بين ذراعَي تامارا – شارع رامبار جي بيجوين للكاتبة الفرنسية فرانسواز ماليه – جوريس (١٩٥١م)Ramprant des Beguines Par Francoise Maller – Joris 1951-جمع وترجمة صنع الله إبراهيم

(تبدأ رواية شارع رامباردي بيجوين، بفتاة صغيرة في الخامسة عشرة من عمرها، تكتشِف وجود عشيقةٍ سيئة السمعة لأبيها فتُقرِّر زيارتها. وتجد نفسها أمام مُطلقة روسية في الخامسة والثلاثين من عمرها، تدعوها للمجيء مرةً أخرى: «الخميس .. حوالي الثالثة أو الرابعة إذا شئت».)
كل ما أعرفه من تامارا جمعتُه بالتدريج من شذرات المعلومات التي صادفَتْني في الرسائل القديمة، وألبوم صور، ومما كان يصدُر عنها أحيانًا من عبارات. لم تكن تُحب الحديث الحميم عن نفسها؛ لأنها كانت تمقُت الفشل، وكانت تعتقد أنها لم تنجح في حياتها. كانت مزيجًا غريبًا من الكبرياء الجريح، والطموحات المُحبطة التي ما تزال حية، وكانت تجمع بين اللامبالاة التامَّة والاهتمام المشبوب بالبشر. كل هذا كان مُمتزجًا بأمورٍ أخرى، ما زالت تُحيرني حتى اليوم، وهو غالبًا ما جعل سلوكها يفتقِر إلى الترابط. على الأقل هذا ما أُفسر به الآن ثِقتها الغريبة بالنفس، واهتمامها بلقائي، ونفاد الصبر الذي استقبلتْني به عندما دققتُ جرس بابها، كما طلبَتْ منِّي، يوم الخميس التالي.
جاءت إلى الباب في غلالة، وقد تشابكت خصلات شعرِها فوق جبهتها الناعمة، وبدت ناعسة، غاضبة. وقبل أن تسمح لي بالدخول، حدَّقَت فيَّ برهة، كأنها لم تعرفني.
وأخيرًا قالت: «أوه هذه أنت! كنتُ نائمة.»
كنتُ قد ظننتُ أنها ستطردني. دلفت إلى الغرفة الزرقاء الكبيرة، وأنا أُلقي بنظرةٍ حائرة على الفوضى الضاربة في أرجائها. كان المقعدان الجلديان مَقلوبَين، والمائدة حافلةً بأعقاب السجائر، مثل يوم زيارتي الأولى (فتامارا تطفئ سجائرها في أي مكان، وبأي طريقة، ولا تُنظف مسكنها غير مرةٍ واحدة في الأسبوع) والكتُب والأسطوانات الموسيقية مُبعثرة فوق الأرض. ذلك اليوم، بالرغم من اضطرابي، كان بوسعي أن أرى الحِليات الصغيرة التافهة المُوزعة فوق الأرفف، والتماثيل الزجاجية، والأقنعة الإفريقية. وفي نهاية الغرفة بدا مطبخ أبيض اللون من خلال بابٍ مفتوح.
توقَّعتُ أن تُقدِّم تامارا، على الأقل، تفسيرًا ما لهذه الفوضى التي لا تُصدَّق، لكنها لم تفعل. لقد أنشأني أبي — إذا كان بالإمكان حقًّا القول بأني تلقَّيتُ تربيةً ما — على اعتبار النظام واحدةً من الخصائص الجوهرية للإنسان، وعلى الاعتقاد بأن انتفاءه يعني انتفاء الإحساس الجوهري بكرامة الإنسان؛ أبسط إحساس بالكرامة. فهل يجب عليَّ أن أستخلِص من وضع الغرفة، أنه كان يقول لي ما لا يعتقِد؟
تخيلتُ أنها تبذل بعض الجهد، قُبَيل زيارته، لعمل شيءٍ من الترتيب في الغرفة. ولم أكن مُخطئة تمامًا في تصوُّري. ففيما بعد، أدركتُ أن أبي، دون أن يكون في الأمر نِفاقٌ ما، يمكن أن ينفر من الفوضى في منزلنا، بل ويُعاني منها جسديًّا، بينما يميل إلى وجودها في أماكن أخرى، وفي الحالة الأخيرة يَعتبرها خلفية تصويرية؛ نوعًا من الإطار الذي يُضاعف من شعوره بأنه في جوٍّ مختلف تمامًا أثناء وجوده مع تامارا. نفس ما اجتذبَني في مثل هذا المنزل الغريب. كان مُسلِّيًا، مُضحكًا، لكن أبي ما كان ليرغب في الحياة فيه، أيًّا كان الثمن. وعندما فهمتُ ذلك، أدركتُ أيضًا أنه لم يكن يفتقِر إلى الخيال، كما سبق أن قررتُ بحسم، بغرور الفتاة الصغيرة. لكن الخيال لدَيه كان مجرد لهوٍ وتسلية، ترويح لَطيف، بينما جعلتُ منه أنا، بالتمرينات المُستمرة، ودون أن ألحظ الأمر، وحشًا التهمَ كلَّ شيء، حتى قوة إرادتي.
بينما كانت بعض هذه الخواطر تجول في ذهني، أنعشَتْ تامارا وجهها بماء العطر، ثم مشطت خصلاتها الكثيفة في شيءٍ من الشرود، دون أن تلتفِت نحوي، كأنما لم يكن لي وجود.
قالت أخيرًا بصوتٍ خالِص من أي عاطفة: «المسكن غير ملائم. إنه عبارة عن سلسلة من الغُرَف، سيئة التنظيم، بطول الجناح الخلفي من المنزل.»
مضت إلى المطبخ، وفكَّرتُ أنه من اللائق أن أتبعها. وفوجئتُ به يفتح على غرفةٍ أخرى تقوم بدور المخدع.
كان فرش السرير مطويًّا، يُوحي بأنها غادرته لتفتح لي الباب. وبجوار السرير كان ثمة مطفأة مُمتلئة، موضوعة مباشرة على الأرض، قُرب كتاب مفتوح. وكان الباركيه يلمع. ولم يكن ثمَّة سجاد، الأمر الذي كان مفاجأةً مُحببة لي. ففي منزلي كنتُ أمقت الطريقة التي يظهر بها الآخرون فجأة دون تحذير؛ لأن الأبسطة الوثيرة كانت تُخفي أقل الأصوات شأنًا. وكانت نافذة كبيرة، كالتي في الغرفة الأخرى، تُطل مثلها على البحيرة. وكانت هذه الغرفة أكثر فراغًا، فبالإضافة إلى الفراش، لم يكن بها غير مقعدٍ جلدي بذراعَين، وصندوق مُطعَّم ذي أدراج.
ألقت تامارا بغلالتها الفارسية فوق المقعد. كانت ترتدي بيجامة شاحبة الزُّرقة وخُفًّا جلديًّا. أعجبتُ بقامتها النحيلة، وبلباسها الذي بدا بالِغ الأناقة وأنا أقارن في رأسي بينه وبين ثياب نومي، وهي عبارة عن أشياء قديمة مُنتفخة، مُحلاة بباقاتٍ صغيرة من الزهور. كانت جوليا تصنعها لي، واحدة بعد الأخرى، كلما بلِيَت إحداها، وكانت جميعًا مُتماثلة.
قالت: «إنه مشهد جميل من هنا. لكني أحيانًا أسمع موسيقى المقاهي طول الليل.»
«وهل يمنعك هذا من النوم؟» سألتها في أدب، شاعرةً أن هناك شيئًا غير طبيعي في الطريقة المُتصلِّبة التي أُخاطبها بها، أنا التي أمقت أسلوب «الآنسات الحاصلات على تربية جيدة» اللاتي أُرغِمتُ على مُخالطتهن. لكنها لم تُشجعني على مخاطبتها بطريقةٍ غيرها.
كانت قد جلست فوق الفراش. ولم تلبث أن تخلَّصَت من خُفِّها واستلقت بين الملاءات. شعرتُ بأني مَثار سخريةٍ وأنا واقفة أمامها، مُثقلة بسترتي وحافظة كتُبي، فقد كنتُ قادمة لتوي من المدرسة، واندفعت الدماء إلى وجهي من الغضب. كانت هي، عمليًّا، التي أمرتني بالمجيء، وها أنا واقفة أمامها كأني غير مرغوبة. شعرتُ أنها تستمتع بحرَجي. أدركتُ ما يجب عمله: أن أنصرف، وأعود إلى منزلي، وأتجاهل احتجاجاتها. لكني لم أكن واثقةً أنها ستحتج، وهذا هو، للغرابة، ما كبح جماحي. وأخيرًا تكلَّمَت.
قالت بهدوء، كأنما وصلتُ لتوي: «ضعي حافظتك إلى جوار الحائط واخلعي سترتك. ضعيها فوق المقعد. هذا حسنٌ. والآن تعالَي واجلسي هنا بجواري.»
عندما جلست فوق الفراش، تفحَّصتني بتعبيرٍ لم أرَه على وجهها من قبل، أقرب إلى الرقة.
قالت: «عليكِ أن تُقرري الآن يا حبيبتي ألا تحمِلي أية ضغينةٍ إزائي.» فوجئتُ بالنغمة الحميمة التي لجأتْ إليها، كأنما هي عادة قديمة لدَيها: «أنا لستُ دائمًا مرحة. لأسبابٍ كثيرة. على أية حال، ليس الأمر بذي أهمية، ولا تستطيعين شيئًا إزاءه. كل ما عليك هو أن تأخذي الأمور ببساطةٍ كما هي، ولا تُزعجي نفسك بشأن أي شيء.»
صُعِقتُ من أسلوب حديثها، كما لو كنتُ قد أعلنتُ للتوِّ أني سأقضي بقية حياتي معها.
قالت بلُطف: «خبِّريني بما كنتِ تفكرين فيه بالأمس.»
رغم سلوكها المُربك، شعرتُ أني أستطيع الثقة بها. هكذا حاولتُ أن أشرح لها كل شيء: كيف أشعر أحيانًا بأني شخصان، أو أن جزءًا مني يتلاشى تمامًا في بعض الأحيان، وعن ذلك البيت في قصيدة فيدرا الذي يُلحُّ عليَّ دائمًا، والذي تتمنَّى فيه أن تهبط مع هيبوليت إلى المتاهة.
قاطعَتْني بعد لحظات: «يا طفلتي العزيزة! لك خيال خصب. خصب للغاية!»
قلتُ مُحتجة: «أنا لستُ طفلة، كما أنك لستِ كبيرة جدًّا أيضًا.»
– «أنا في الخامسة والثلاثين.»
– «أوه!» لم أجِد ما أقوله ردًّا على هذا التصريح الذي أدهشَني. لكني بعد أن تفحَّصتُها بإمعان، تبيَّنتُ الخطوط الخفيفة في أركان عينَيها ووجنتَيها البضاوَين، والحلقات السوداء حول عينَيها. وما كان بوسع أي مُلاطَفة أن تترك فيَّ أثرًا قدْر الذي تركته علامات الجمال الزائل هذه.
– «خمس وثلاثون سنة. إنها لا تعني لك شيئًا. لكنها تَعني لي الكثير. كل ما تركته ينساب من بين أصابعي: الزواج، الثروة، حُب حقيقي. خمس وثلاثون. ولم أستسلِم بعد. ليس تمامًا. فها أنا ذا يا عزيزتي، أسيرة هذه البلدة الصغيرة. على أية حال، أنا انطلقتُ من بلدةٍ صغيرة مثل هذه، بل أصغر منها. وهناك كنتُ أعيش في كوخ، أسوأ من هذا الماخور القديم الذي أعيش فيه الآن.»
أوشكتُ أن أُقاطعها لأقول لها إني أُحب هذا المنزل كثيرًا، لأسألها عن معنى كلمة «ماخور»، لكني أحجمتُ خوفًا من أن تُعنِّفني، أو تتوقَّف عن الحديث. كانت تنظر إليَّ بمودة — أو هكذا ظننت.
– «أنت أيضًا سوف تخرجين إلى العالَم من بلدةٍ صغيرة. لأنك تَحلُمين بمُغادرة هذا المكان، أليس كذلك؟ وإني لأتساءل: إلى أين سينتهي بك المَطاف؟! لا يُمكنني إسداء النُّصح إليك. لقد كنتُ أعرف دائمًا ما يتعيَّن عليَّ أنا عمله، لكني لم أعمله أبدًا! ربما ستكون الأمور أسهل بالنسبة لك؛ فأنت بريئة للغاية.»
أثَّرت فيَّ صراحتها. وتنبَّأتُ بصداقةٍ طويلة، تتخلَّلها أحاديث حميمة، مُثيرة. وهُيِّئ لي أني قد وجدتُ أخيرًا ملجأ، مكانًا بعيدًا عن المنزل، يُرحب بي وقتما شئت. وقبَّلت يدَها مرةً ثانية.
تفحَّصتني في فضول.
قالت برقة: «اخلعي حذاءك يا عزيزتي.» كأنما ذلك كان شيئًا طبيعيًّا للغاية.
استغرق منِّي فكُّ رباط حذائي وقتًا طويلًا للغاية. كانت يداي ترتعشان بشدة، مما أرغمَني على تكرار المحاولة إلى أن نجحت.
– «والجوبة .. والبلوزة .. هذا حسنٌ. والآن تعالَي إلى الفراش.»
كنتُ أرتعِد، دون أن أستطيع السيطرة على نفسي، وأنا أدلف إلى الفراش. وانفكَّت شبكة شعري، وسمعتُ صوتها (لم أجرؤ على النظر إليها) يقول بلهجة عادية: «شعرك جميل.»
تلمَّستُ كتفها بحركةٍ غريزية لأُخفي وجهي به، وشعرت أن شيئًا مرعبًا على وشك الحدوث. لكنها رفعت ذقني إلى أعلى، وأجبرتني على النظر إليها.
قالت: «مؤكَّد أنك لستِ خائفة؟ لا يمكن … في سنك.»
كانت قد رفعَت نفسها قليلًا إلى أعلى، مُعتمِدةً بمرفقها على الوسادة، وكنتُ أرقد مُتصلبة، يغمرني الفزع. لكنها انحنت خارج الفراش، وأدارت فيما يبدو جهازًا للراديو، فوق الأرض، لأن الموسيقى الناعمة ما لبثت أن تصاعدَت.
قالت: «هذا أفضل، أليس كذلك؟» وجذبت رأسي إلى أسفل فوق صدرها: «لا تقولي شيئًا. استريحي.»
أطعتُها. وسرعان ما كنت قادرة على الإنصات للموسيقى في شيءٍ من الطمأنينة. وعُدتُ إلى مداركي، فأخذتُ أتساءل عما أفعله في فراش هذه السيدة بينما أنا في نصف ملابسي.
كنت بالذات مُنزعِجة بشأن ملابسي الداخلية. فبدافع الرغبة في المعارضة، ولأكون مختلفةً عن قريناتي، اللاتي لا يُفكرن في غير المُخرَّمات والمُطرَّزات والحرائر، كانت ملابسي الداخلية من الكتان الخشن دون تبييض. لكنني اليوم كنتُ أتمنَّى أن أكون في ذلك النوع من الملابس الذي أمقته. ومع ذلك، بدأتُ أشعر بالتحسُّن تدريجيًّا بينما كنتُ أُحدِّق في السقف، ويدُ تامارا تُملِّس لي شعري.
قالت: «تشجَّعتِ الآن قليلًا يا عزيزتي؟ أتشعرين بالبرد؟»
هززتُ رأسي نفيًا.
– «أرى أنك ما زلتِ غير مُستعدة للحديث. لكن ابذلي مجهودًا! احكي لي عن نفسك. ماذا فعلتِ بالأمس؟»
حاولتُ لكني لم أستطع التفوُّه بكلمة.
«قولي شيئًا … أيًّا كان!»
بدَت نافدةَ الصبر بعض الشيء، الأمر الذي أصابني بالشلل. وللمرة الثانية رفعَت وجهي إلى أعلى وتأمَّلتني بإمعان: «اصغِ إليَّ يا طفلتي. إذا لم تقولي شيئًا خلال خمس دقائق، سأصفعك. قولي شيئًا ولو حتى أوه! لك الخيار.»
لم يبدُ عليها الغضب، لكني أدركتُ أنها تعني ما تقول.
همست برغمي: «أنا خائفة!»
أجابت بهدوء بالِغ: «هذه بداية طيبة.»
لكن الصدمة التي شعرتُ بها من جرَّاء تهديدها، ضاعفَت من خوفي وحرَجي، ودفعتْني إلى الانخراط في البكاء. وعلى الفور انحنت عليَّ وأخذتْني بين ذراعَيها. شعرت بجسدِها النحيل، ذي العضلات المفتولة، كأنه لِصَبي. وضعَتْ ذراعًا تحتي وهي تُهدهِدني، وفاضت دموعي فوق رقبتِها وصدرها.
كنتُ دائمًا أهوى البكاء. وفي الخامسة عشرة كنتُ أبكي لأي سبب: كتاب، كلب تعرَّض للدهس في الشارع، كلمة حادة، مشهد طبيعي جميل، كونسير، أغنية حزينة، وعندئذٍ أشعُر بقلبي وقد انشطر إلى جزأين، وتحطَّم في صدري، مُحدثًا ألمًا لذيذًا. وكانت جوليا تأخُذني هكذا بين ذراعَيها، وتُمدُّني كلماتها المُطمْئِنة بمُتعةٍ غامضة. هكذا ذقتُ بين ذراعَي تامارا بهجةَ التسرية والعناق، وسماع الكلمات الحانية، والمتعة الطبيعية في القُبلة الطويلة التي أعقبتها.
لم يسبق لي أن قبَّلتُ أحدًا من قبلُ بهذه الطريقة، ورغم أني طالما أنصتُّ لثرثرة زميلاتي عن فتاةٍ بلا حياء سمحتْ لكل أولاد المدرسة بتقبيلها في فمِها، لم تكن لديَّ أية فكرة عن القبلة وما تَعنيه.
والواقع أني ظللتُ طوال أسابيع في أعقاب هذه القبلة الأولى، تحت وهْم أنها ابتكارٍ رائع لتامارا ذاتها. وذات يومٍ قررتُ أن أُرضي فضولي، فأمعنتُ النظر عن قرب إلى عاشقَين يتبادلان القُبلات في الحديقة العامة، وهو سلوك كنتُ أتجنَّبه دومًا بدافعٍ من شعورٍ بالاشمئزاز، فزالت عندئذٍ كل أوهامي.
هكذا كانت تلك القبلة كشفًا تامًّا ورائعًا. ولم تكد تكُفُّ عن تقبيلي حتى رفعتُ إليها شفتيَّ من جديد. وفيما بعد، جرَّدتْني كليةً من ملابسي، ولاطفَتْني بيدِها، كما يُداعب الإنسان جوادًا، لكني كنتُ عاجزةً عن التفكير في شيءٍ آخر، وبدَت لي لذَّة تقبيلها تامَّة، كما كنتُ عاجزةً عن التغلُّب على الارتباك اللذيذ الناشئ عن وجودي بهذا القُرب من شخصٍ آخر، وهو أمر لم أتخيَّل أبدًا إمكان حدوثه. وبين القبلات، التي لم أملَّ منها مطلقًا، رويتُ لها كلَّ شيء، في سَيلٍ مُتدفق من الاعترافات المختلطة، ضمَّنتُه كل ما حلمتُ به أو تخيَّلتُه أو رغبتُ فيه. بل اختلقتُ بعض الأمور، عندما لمستُ مدى اهتمامها، وقفزتُ من مكاني عندما قالت في سلطانٍ هادئ: «حان الوقت لأن ترتدي ملابسك يا عزيزتي وتنصرفي إلى منزلك.»
كنتُ أترنَّح من السعادة عندما تركتُها، ومضيتُ أتحسَّس الجدران والأشجار والثلج. كنَّا قبل الكريسماس بيومَين، وشعرتُ أني تلقيتُ هدية من السماء.
هكذا بدأت الأمور بيني وبين تامارا.
•••
من النظرة الأولى لصورة إميلي، قد أبدو شبيهةً بها. أنا نفسي ظننتُ ذلك عندما عثرتُ على الصورة الكبيرة في ألبوم تامارا، الأمر الذي أعطاني نوعًا من الصدمة. لكني عندما تأمَّلتُها بدقَّة أكثر، اكتشفتُ سطحية الشبَه. كان لإميلي شعر ذو لونٍ بُني خفيف، وعيون كبيرة، وملامح مُتناسقة — مثلي. لكنكَ سرعان ما تتبيَّن أن تعبيرها أكثر برودة، ويجِب أن أُضيف، أكثر ذكاء. فأنا أمتلك — طبقًا لرأي تامارا — نظرةً بليدة. وقد واسَيتُ نفسي عندما قالت تامارا ذلك، بأن انتحلتُ لعينيَّ صفة «عيون الثور» التي اعتبرَها اليونانيون مقياسًا للجمال.
كانت ملامح إميلي أيضًا أكثر رقةً وتأثيرًا من ملامحي. ولا شكَّ أنها كانت مُختلفةً عنِّي للغاية، وفقًا للروايات المختلفة، ولهذا لم يكن بإمكاني أن أطمح إلى منافسة الفتاة التي كانت الحُب العظيم في حياة تامارا.
ما عرفتُه عنها من تامارا (التي كان يُؤلِمها الحديث في هذا الموضوع) كان أقلَّ مما علِمتُه من قراءة الرسائل القديمة التي احتفظتْ بها، وتركَتْها بإهمالها المألوف، في الأدراج المفتوحة لمائدة زِينتها. وكان بوسعك أن تتبيَّن على الفور الفرقَ بين خَطَّينا، وأنَّ خطَّ إميلي هو النقيض التام لخطي. كان كبيرًا ثابتًا، حادَّ الزوايا، مُدَّت الخطوط العرضية لحروفه بإحكامٍ ينطق بالعزم والعناد. أما خطي أنا، يا للسماء! فكان خطَّ تلميذة، ينطق بالجهد: الحروف مُستديرة ومُهتزة قليلًا، نوع الخطِّ الذي تُطالِعه في الكراسات المدرسية المُسطَّرة، حيث تتوقَّع أن تقرأ تحته هذه الملاحظة: «جيد، لكنه مُتيبِّس بعض الشيء». طالما عانَيتُ من خطي، كما كان الأمر مع وجهي، فرغم أن الآخرين قد يرَونه شبيهًا بوجه مادونَّا ألمانية، كان يبدو لي مجردًا من الشخصية تمامًا. كان ثمة شيء عارِم وشيطاني في وجه إميلي، بينما كان وجهي، إذا لم يكن مُنفعلًا من جرَّاء عاطفة قوية، يبدو كأنما يعكس رصانةً تامة.
لم أرَ إميلي مُطلقًا. لكني ظللتُ مهووسة بوجودها عدة شهور، لهذا يجدُر بي أن أحكي القليل عنها وعن تامارا، قبل أن أظهر في حياتها.
كانت تامارا قد تركَتْ قريتها في روسيا، وفقرَها هناك، لتنتقِل إلى باريس، عروسًا ليهوديٍّ أرمني يُدعى عزرا سولر، كان مُعجبًا بها. كانت آنذاك في السادسة عشرة من عمرها، لا تعرف القراءة أو الكتابة، ولا تتكلَّم غير لهجةٍ دارجة يصعُب على الروس أنفسهم فهمُها. كانت رائعة الجمال في ذلك الحين، وكان التاجر مسرورًا بجهلِها وهمجيَّتِها. وكان قد اشتراها عمليًّا عندما تزوَّجها، وظنَّ أنه قيَّدَها إليه بالزواج، لكنها بعد خمس سنواتٍ في باريس، صارت قادرةً على القراءة والكتابة والحديث بالفرنسية في طلاقة. ومنذ تلك اللحظة صارت تستطيع الترويح عن نفسها من دونه، فتخرج بمُفردها، وتختار ملابسها بنفسها.
كان سولر فخورًا بها، كأنما هي من خلقِه. لم يُقدِّمها أبدًا إلى أصدقائه دون أن يتباهى بما أجراه عليها من تحسينات، كأنها حيوان أليف. وسرعان ما ضايقَها هذا المسلك، وكانت قد تبيَّنت أنه في الخمسين من عمره، نحيف وأصلع، وأن ذكاءه من النوع المُدمِّر. كان سلوكه في المجتمعات لطيفًا، لكنه كان يَحتقِر الجميع. وكان يُحب إسداء الخدمات، لكنه كان يفعل ذلك بدافع مِن ساديَّتِه، فقد كان يُسَرُّ عندما يحتاج إليه من يزدريهم، ويجد في خنوعهم مُبررًا لازدرائهم. كان يُردِّد أن هذه الخاصية سِمة لجنسِه، لكن هذه السخرية ذاتها كانت تُثير حنقَها. واكتشفت أيضًا أنه ثري، وأتاح لها كرَمُه أن تستفيد من ثرائه. فحصلت لنفسها على شقةٍ كبيرة، وفرشتها بأثاثٍ فاخر، ذي ذوقٍ رصين، واشترت سيارة، وحصانًا.





