أيام غزة -1 للشاعرة الأميركية أنيتّا باروز-ترجمة نزار سرطاوي


– اليوم 746
وقف إطلاق النار الثالث، اليوم 12
عادت من المقبرة
لتجدَ جثثَ أفرادِ عائلتها:
ولدِها، وبناتِها الأربع
وزوجِها.
هي الوحيدة المتبقيّة
من بين كل اؤلئك الذين عاشت معهم،
أحدُ أبنائها لم يزل مفقودًا،
لم يزل تحت الأنقاض.
ما عاد التعرف على بيتها ممكنًا.
رجعت لتجلس بين قبور الذين دفنتهم
منذ بضعة شهورٍ.
وما وجدت سوى أحجارِ القبور.
الأرض جُرّفتْ. ثمةََ بقايا لبعضهم –
هل هُم أطفالها يا تُرى ؟ أم آخرون؟ –
يتعفّنون في الرمال. يُنْتَشلون.
ولا يمكنها التعرف عليهم:
ذراع. قدم.
أين يمكنها أن تبكيَهم؟
من سيساعدها – وبأية أدوات –
في انتشال جثّةِ طفلها
الذين لم يُدفَن بعدُ، فما يزال مدفونًا
تحت البيت المتهدم
الذي كان فيه يعيش ويلعب وينام؟
– اليوم 747
وقف إطلاق النار الثالث، اليوم 13
شقيقُك من بين السجناء
المُفرج عنهم.
كان مُحتَجزًا لأعوامٍ طوالٍ،
تحت التعذيب والاضطهاد.
تنظر إليه
لكنك لست واثقًا من أنه شقيقك:
مهزولٌ، تغطي وجهَه وعنقَه الكدمات.
يمشي على مَهَل:
مَحْنِيَّ الظهر، يتمايل،
يحاول جاهدًا أن يستقرَّ حين يلمحك.
قيل له إنك استُشْهِدت!
قيل له أنْ لا أحدَ من عائلته
ظلّ على قيد الحياة!
يتقدم نحوك مترنّحًا فيما تجري أنت
لتطوقه بذراعيك:
أضحى أشدَّ وَهَنَا من أمِّك العجوز،
أكثرَ هُزالًا من أصغر أطفالك.
صوتُه خافت،
لكنه يُرحِّب بك ويبكي.
يحمدُ الله
أنهم تركوه يعيش
حتى الآن على الأقل.
– اليوم 748
وقف إطلاق النار الثالث، اليوم 14
يسأل الطفل:
هل سيرجع أبي
الذي قتلوه
فهناك وقفٌ لإطلاق النار؟
هل سيعود أشقائي
الذين تسلتقي جثثهم على الأرض
ودماؤهم النازفة تروي جذور الشجر –
هل سيعودون ثلاثتُهم؟
هل سيعود مُعلّمي؟
ومَدْرَستي؟
وهل أقدر أن أمشي
في قلب الموت ليومٍ واحد
أن أحظى بزيارتهم،
أن أكون بينهم، ثم أعود؟
تُصغي أمه
متساءلةً ماذا عساها أن تقول.
تتمنى لًو كان ثمةََ
ما يُتَبادل أو يُستَردّ.
من أكوام الرُّكام، شرع بعضهم
بإعادة الإعمار، ببناء هياكلَ لبيوتهم.
يدقون المسامير ويضربون بالمطارق.
وماذا عن أشجار الليمون؟
ماذا عن أشجار البرتقال
ومذاق ثمارها الحلو؟
وآلاف اِشجار الزيتون
في البساتين التي أصبحت أثرًا بعد عين
والتي كنا يقينًا
سنقطف ثمارها في يومنا هذا؟
Day 746
Ceasefire III, Day 12
She has returned to the graveyard
to find the bodies of her family:
a son, four daughters,
a husband. Of all those
she lived with, she
is the one who remains. One son
still not found, still under the rubble.
Her house unrecognizable.
She has returned to sit
beside the graves of those she buried
just months ago. What she finds
are broken gravestones. The ground
bulldozed. The remains of some —
are they her children? others? —
rotting in dust. Dredged up. Unable
to identify: an arm. A leg.
A foot. Where will she be able
to mourn them? Who
will help her — and with
what tools? — free her one
never buried child
from under the fallen house
where he lived, played, slept?Day 747
Ceasefire III, Day 13
Your brother is among those
who have been returned
from prison. He had been kept,
tortured, tormented, for years. You see him
but are not certain this is
your brother: thin, his face
bruised, neck bruised. He walks
slowly: staggers, bent, attempts
to steady himself when he sees you.
He’d been told you were dead!
He’d been told no one
in your family was alive!
He lurches toward you as you run
to embrace him. You call his name.
You take him in your arms:
he’s more frail than your elderly
mother, thinner than your youngest
child. His voice is weak, but he
greets you, weeping.
Speaks a word of praise
for having been sparedDay 748
Ceasefire III, Day 14
Now, the child asks,
will my father, who was killed,
come back?
Now that there’s a ceasefire?
Now will my brothers, who
lay dead on the ground,
bleeding into the roots
of trees — will my three brothers
come back? Will my teacher
come back? My school? Or can I
step into death for a day,
he asks, and visit them, be with them,
and then come back? His mother
listens. Wonders what she can tell him.
What, if anything,
will be exchanged? Restored?
From the piles of rubble, some
are already rebuilding. Framing
their houses. Nailing, hammering.
And what of the lemon trees?
The orange trees with their sweet fruit?
The thousands of olive trees
in the savaged groves
we would surely
be harvesting now?
أنيتا باروز شاعرة وروائية ومترجمة أميركية تحمل شهادة الدكتوراه في علم النفس. صدر لها العديد من الدواوين الشعرية، وصدرت لها رواية بعنوان لغة الطيور عام 2022. كما عملت على ترجمة أعمال الشاعر الألماني راينر ريلكه بالتعاون مع الكاتبة جوانا ميسي.
درّست أنيتا الكتابة في مؤسسات تعليمية متعددة، منها معهد ناروبا وتعمل مُدرّسةً في معهد رايتويست وجامعة كاليفورنيا في بيركلي (قسم التعليم المستمر)، كما شاركت في برنامج مدرسية للشعراء. كذلك عملت خلال فصل الصيف من عام 2005 إلى عام 2009، مع المركز الفلسطيني للإرشاد في رام الله، حيث قدمت استشارات نفسية.بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة في أكتوبر من عام 2007، والتي لم تتوقف حتى اليوم، خصصت أنيتا موقعًا على الانترنت لتنشر فيها قصائدها عن المآسي التي يعيشها الفلسطيون هناك، وكتبت على صفحة الموقع الرئيسية:
عندما بدأت الإبادة الجماعية شرعتُ بتدوين مذكرات يومية. تلك المذكرات، التي كتبت الكثير منها في دفاترَ بخط يدي هي سطورٌ متقطعة وصورٌ وقصصٌ كنت قد قرأتها أو سمعتها. تحوّل بعضها إلى قصائد جعلتها في هذه المجموعة. واستمر الأمر على هذه الحال حتى اليوم 167. آنذاك سمعتُ عن أمٍّ استطاعت إنقاذ أحد أطفالها دون الآخرين، وعن طبيبٍ كان يجمع أطرافًا مبتورة لأطفال جرحى، ويضعها في صناديق ويمهرها بأسمائهم. حينئذٍ أحسست بالحاجة المُلحة إلى أن أوثق هذه المآسي في قصيدة متكاملة أكتبها كل يوم. وهذا ما سأفعله حتى تنتهي الإبادة الجماعية.
أعتزم الاستمرار في الكتابة حتى يصبح وقف إطلاق النار دائمًا إلى أن تتحرر فلسطين.





