والتأويل/( قراءة في فقه جماعات الإسلام السياسي )-الدكتور بليغ حمدي إسماعيل-مصرتَعْمِيَّة/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيحوار شاعرة الزجل المصرية رحاب لطفي/ حاوره: بسام الطعانUnder the Same Sky/ Dr Haroon Rashid Ahcène MARICHE/the man who speaks littleWhat Philosophy Is/Anna Zanidakiسحر البنان : قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالإنسان/أسامة محمد صالح زامل
ما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السيابوجع ُ القصيدة/حبيب الإبراهيمالعقل العربي/حميد المصباحيفبرغم الكسوف/ سالم الياس مدالوإحداثيات توطين الجمود الديني/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلتداخل الأزمنة / سوران محمدفحولة الشيطان/أ.مالك بن فرحات ليس لي منكَ افتكاكا /‏غنوة مصطفىخطة إنقاذ الجامعات العراقية: من صدمة شنغهاي إلى صناعة الجامعة البحثية/ قسم البحوثأناهيت الضحى - خزعل الماجدي - العراقالتنزيل والتأويل/( قراءة في فقه جماعات الإسلام السياسي )-الدكتور بليغ حمدي إسماعيل-مصرتَعْمِيَّة/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيحوار شاعرة الزجل المصرية رحاب لطفي/ حاوره: بسام الطعانUnder the Same Sky/ Dr Haroon Rashid Ahcène MARICHE/the man who speaks littleWhat Philosophy Is/Anna Zanidakiسحر البنان : قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالإنسان/أسامة محمد صالح زامل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

شينجو – إديث وارتون-ترجمة أسماء الطيفي

الفصل الثالث

حدث كلُّ ذلك بسرعة شديدة، حتى إن الباب أُغلق خلف المرأتَين المغادرتَين قبل أن تستوعب الأخريات ما جرى. وبدأ الشعور بالإهانة الذي نزل بهن برحيل أوزريك دين الفظ، يتناحر مع شعورهن بالحيرة من سلبهن حقهن، دون أن يعرفن كيف أو لماذا حدث هذا.

وتلا هذه الحادثةَ صمتٌ، انشغلت في أثنائه السيدة بالينجر دون تركيز بإعادة ترتيب المختارات الأدبية المنسَّقة ببراعة، التي لم تُعِرها ضيفتها المرموقة ولو نظرةً سريعة، بعد ذلك، أعلنت الآنسة فان فلويك، بنبرةٍ لاذعة: «حسنًا، لا يمكنني القول إن رحيل أوزريك دين خَسارةٌ كبيرة.»

بلْوَر هذا الاعتراف استياءَ الأخريات، وهتفت السيدة ليفيريت: «أُومِن أنها جاءت كي تتصرف بوقاحةٍ عن قصد!»

وكان رأي السيدة بلينث الخاص أن موقف أوزريك دين تجاه «نادي الغداء» ربما كان سيختلف تمامًا لو أنها استقبلتها في صالة استقبال منزلها الفاخرة، لكنها لم ترغب في تسليط الضوء على عدم كفاءة منزل السيدة بالينجر، فلجأت إلى طريقٍ ملتوٍ لإشباع رغبتها، وانتقدت افتقارها إلى البصيرة.

قالت: «قلتُ من البداية إننا يجب أن نُجهِّز موضوعًا محددًا للنقاش. هذا ما يحدث دائمًا عندما لا يكون المرء مستعدًّا. لو أننا جهَّزنا موضوع شينجو …»

كانت عضوات النادي دائمًا ما يتجاوزن عن عدم حضور بديهة السيدة بلينث، لكن في هذه المرة تحديدًا تجاوز تعليقها حدودَ صبر السيدة بالينجر.

وقالت بنبرة ساخرة: «شينجو! إن سعة اطِّلاعنا عليه مقارنة بأوزريك دين — رغم أننا لم نحضِّر سلفًا لنقاشه — هو ما أثار غضبها الشديد. ظننتُ الأمر واضحًا وضوحَ الشمس!»

راقَ هذا الرد الذكي للسيدة بلينث نفسها، وقالت لورا جلايد بسماحة نفس مفاجئة: «صحيح. ينبغي أن نكون شاكرين إلى السيدة روبي، بكل ما تحمله كلمة الشكر من معنًى؛ إذ هي مَن طرحت الموضوع. ربما أثار الموضوع غضبَ أوزريك دين بشدة، لكنه على الأقل هذَّب سلوكها.»

أضافت الآنسة فان فلويك: «أنا سعيدة لأننا أريناها أن الثقافة المتبحِّرة في شتى الفنون، ومواكبة التطورات الحديثة، ليست حِكرًا على المراكز الفكرية الكبرى.»

ازداد رضا الأخريات بهذا الكلام، وبدأْنَ ينسَين غضبهن تجاه أوزريك دين، وسط فرحتهن بمساهمتهن في إحراجها.

مسحت الآنسة فان فلويك نظَّارتها في تأمل. وتابعت: «ما أدهشني حقًّا هو سعة اطِّلاع فاني روبي على شينجو.»

تسبَّب هذا التعليق في سريان جو من الفتور الطفيف في أرجاءَ المجلس، لكن السيدة بالينجر قالت بنبرة حملت تهكمًا مقنعًا: «تتمتع السيدة روبي بمهارة لفت الأنظار بالقدر الضئيل الذي تمتلكه من المعرفة، لكننا بالطبع نَدين لها بالامتنان لأنها تذكرت بالمصادفة سماعها عن شينجو.» وجدت الأخريات في هذا التعليق مجاملة كافية تُعفيهن من أي التزاماتٍ أخرى تجاه السيدة روبي للأبد.

حتى السيدة ليفيريت استجمعت شجاعتها لتشارك على استحياء بتعليقٍ لاذع. وقالت: «أتصوَّر أن أوزريك دين لم تتوقع أن تأخذ درسًا في شينجو في هيلبريدج!»

ابتسمت السيدة بالينجر. وقالت: «عندما سألتني ماذا تمثلون — أتذكرون؟ — ليتني قلتُ إننا نمثل شينجو!»

ضحكت جميعُ السيدات إعجابًا بهذه المزحة، باستثناء السيدة بلينث، التي قالت بعد لحظة من التفكير: «لستُ واثقة من أن ذلك كان سيُعَد تصرفًا حكيمًا.»

لكن السيدة بالينجر التي بدأت تشعر أنها أفحمت أوزريك دين بالرد الذي خطر ببالها للتو، التفتت إلى السيدة بلينث بنظرة ساخرة. وسألت: «هل لي أن أسأل عن السبب؟»

بدت الجدية على ملامح السيدة بلينث. وقالت: «بالتأكيد. فهمتُ من السيدة روبي نفسها أننا ينبغي ألا نتعمق فيه، أليس هذا ما قالته؟»

ردَّت الآنسة فان فلويك مصحِّحة: «أعتقدُ أن هذا ينطبق على تتبُّع أصل … أصل …» وفجأة، وجدت أن ذاكرتها، التي تتسم بالدقة في العادة، قد خانتها. فاختتمت كلامها: «ذلك جزءٌ من الموضوع لم أدرسه بنفسي من قبل.»

قالت السيدة بالينجر: «ولا أنا.»

مالت لورا جلايد نحوهن بعينَين متسعتَين. وقالت: «ومع ذلك، ألا توافقنني على أن ذلك الجزء هو الأكثر سحرًا وغموضًا؟»

قالت الآنسة فان فلويك مجادِلة: «ما دليلُكِ على هذا الكلام؟»

أجابت لورا جلايد: «ألم تلاحظي اهتمام أوزريك دين الشديد، فور أن سمعت ما قاله الأجنبي العبقري — كان أجنبيًّا، أليس كذلك؟ — ألم يخبر السيدة روبي عن أصل … عن أصل الطقوس، أو أيًّا كانت التسمية؟»

بدا الاستهجان على السيدة بلينث، واكتسى وجه السيدة بالينجر بتردد واضح. ثم قالت: «قد لا يُستحسن أن نتطرق إلى … إلى ذلك الجزء من الموضوع في حديثنا العام، لكن بالنظر إلى أهمية الموضوع، التي لا تخفى على أحد، لامرأةٍ رفيعة الشأن مثل أوزريك دين، ينبغي ألا نخاف من مناقشة هذا الجزء فيما بيننا، بصراحةٍ خلف الأبواب المغلقة، إذا اقتضت الضرورة ذلك.»

دعمتها الآنسة فان فلويك بسرعة: «أوافقكِ الرأي شريطة أن نتجنب الفُحش من القول.»

قالت السيدة ليفيريت بضحكةٍ مكتومة: «أعتقد أننا سنفهم دون الحاجة إلى استخدام ألفاظ فاحشة.» وأضافت لورا جلايد بنبرةٍ جادة: «أتصوَّر أننا يمكننا قراءة ما بين السطور.» بينما نهضت السيدة بالينجر من مقعدها لتتأكد بنفسها أن الأبواب موصدة.

لم تمنح السيدة بلينث موافقتها. وأنشأت تقول: «لا أرى فائدة تعود علينا من تدارُس هذه الأعراف الغريبة …»

لكن طفحَ الكيل بالسيدة بالينجر. فردَّت: «على الأقل، لن نُوضع في موقفٍ مُهين مرة أخرى، ونجد أنفسنا أقل درايةً من فاني روبي بالمواضيع التي تهمنا!»

كانت الحجة مُقنِعة حتى للسيدة بلينث. فجالت بعينيها في الغرفة خِلسة، وخفضت نبرة صوتها القيادية، لتسأل: «ألديكِ نسخة؟»

تلعثمت السيدة بالينجر: «نسخة؟» كانت تدرك أن الأخريات ينظرن إليها في ترقُّب، وأن إجابتها غير كافية؛ ولذا عززتها بسؤالٍ آخر. «نسخة من ماذا؟»

وجهت رفيقاتها نظراتهن المترقِّبة نحو السيدة بلينث، التي بدت بدورها غير واثقة من نفسها على غير عادتها. وقالت مفسِّرة: «عجبًا، من … من … الكتاب.»

صاحت الآنسة فان فلويك بحِدَّة تكاد تضاهي حِدَّة أوزريك دين: «عن أي كتاب تتحدثين؟»

نظرت السيدة بالينجر إلى لورا جلايد، التي كانت عيناها تحدِّقان في السيدة ليفيريت في تساؤل. لم يكن هذا الاهتمام معهودًا لدى السيدة ليفيريت؛ مما دفعها إلى التصرف برعونة مجنونة. وهتفت: «شينجو بالطبع!»

ساد صمتٌ عميق بعد هذا التحدي لموارد مكتبة السيدة بالينجر، لكنها بعدما استرقت النظر إلى «كتب اليوم» بعصبية، أجابت بكبرياء: «يخشى المرء أن يترك كتابًا بهذه الأهمية هكذا.»

هتفت السيدة بلينث: «أتفق معكِ!»

قالت الآنسة فان فلويك: «هو كتاب إذَن، أليس كذلك؟»

أثار هذا السؤال الفوضى بين السيدات مرة أخرى، وردت السيدة بالينجر وهي تتنهد في ضجر: «بالطبع هناك كتاب عنه … بطبيعة الحال …»

سألت الآنسة فان فلويك: «لماذا سمَّته الآنسة جلايد دِينًا إذَن؟»

انتفضت لورا جلايد من مكانها وصاحت: «دِين! لم أقل أبدًا إنه …»

أصرَّت الآنسة فان فلويك: «أجل، فعلتِ، وتحدثتِ عن طقوس، ووصفَته السيدة بلينث بالعُرف.»

بدا على الآنسة جلايد أنها تحاول جاهدةً تذكُّر ما قالته، لكن تذكُّر التفاصيل الدقيقة لم يكن نقطة قوتها. وفي النهاية، طفقت تقول بصوتٍ خافتٍ عميق: «بالتأكيد، كانوا يفعلون شيئًا من هذا القبيل في أسرار إليوسيس …»

شرعت الآنسة فان فلويك تعترض قائلة: «أوه …» لكن قاطعتها السيدة بلينث محتجة: «فهمتُ منكِ أننا لن نلجأ إلى الكلام الفاحش!»

فقدت السيدة بالينجر السيطرة على أعصابها. وقالت: «حقًّا، من المؤسف جدًّا أننا لا نستطيع مناقشة الموضوع بيننا بهدوء. في رأيي أننا لو اضطُررنا إلى التطرق إلى شينجو …»

هتفت الآنسة جلايد: «أوافقكِ!»

أكملت السيدة بالينجر: «وكيف للمرء أن يتجنب الحديث عن هذا الموضوع إذا كان يرغب في مواكبة آخر المُجرَيات الفكرية …»

تنفست السيدة ليفيريت الصُّعَداء. وهتفت مقاطِعة: «هو ذلك إذَن!»

سألتها الرئيسة بتحدٍّ: «ماذا تقصدين؟»

أجابت السيدة ليفيريت: «أقصد أنه … فِكر؛ أي فلسفة.»

أشعرَ التعليقُ السيدةَ بالينجر ولورا جلايد ببعض الراحة، لكن الآنسة فان فلويك قالت: «سامحنَني إن قلتُ إن كلامكن خطأ كله. الشينجو هو لغة.»

هتفت عضوات «نادي الغداء» بصوتٍ واحد: «لغة!»

قالت الآنسة فان فلويك: «بالتأكيد. ألا تذكرن قول فان روبي إن هناك العديد من الفروع، بعضها يصعب تتبُّعه إلى الأصول؟ أهناك ما يَصدُق عليه هذا الوصف أكثر من اللهجات؟»

لم تستطع السيدة بالينجر كبح ضحكة متهكمة. وقالت: «إذا وصلَ «نادي الغداء» إلى مرحلة استشارة فاني روبي في موضوع مِثل شينجو، فمن الأفضل أن يختفي من الوجود!»

تدخلت لورا جلايد: «هذا خطأ فاني روبي؛ لأنها لم تتحدث بوضوح.»

ردَّت السيدة بالينجر بعدم اكتراث: «الوضوح وفاني روبي؟ أنَّى لهما أن يجتمعا! أكاد أجزم أننا سنجدها مخطئة في كل ما قالت.»

سألت السيدة بلينث: «لِمَ لا نبحث عنه في أحد المراجع؟»

عادةً ما يُغض الطرف عن هذا الاقتراح المتكرر من السيدة بلينث في خِضمِّ النقاشات، ولا يأخذن به إلا عندما تعود كلٌّ منهن إلى بيتها. لكن في الموقف الحالي، سادت رغبة لدى سيدات «نادي الغداء» في إرجاع سبب حيرتهن إلى عبارات السيدة روبي الغامضة والمتناقضة بطبيعتها؛ وهو ما دفعهن إلى الاستعانة بكتاب مرجعي لاستيضاح الأمر.

أخرجت السيدة ليفيريت مرجعها الثمين، فوضعها ذلك لوهلة في بؤرة الاهتمام، وهو أمر لم تعتَدْه، لكن ذلك لم يدُم طويلًا؛ إذ لم تجد أيَّ ذكر لشينجو في كُتيِّب «اقتباسات ملائمة».

هتفت الآنسة فان فلويك: «ليس هذا نوعَ المراجع المناسب للبحث فيه!» وألقت نظرة ازدراء إلى مجموعة كتب السيدة بالينجر، وأضافت بنفاد صبر: «ألا يوجد لديكِ أي كُتب نافعة؟»

ردَّت السيدة بالينجر بغضب: «بالطبع لديَّ. أحتفظ بها في غرفة ملابس زوجي.»

بعد البحث في غرفة الملابس لفترة، أحضرت خادمة الاستقبال الجزء الذي يتضمن الحرف المطلوب من «الموسوعة البريطانية»، ووضعت السيدة بالينجر المجلد الضخم أمام الآنسة فان فلويك لأنها هي مَن طلبته.

ساد الأجواءَ ترقبٌ محرج لبُرهة، في حين مسحت الآنسة فان فلويك نظَّارتها، ثم عدلتها، وراحت تبحث في هذا الجزء؛ ثم ندَّت عنها تمتمة مندهشة: «لا ذكر له هنا.»

قالت السيدة بلينث: «أعتقد أن مكانه ليس المراجع.»

هتفت السيدة بالينجر: «هُراء! جرِّبي البحث في حرف الشين دون أداة التعريف.»

عادت الآنسة فان فلويك إلى المجلد، وتأملت صفحاته من أعلاها إلى أسفلها، حتى توقفت وتجمدت نظرتها، مثل كلب عثَر على فريسته.

سألت السيدة بالينجر بعد فترة صمت طويلة: «حسنًا، هل وجدتِه؟»

أجابت الآنسة فان فلويك بصوتٍ غريب: «أجل. وجدتُه.»

تدخَّلت السيدة بلينث بسرعة: «أرجوكِ لا تقرئي بصوتٍ عالٍ إن كان هناك أي كلام فاحش.»

لكن الآنسة فان فلويك واصلت فحصها الصامت، دون أن تُجيب.

وصاحت لورا جلايد بحماس: «حسنًا، ما هو؟»

حثتها السيدة ليفيريت على الكلام، معتقدةً أنها ستسمع شيئًا شائنًا تقصُّه لاحقًا على مسامع أختها، وقالت: «هيَّا، أخبرينا!»

وضعت الآنسة فان فلويك المجلد جانبًا، والتفتت ببطءٍ إلى السيدات اللاتي كن ينظرن إليها في ترقُّب.

وقالت: «إنه نهر.»

سألن: «نهر؟»

أجابت: «أجل، نهر في البرازيل. أليس هذا هو البلد الذي أقامت فيه فترة؟»

هتفت السيدة بالينجر وهي تميل فوق الآنسة فان فلويك كي تلتقط المجلد: «مَن؟ فاني روبي؟ أوه، لا بد أنكِ مخطئة. لقد كنتِ تقرئين المفردة الخطأ.»

أصرَّت الآنسة فان فلويك: «لا يوجد غيره في الموسوعة، وقد كانت تعيش في البرازيل.»

تدخَّلت السيدة ليفيريت: «أجل، يعمل شقيقها قنصلًا هناك.»

تلعثمت السيدة بالينجر قائلة: «لا أصدق هذا! أنا … نحن … نحن جميعًا تذكَّرنا دراستنا لشينجو العام الماضي أو العام الذي يسبقه.»

اعترفت لورا جلايد: «خُيل إليَّ أنني درستُه عندما قلتِ إنكِ فعلتِ.»

صاحت السيدة بالينجر: «أنا قلتُ ذلك؟»

أجابت لورا جلايد: «نعم. قلتِ إنه شغلَ فكركِ تمامًا.»

ردَّت السيدة بالينجر: «وأنتِ قلتِ إنه غيَّر حياتك تمامًا!»

قالت لورا جلايد: «الشيء بالشيء يُذكر. قالت الآنسة فان فلويك إنها لم تندم على الوقت الذي خصَّصته له.»

تدخلت السيدة بلينث وقالت: «وضَّحتُ بما لا يدع مجالًا للالتباس أنني لا أعرف شيئًا عن الأصل.»

أوقفت السيدة بالينجر النزاع بزمجرة: «هل لذلك أي أهمية إن كانت قد تعمَّدت أن تجعل منا أضحوكة؟ أرى أن الآنسة فان فلويك محقة في كلامها … لقد كانت تتحدث عن النهر طيلة الوقت!»

صاحت الآنسة جلايد: «كيف جرؤت على ذلك؟ تلك وقاحة بالغة.»

استردت الآنسة فان فلويك الموسوعة، وأعادت نظَّارتها إلى أنفها، الذي احمرَّ من فرط الإثارة. وقالت: «أنصتن: «شينجو هو أحد الأنهار الرئيسية في البرازيل، ينبع من هضبة ماتو جروسو، ويتدفق شمالًا لمسافة لا تقل عن ألفٍ ومائةٍ وثمانية عشر ميلًا، ثم يلتحم بنهر الأمازون عند مصبِّ الأمازون. ويُعَد المجرى الشمالي لنهر شينجو غنيًّا بالذهب ويُغذيه العديد من الروافد. كان أول مَن اكتشف منبعه المستكشِف الألماني فون دين ستينين، في عام ١٨٨٤، بعد أن قام برحلة استكشافية صعبة وخطيرة في منطقة تسكنها قبائل بدائية».»

تلقت السيدات هذا البيان في حالة من الصمت والذهول، كانت السيدة ليفيريت أول مَن أفاقت منه. وقالت: «لقد تحدثَت عن وجود فروع له.»

بدت الكلمة الأخيرة كأنها قطعت آخِر حبل للنجاة كن يتشبَّثن به. قالت السيدة بالينجر بأنفاس لاهثة: «وتحدثت أيضًا عن طوله الكبير.»

أضافت الآنسة جلايد: «وقالت إنه عميق للغاية، ولا يمكن تخطِّيه، بل على المرء الخوض فيه.»

شقت الفكرة طريقها ببطءٍ عبر دفاعات السيدة بلينث المتينة. وسألت: «وما علاقة الفحش بالنهر؟»

سألن: «الفحش؟»

قالت السيدة بلينث: «أقصد ما قالته عن المصدر؛ ألم تقل إنه فاحش؟»

صحَّحت لها لورا جلايد: «لم تقل فاحشًا، بل قالت إن من الصعب الوصول إليه. وقد أخبرها بذلك شخص ذهب إلى هناك. أعتقد أنه المستكشِف نفسه؛ أليس مكتوبًا أن الرحلة الاستكشافية كانت خطيرة؟»

قرأت الآنسة فان فلويك: «صعبة وخطيرة.»

ضغطت السيدة بالينجر بيديها على صُدغَيها النابضَين. وقالت: «كل ما قالته ينطبق على نهر … على هذا النهر تحديدًا!» والتفتت إلى الأخريات بحماس. وأضافت: «ألا تذكرن حديثها عن عدم قراءتها لرواية «اللحظة الفارقة»؛ لأنها أخذتها في رحلة على متن قارب، في أثناء إقامتها مع أخيها، وأن شخصًا ما «قذف» بها في البحر؛ كلمة «قذف» هي التعبير الذي استخدمته بكل تأكيد.»

أكدت السيدات بأنفاس متقطعة أنهن يتذكرن استخدامها لهذا التعبير.

واصلت السيدة بالينجر: «حسنًا، أوَلم تذكر أوزريك دين أيضًا، أن أحد كُتبها كان متشبعًا بالشينجو؟ ذلك ما سيحدث له بالطبع، إذا ألقاه أحد أصدقائها المشاغبين في النهر!»

هذه المحاولة المدهشة لإعادة تفسير المشهد، التي شاركن فيها للتو، تركت سيداتِ «نادي الغداء» عاجزاتٍ عن الكلام. في نهاية المطاف، قالت السيدة بلينث بنبرة جادة، بعد أن بذلت جهدًا واضحًا في محاولة استيعاب المسألة: «لقد خُدعت أوزريك دين أيضًا.»

تشجَّعت السيدة ليفيريت عند هذه العبارة. وقالت: «ربما كان هذا هو هدف السيدة روبي. لقد وصفت أوزريك دين بالمرأة الفظَّة، وربما أرادت تلقينها درسًا قاسيًا.»

قطَّبت الآنسة فان فلويك حاجبَيها. وقالت: «لكن ما كان يجدر بها استغلالنا.»

قالت الآنسة جلايد بنبرة تشوبها المرارة: «على الأقل نجحت في الاحتفاء بها، وهو ما عجزنا عنه.»

ردت السيدة بالينجر: «وهل مُنحنا الفرصة أساسًا؟»

«لقد استحوذت السيدة روبي على اهتمام أوزريك دين منذ البداية. وهذا، بلا شك، كان بغرض أن تعطي لها انطباعًا خاطئًا عن مكانتها في النادي. فهي لا تتورع عن فعل أي شيءٍ لجذب الانتباه؛ جميعنا يعلم كيف خدعت البروفيسور فورلاند المسكين.»

قالت السيدة ليفيريت بنبرة حادة: «لقد أقنعَته أن يقيم حفلات الشاي والبريدج كلَّ خميس.»

صفقت لورا جلايد بيديها. وهتفت: «ها! اليوم هو الخميس، ولا بد أنها ذهبت هناك واصطحبت معها أوزريك!»

قالت السيدة بالينجر بنبرة حانقة: «ولا بد أنهما تسخران منَّا في هذه اللحظة.»

وجدت السيدات صعوبة في قَبول هذه الاحتمالية. قالت الآنسة فان فلويك: «لن تتجرأ على الاعتراف بخدعتها لأوزريك دين.»

قالت السيدة بالينجر: «لست متأكدة، أظن أنني رأيتُها تشير بيدها وهي تغادر. وإذا لم تفعل ذلك، فلماذا خرجت أوزريك دين راكضة في عقبها؟»

قالت السيدة ليفيريت، رغبةً في ردِّ غيبة السيدة روبي، وهي رغبة جاءت متأخرة بعض الشيء: «حسنًا، كما تعلمن، لقد تحدثنا إليها كثيرًا عن عظمة شينجو، وقالت أوزريك دين إنها تريد معرفة المزيد عنه.»

لكن هذا التذكير لم يخفِّف من غضب الأخريات، بل أجَّجه.

قالت لورا جلايد بسخرية: «أجل، وهذا ما يضحكان منه الآن تحديدًا.»

وقفت السيدة بلينث ولفَّت فروها الثمين حول جسدها الضخم. وقالت: «لا أقصد النقد، لكن إذا لم يتخذ «نادي الغداء» أي إجراءاتٍ لحماية عضواته من التعرُّض لمثل هذه … مثل هذه المواقف المحرجة، فأنا شخصيًّا …»

وافقتها الآنسة جلايد وهي تنهض من مقعدها أيضًا: «أجل، وأنا كذلك!»

أغلقت الآنسة فان فلويك المجلد، وطفقت تُزرِّر معطفها، وهي تقول: «وقتي ثمين للغاية …»

قالت السيدة بالينجر، وهي تطيل النظر إلى السيدة ليفيريت، التي كانت تنظر إلى الأخريات: «أرى أننا نتفق جميعًا في الرأي.»

أكملت السيدة بلينث: «أنا أرفض الفضائح دائمًا …»

هتفت الآنسة جلايد: «ولقد تسبَّبت السيدة روبي في فضيحة اليوم!»

قالت السيدة ليفيريت بما يشبه الأنين: «كيف تجرؤ على فعل ذلك؟!»

وقالت الآنسة فان فلويك، وهي تتناول دفتر ملاحظاتها: «بعض النساء لا يتورعن عن فعل أي شيء.»

تابعت السيدة بلينث حجاجها على نحو مبهر: «لكن إذا حدث شيء من هذا القبيل في منزلي (وألمحت نبرتها إلى استحالة حدوث ذلك)، فسأشعر أنني أدين لنفسي إما بطلب استقالة السيدة روبي … وإما بتقديم استقالتي.»

هتفت عضوات النادي في شهقة واحدة: «أوه، يا سيدة بلينث …»

واصلت السيدة بلينث بسماحة نفس مصطنعة: «ولحسن حظي أن رئيستنا لم تترك الأمر لي، إنما قررت أن استقبال الضيوف المرموقين هو اختصاصها وحدها، وأعتقد أنكن ستتفقن معي أنه ما دامت هي الوحيدة التي ترى ذلك، فلا بد أن تقرر وحدها الطريقة المثلى لمحو عواقب ما حدث … عواقبه المؤسفة جدًّا.»

تلا انفجارَ السيدة بلينث، الذي كانت قد كتمته فترةً طويلة، صمتٌ عميق.

قطعت السيدة بالينجر الصمت وأنشأت تقول: «لا أدري لماذا يُتوقع مني أن أطلب منها الاستقالة؟ …» لكن لورا جلايد استدارت إليها لتُذكِّرها: «تعلمين أنها جعلتكِ تقولين إنكِ وجدتِ شينجو في غاية السهولة.»

أفلتت من السيدة ليفيريت ضحكة لا تناسب ما يقتضيه واقع الحال، وأضافت السيدة بالينجر بحماس: «لكن لا تفكرن لحظةً أنني سأخاف من ذلك!»

أُغلق باب غرفة الجلوس خلف عضوات «نادي الغداء» المغادرات، وجلست رئيسة النادي الرفيعة الشأن إلى طاولتها، وأزاحت نسخة «أجنحة الموت» جانبًا كي تفسح المجال لمرفقها، ثم أخرجت ورقة من أوراق النادي، وبدأت تكتب: «عزيزتي السيدة روبي …»

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة