مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

بين ذراعَي تامارا – شارع رامبار جي بيجوين للكاتبة الفرنسية فرانسواز ماليه – جوريس (١٩٥١م)Ramprant des Beguines Par Francoise Maller – Joris 1951-جمع وترجمة صنع الله إبراهيم

راقبَها سولر بفضولٍ واستمتاع، تاركًا إيَّاها تفعل ما تشاء. توقَّع أن تكشف عن ذَوقٍ همجي، وترتمي فوق الجواهر والشرائط والملابس المُعقدة. لكنها بدلًا من ذلك كانت تنزع إلى البدلات المُحاكة، أو البنطلونات الفضفاضة في المنزل، رافضةً أن تكشف عن كتفَيها الجميلتَين في أردية السهرة، كما عكست شقَّتها نفس الرصانة والعزيمة. وابتسم سولر لنفسه عندما شاهدها تخطو في غرفتها ببنطلون الفروسية، وترمي بقفازاتها السميكة، أو بسوط الركوب، فوق مائدةٍ واطئة، وقد أمتعته هذه البوادر الرجولية. كان يُحِب غرفتها، ويدعوها ضاحكًا بالحظيرة، أو بالجاراج، لكنه شعر بأن رغبتها في الاستقلال موجهة بلا وعيٍ ضدَّه، فوجد لذةً خبيثة في تحطيم أي وهْمٍ بالحرية يدور بخلدها، بمجرد وجودِه. فتعوَّد أن يتناول طعامه، ويُروِّح عن نفسه، في حلبةِ أحدث المُعجبات بها، ولاحظ كيف تُعامل كافة صديقاتها بتعالٍ نابعٍ من شعور لا واعٍ بالانتقام. فحدَّث نفسه، إن نزعات تامارا ونزواتها، مَدعاة للطمأنينة. واكتفى بأن يُذكرها بوجوده، بين الحين والآخر، بكلمةٍ لاذعة يشحب لها وجهها من الغضب. وحدَّث نفسه أنه يتسلَّى بترويضها بهذه الصورة، فلم يُدرك أنه يُحبُّها.

وقد استقبل إميلي بنفس الطريقة التي اتَّبعَها مع صديقات زوجته الأخريات، ولو أنه دُهِش قليلًا من صِغَر سنِّها — فلم تكن قد بلغت العشرين بعد — والحرية الغربية التي أتاحها لها أبوها. كانت قد جاءت من جزيرة جيرسي إلى باريس لتتعلَّم الفرنسية وستبقى بها عامَين. أعجبَه وجهها الجميل المُعبر، لكنه اعتبرها بغير ذات أهمية. لهذا لم يكن لذهوله حدٌّ عندما تركته تامارا لتعيش مع إميلي. ومع ذلك استمر يُقدِّم لتامارا دخلًا صغيرًا، متظاهرًا بأنه يفعل ذلك بدافع النُّبل الخالص، بينما كان ذلك في الواقع بأمَل استعادتها ذات يوم.

أقامتا في مسكنٍ صغير مُشمس، أقرب إلى الدير، حيث عكفت الفتاة الشابة على دراستها. وكان المبلغ الذي أعطاه سولر لتامارا محسوبًا بدقة: إذ يكفي بالكاد ليَحُول بينها وبين العمل؛ فقد كان يعرف جيدًا مدى حماقتها وطيشها وأنها لن تفكر في العمل إلا إذا دفعتها الحاجة الماسَّة إلى ذلك. وجه آخر لحِسبته الدقيقة، أن يُجبرها على الاقتراض منه كلَّ شهر. وفي كل مرةٍ تأتي إلى مكتبه من أجل النقود، كان يُحصيها ببطء، وهو يرقُب وجهها، بحثًا عن تورُّد عابر، أو طرفةِ عين، تكشِف عن شعور بالمرارة أو الأسف. لكن تعبير تامارا وهي تتأمَّل الأثاث المُطعَّم، واللوحات، ومنافض السجائر الفضية، لم يكشف إلا عن قناعةٍ جذلة، كأنما تقول: «لا يمكن الحصول على كل شيء.»

لا أعرف سوى القليل عن علاقتها بإميلي: أنها استمرت سنتَين ونصف السنة، وكانت مشبوبة، عاصفة وجامحة، لكن سعيدة في إجمالها. وقد قرأتُ الرسائل التي كتبَتْها إميلي لتامارا عندما افترقتا ذات صيف، فاحمرَّ وجهي خجلًا. وأخيرًا تركَتْها إميلي إلى «شابٍّ ممتاز»، مهندس بلجيكي، كان ذاهبًا إلى الكونغو. وأعرف أقلَّ من ذلك عن الفترة التي أعقبت هذا الأسى العظيم في حياة تامارا، والتي سبقَتْ لقائي بها. فمِن إشاراتٍ عابرة منها، استنتجتُ أن تلك الفترة تميَّزت بالغُرَف المفروشة، والمطاعم الرخيصة، وبطاقات الدرجة الثالثة بالقطارات. وكان عليَّ أن أحدس الجوانب الخفية في تلك الفترة، من التعاسة اللامُبالية، والدائنين اللَّحوحِين، والبوابِين عَكِري الأمزجة، والملابس التي يتعيَّن رهنُها أو بيعها، والغرامات الوجيزة الضرورية.

ما الذي أتى بها إلى هنا؟ كيف التقَت بماكس فيلار، الفنان الذي هيَّأ لها، بدافع الشفقة، هذا المسكن في شارع رامبار دي بيجوين؟ أسئلة ظلَّت بلا إجابة. وعندما التقيتُ بها، كان قد مضى عليها في هذه الشقة سنتان، أنفق أبي علَيها خلالهما، على نطاقٍ ضَيق. وبين زياراته، كانت تشغَل وقتَها بالكتُب التي كانت تلتهِمُها التهامًا، والشاي، والسجائر التي تُفرط في تدخينها — وهي بلا شك السبب فيما كان يعتريها من كآبة — وفي بعض الأحيان تجرع زجاجة ويسكي كاملة.

في زيارتي الثانية لها، قامت بأكثر من تقبيلي، وما لقنتني إيَّاه ظلَّ مَبعَث قلقي لأمدٍ طويل فيما بعد.

ذات مرة، حدثتني إحدى المدرسات بصورةٍ ضبابية عن العادات السيئة التي تُدمِّر الصحة وتتسبَّب في أمراضٍ مُرعبة. ولم أُعِر هذا الحديث اهتمامًا كبيرًا وقتها (وأظنها الآن تُرجِع شرودي الدائم ولامُبالاتي إلى تلك العادات). وما إن أدركتُ المقصود بتلك العادات، حتى أصبحتُ نهبًا لمشاعر قلقٍ ضاعف منها الغموض الذي أحاط بها. حتى المتعة التي أمدَّتْني بها تلك المُلاطفات، بدَتْ لي من علامات المرَض، ولم أجرؤ على الحديث عنها مع تامارا (خوفًا من سُخريتها)، فأشبعتُ نفسي قلقًا دون أن أعرف ماذا أفعل.

أما الوساوس الأخلاقية، فلم يكن لديَّ منها شيء. في أول يوم، كنتُ أرتعِد وأنا جالسة مع أبي إلى المائدة، خوفًا من أن يرتفع عنه الحجاب فجأة، ويتبيَّن من وجهي ما جرى. وفي المدرسة كنتُ أخشى أن يُشير إليَّ أحد بإصبع العار لأنَّ وجهي خانَني. لكني سرعان ما أُدرك أن أحدًا لم يرَ شيئًا. وعلى العكس، بدأ الآخرون يُهنئونني على أني لم أَعُد أغرق في الأحلام، وأني أُصغي بانتباهٍ أكثر لِما يُقال لي. هكذا انتصر الفسق! وتحسَّنَت درجاتي في الصف الدراسي، وهو ما أثار حرَجي. فبعد أن كنتُ مُتخلفة دائمًا بشكلٍ يُثير الرثاء، ارتفعتُ إلى درجةٍ تُنبئ بأني، لأول مرة، لن أُضطرَّ لتكرار امتحان نهاية العام.

وأخيرًا ساهمت خطوة وَقِحة من جانبي في تبديد ما تبقَّى من مخاوف. فقد كان لأبي صديق طفولة، هو فريدريك فان برج، يتمتع بسمعةٍ سيئة. فدون أن يتمكن أحد من إثبات شيءٍ قيل إنه عَشِق العديد من سيدات المجتمع الراقي في البلدة، وغرَّر ببعض الفتيات الصغيرات، وإنه يُشاهَد دائمًا في ملاهي «فيرسان»، البلدة الكبيرة المجاورة.

افترضتُ أن هذا الرجل الغارق في الملذَّات سيتقبَّل سوء سلوكي، وقدرتُ أنه ليس هناك من يستطيع أكثر منه إحاطتي بنوع الأخطار التي أخشاها. لهذا مضيتُ إليه في مكتبه. وكان، مثل أبي، يملك مصنعًا. لكنه ورِث ثروةً كبيرة، فحدَّ من نشاطه، وشغل نفسه بالمُضاربات. لكنه كان يذهب كل يومٍ في نفس المَوعد إلى مكتبه بضاحِيتنا، من الثالثة إلى الخامسة. وأُشيع أنه يحتفظ فيه، أيضًا، بمسكنٍ خاص.

هكذا كان الذهاب إليه مغامرة مجنونة. وكان المفروض أن تحُول صداقته لأبي بيني وبين الإقدام على هذه الخطوة. لكن أمَلي فيه لم يَخِب. فقد تلقَّى كلَّ شيءٍ كأنه يستمع إلى نُكتة، وبدا عليه الاستمتاع بما روَيتُه له، وفي النهاية طمأنني. لم يكن حتى مُضطرًّا لأن يَعِدني بكتمان الأمر عن أبي. كان له مسلك المُتواطئ، وبدَتْ له علاقة تامارا بأبي مثل التوابل المُضافة إلى مغامرتي الغريبة. أما أنا، فأعترف بأني لم أفكر أبدًا في هذا الجانب من الأمر. فلم يخطر ببالي أبدًا أن أبي يستمتع بلحظاتٍ مُماثلة من الحميمية مع تامارا، ولم يُزعِجني هذا الخاطر مطلقًا، رغم ما قد يبدو في ذلك من غرابة. فلأن وقت أبي كان محدودًا، وبدافعٍ أيضًا من كياسة طبيعية، لم يكن يُقدِم على زيارتها قبل أن يُخطِرها بنيَّته تليفونيًّا. ونادرًا ما كانت زياراته تتعدَّى المرة أو المرتَين في الأسبوع .. «لأسباب صحية»، هكذا أوضحَتْ لي تامارا، التي لم يبدُ عليها أبدًا الشوق لهذه الزيارات. ومع ذلك كانت تستعدُّ لها بإزالة أعقاب السجائر، وبأن تجمع كل ما هو مُبعثر على الأرض، وتدسُّه في أدراج الدولاب ثم تُغلقها. وبهذا الشكل تحتفظ الشقة بطابعها البوهيمي، وتُصبح نظيفة ومُرتبة في الوقت نفسه. لكن هذه الاستعدادات لم تُثِر لديَّ سوى الشعور بأن تامارا تقوم بعمل مُضجِر.

تخلَّص منِّي فان برج بقرصةٍ في خدي، عارضًا عليَّ في مرح أن آتي لزيارته، إذا سئمتُ المُتَع التي أنالها من تامارا. قال إنه سيعرف كيف يَحملني على تقدير أنواعٍ أخرى من المُتَع!

شعرتُ بمزيدٍ من الراحة عندما غادرتُه، ومنذ تلك اللحظة نظمتُ حياتي كلها حول شارع رامبا دي بيجوين.

•••

انصرم الشتاء في سلام. وقُرب نافذتي، خشخشَتْ فروع شجرة الليمون في مهب الريح. وظلَّت القطة مكانها قرب المدفأة. ومضى الأطفال يتزحلقون في الشارع. وكنتُ أصِل المنزل دائمًا مع حلول الظلام، لكني لم أعُد أخشى اختباء بعض الأشرار بين شُجيرات المُنتزه. فقد شعرتُ أني أصبحتُ شخصًا ناضجًا.

كنت قد أقلعتُ عن الانغماس في الحالة «الشاعرية»، كما أطلقتُ على ألعاب الخيال، ذلك التشويه للحياة الذي أوشك أن يُصبح طبيعةً ثانية لي. فرغم أني لم أكن قد قرأتُ شعر رامبو بعد، فقد كنتُ أستخدِم المصطلح الذي التقيتُ به في كتاباته بعد ذلك، لدهشتي الساذجة، وهو تعبير «التشويش المُنتظِم». وكنتُ أومن أنه عن طريق التشويش المُنتظِم لخيالي، سأتمكن من بلوغ الحالات العُليا للوعي الشعري. والحاصل أن حالات الغياب عن الوعي لم تتمخَّض عن شيءٍ على الإطلاق، وكان المفروض أن يُبصِّرني ذلك بالأمر. لكني ظننتُ أنه من الطبيعي ألا تُعبر «الشاعرية» عن نفسها بأية وسيلة، وأنها في حالة كمون داخلي. إلى أن أتاح لي الاختفاء السريع لكافة هذه الخيالات، تقدير قِيمتها.

لكني لم أُضِع وقتًا في هذه الاعتبارات، ولا فكرتُ طويلًا في الخطر الذي أُفلِتُ منه بالتخلي عن هذه الممارسات الخادعة. فكما سبق أن قلت، كنتُ أحيانًا ما أفقد السيطرة على خيالي المريض، فيتملَّكني لدرجةٍ أعجز معها عن التفكير السليم.

بعد أن احتلَّت تامارا المكانة الأولى في عقلي بفترةٍ وجيزة — وهو أمر لم يستغرق أكثر من بضعة أسابيع — بدأ أبي يمتدِح ما أسماه «صحوة شخصيتي». فقد أصبحتُ أكثرَ انتباهًا، وأقلَّ فتورًا في المشاعر، كما قال. ونجحَتْ هذه التعليقات أخيرًا في إزالة القليل من مشاعر الندم التي كانت تُخالجني. كان أبي مُبتهجًا برؤية ما اعتراني من تغيُّر، ناسبًا كل ذلك إلى اجتيازي «للسن الحرِجة». هنا أدركتُ أنه كان دائمًا في قلقٍ بشأن عقلي البليد ونوبات الشرود المُفاجئة التي تنتابني. وأدهشني هذا الاكتشاف، إذ لم يخطر لي من قبلُ أنه يُعطي أقلَّ اهتمامٍ لوجودي. وكان من شأن سروره بما طرأ عليَّ من تغيُّر أن يدفعني إلى التفكير، لكني لم أكن أملك الوقت لذلك، إذ كنتُ أفكر في شيءٍ آخر.

عندما أقول إني لم أعُد أستسلِم لأحلام اليقظة، أعني بذلك حالة التبلُّد التي لا ينتزعني منها شيء. لكن رغم أني لم أعُد أسعى للهرب من الواقع — وكنتُ على العكس أنغمس فيه بكل سرور — فما إن أبتعِد عن تامارا، حتى أجدني أُفكر طول الوقت في اللحظات التي أمضيناها سويًّا، والتي شكَّلت بدَورها نوعًا من أحلام اليقظة، ولو أن موضوعها كان أكثر موضوعيةً مما دارت حوله أحلام يقظتي في السابق.

على أية حال، لم أعُد بحاجةٍ إلى تشييد حياةٍ مُتخيَّلة، لأن كل دقيقةٍ من حياتي الحقيقية كانت تُدهشني بغرابتها. فقد ظل منزل «رمباردي بيجوين» يجتذبني بقوة. وكنتُ أقوم بتحليله كل يوم، فاكتشفتُ تفاصيل جديدة: زاوية حجَر، خطًّا من الطحالب البحرية لم ألمَحه من قبل، نقطة نظر جديدة تبدو منها ابتسامة حوريات البحر الخليعات مختلفة، ساخرة أو رقيقة، قطعة مَنسيَّة من الزخارف المطلية بالذهب، أو الفسيفساء المتآكِلة.

انتشيتُ بدراسة كل هذه الأشياء وأكثر منها. كانت للمنزل ست شرفات، وأربعة طوابق، وثماني شقق، وكان ارتفاعه تسعة عشر مترًا، وطوله اثني عشر. أعجبني تناسُق قياساته، وضخامة تصميمه وجرأته، واللون الأخضر للسُّلَّم الرخامي، وعاهدتُ نفسي أن أمتلك منزلًا مشابهًا إذا أصبحتُ ثريةً، وألا أنسى أو أتجاهل فسيفساء واحدة أو تمثالًا واحدًا من تلك التماثيل التي عُهد إليها بدور الأعمدة للبناء.

كيف يُمكنني إذن أن أصف شعوري إزاء حياة تامارا؟ كيف أُعجبتُ بفوضاها، ونوبات حُزنها المفاجئة، ولحظات مرحها؟

كنتُ أنهض أحيانًا في الخامسة صباحًا لأذهب معها إلى مدرسة الفروسية، حيث تمتطي حصانًا اقترضته. كنَّا نخرُج دائمًا قبل الفجر. فتخطر إلى جواري، بجسدِها اللدِن، وعزيمتها القوية، وخطواتها الواسعة، في سراويل الركوب، وحذاء بلَون الظباء، فتبدو رائعة الجمال، وأكاد أبكي من الإعجاب. أتذكَّر كيف كانت تؤرجح سوط الركوب بغير اكتراث، وتصفر بلا مبالاة. كانت مدرسة الفروسية على حافة السهل، لهذا كنا نُضطر إلى المشي نصف ساعة بين صفَّين من المنازل الساكنة في شوارع مهجورة، ما زالت مصابيحها تُومِض ثم تخبو. لكن مدرسة الفروسية في تلك اللحظة تكون في أوج نشاطها. وعلى الضوء الخافت لمصباحٍ كهربائي، تمرُّ أشكال مُعتمة، خلف عربات مُحمَّلة بالأعلاف. أحببتُ رائحة الحظائر، وصهيل الجياد في مرابطها، وفوق كل شيءٍ حفيف القش عندما يُحرِّكونه بالمِذراة في بطء، ثم يتساقط بتنهيدةٍ رقيقة تُشبه تراجُع الأمواج. أنا التي أستطيع التفكير دون عاطفةٍ ما في علاقة تامارا بأبي، كنتُ أغار من مُدرِّس الفروسية، وأكرهه. كان هذا الجوكي السابق، هوارد، بقامته النحيفة، وحجمه الضئيل، مُجردًا من أي جاذبية، لكن ما إن تلِج تامارا الجانب المُخصَّص للفرسان — بينما أبقى أنا خلف الحواجز الخشبية — حتى يجري نحوَها ويُناديها في أُلفةٍ تثير حنقي: اسمعي يا فتاتي! لا يُمكنني أن أُعطيك بلزاك اليوم! فقد خرج به العجوز فرات ليلة أمس، وما زال مُتعبًا وعصبيًّا، وفمه مُلتهبًا. خُذي بوميون أو قيصر. قيصر يألَفُك. هل أدعوه لك؟»

وتُوافق تامارا على اقتراحه، دون أن تُظهِر ضيقًا بطرحه الكُلفةَ معها، وتبتسِم للرجل البشِع الضئيل بطريقةٍ رفاقية لا تستخدمها معي. كانا يتحدَّثان عن السباقات، ويُناقشان القفزات، ويذكران مباريات وددتُ لو أهتمُّ بها لكني لم أفعل لأني لم أفهم شيئًا بشأنها.

ثم يقول: «ها هو حصانك. دعيه يقفز قليلًا ليُحافظ على لياقته. وداعًا يا جميلة!»

وبعد أن يُربت على ظهرها، يبتعِد.

ترتقي السرج بمهارة، وتتأكد من موضع الرِّكاب، وفي اللحظة التي تستقرُّ فيها بمقعدها، ويقرقع الجلد تحتها، أشعر بألَمٍ في قلبي كأنما ستهجرني إلى الأبد.

«هيلين! ماذا تفعلين؟ لماذا بقيت؟ أراك غدًا.» ودون أن تنظُر إليَّ، تمضي خببًا نحو السهل، حيث تبقى أحيانًا فوق الحصان عدة ساعات.

كانت تعشق الجياد. وهذا أيضًا كان يُثير غيرتي، لأني لم أفهم هذا العِشق. كانت تطلُب منِّي أحيانًا أن أنتظرها في مدرسة الركوب، وعند عودتها يكون وجهها مُتوهِّجًا بالسرور، وقبل أن ترتدي سترتها، وهي لا تزال في بلوزة وحسب رغم البرد، تقود الحصان إلى حظيرته، وتمسح الزبد عن فمه، ثم تربت عليه في مودَّة، وتتحدَّث إليه بعض الوقت.

كان هوارد يَستلطفني. وكان يظنُّ صمتي نابعًا من الخجل فيتحدَّث إليَّ أثناء ذلك: «صديقتك تُحب الجياد بالتأكيد! وتعرف كيف تُعاملها. مشهد مُمتع! أتعرفين أني أتركها تركب دون مقابل؟ هذا لصالح الجياد إذ يحافظ على لياقتها. قليل من الناس يأتون الآن للركوب. وإنها لمُتعة أن يراها المرء في السرج! لو لم تكن امرأة لكانت قد أصبحت جوكيًّا، وجوكيًّا ذا شأن.»

كانت هذه الأحاديث الحميمة تُشعِرني بعدم الارتياح. كأنما كنتُ أستمع إلى حديثٍ عن حياة تامارا الغرامية. بل أسوأ من ذلك، لأن هوارد كان يتحدَّث عن عالَمٍ ليست لي فيه أية أهمية.

•••

خلال الأسابيع الهنيئة التي تلَت ذلك، لم يكن يشغلني سوى أمرَين: كيف أذهب إلى «رمبار دي بيجوين» وأعود دون أن يراني أحد، وكيف أمنع أبي من تلقِّي البطاقات المُرسَلة من مدرسة مدموازيل «بالدي» للاستفسار عن أسباب تغيُّبي. ولم أعد أشغل نفسي كثيرًا بحياة تامارا. كانت معي دائمًا مُتمالكة لنفسها، ساخرة قليلًا، تستوقِف بكلمة واحدة أية بادرة عاطفية من جانبي. ومع ذلك، تكون أحيانًا رقيقة، فتمزج شعري البُني المائل إلى الحمرة بخصلاتها السوداء، وتدفن وجهي في كتفها، مغمغمة: «اسكتي»، في حنان يُكسِب كلماتها حبًّا مُقطرًا.

ولأنها كانت تحتضنني، ولا تبخل عليَّ بقبلاتها، خِلتها — لسذاجتي — تُحبني. ربما أقل من حُبها لإميلي، لكنْ حُب فريد، حنون، مثل حُبي لها. لم تَفُه بِحُبها أبدًا، أو على الأقل لم تفعل ذلك إلا في لحظات النشوة، لكني لم أعبأ. ولم تستوقفني غرابة التقاءاتنا الصامتة، والطريقة التي تريني بها الباب في نهايتها: كانت تُحبني، وأنا أُحبها، وكنا نستمتع سويًّا، وكان هذا هو كل ما يعنيني.

كانت انطباعاتي عنها في بعض الأحيان، كما في مدرسة الركوب، سريعة التبخُّر، وإذا كنتُ أتذكرها الآن، فإني نسيتها بمجرد أن خطرَتْ لي وقتها. كما أني نسيتُ ما عرفته عن حياتها، عندما كانت تبقى أحيانًا في الفراش، تُدخن وعيناها نصف مُغمضتَين في شيءٍ من التبلُّد، ووجهها خالٍ من التعبيرات، غير مُكترث، فأربض عند قدمَيها بلا حراك، في احترامٍ هيَّاب كذلك الذي نشعر به إزاء شخصٍ فائق الجمال عند موته.

جربتُ أن أحذو حذوها، باستخدام لهجةٍ جافة أو فظَّة، وبانتحال الإيماءات الرجولية التي تبدُر منها كثيرًا، والتظاهر بازدراء التقاليد، فنِلتُ إعجاب زميلاتي في المدرسة بجُرأتي. لكني أمام تامارا نفسها كنتُ ألزم الصمت في حصافة، خوفًا من ابتسامتها الساخرة التي أتمنَّى معها أن تنشقَّ الأرض وتبتلِعني.

وبين الحين والآخر، كنتُ أثوب إلى رشدي. عندما تزجُرني بتعليقٍ أو هزة كتف، على كلمةٍ رقيقة بدرَتْ منِّي، أُدرك على الفور فجأة بمرارة، أنني لستُ الشخص الذي تودُّ سماع هذه الكلمات منه. لكني سرعان ما كنتُ أطرد هذه الأفكار، فإذا أمعنتُ في جفائها، أكدتُ لنفسي في سذاجة، أن الأمر بغير ذي أهمية «لأني لا أُحبها إلى هذه الدرجة!»

حلَّ شهر فبراير، دون الأمطار المألوفة، واخضرَّت أحواض المُنتزه مرة أخرى، في ربيعٍ سابق لأوانه. وبدا كل شيءٍ طازجًا ووضَّاءً، عند مُغادرتي للمنزل صباحًا، في طريقي إلى المدرسة أو إلى تامارا. كانت مصاريع النوافذ تَصطفِق في مرَح، وكل شيء يلتمِع ويبرُق، من عربات الخضراوات في الشارع إلى برج الكنيسة المُستدقِّ الطرف، كأنما اكتسى طلاءً جديدًا، عاكسًا أسنَّة رماحٍ صغيرة من ضوء الشمس. ولم تعُد العجائز الثرثارة في حاجةٍ إلى مرآة عند النافذة، من أجل التجسس على الآخرين، فقد صار بوسعهن الآن التظاهر باستنشاق الهواء النقي، ومتابعة المارَّة من خلال نوافذ مفتوحة على مصاريعها، وهن مختبئات خلف الستائر المُطرزة بالدانتلَّا.

لم يعُد أبي المشغول بطموحاته السياسية يكتفي بالحديث إلى مُواطني الحي في قاعات الاجتماعات أيام الآحاد، فبدأ يجذب خيوطًا أخرى لتحقيق أهدافه، وقلَّت بالتدريج فُرَص لقائنا. فإما أن يكون في رحلة صيدٍ بالسهل، بصُحبة مُحامٍ ذي نفوذ، أو في رحلةٍ بحرية مع أحد قباطنة الصناعة، أو حتى في سيارة بالريف مع أحد أعضاء نقابة المحامين أو رئيس لإحدى الجمعيات، تَصحبُه في أغلب الأحيان جمهرة من الأطفال الذين يحملون قضبان صيد السمك والساندوتشات.

لكن مثل هذا ما كان يمكن أن يستمر، وبالتدريج شعرتُ أن شيئًا ما في سبيله للحدوث. كان ابن عم جوليا، بائع اللبن، قد ذكر لها في براءةٍ أنه رآني في «رمبار دي بيجوين» فتساءلَتْ عما يدعوني للذهاب إلى هذا الحي ذي السمعة السيئة. كما بدأت فتيات باسافان، اللاتي يصنعن الملابس بالنهار، يتساءلن عن سبب عودتي مُتأخرة في الأمسيات. وسألني مساعد الأسقف، الذي يقطن شارعنا، بحُسن نية: ألَّا أخرُج كثيرًا في أيام العطلة؟ لم أعرف ماذا يدور بذهنه على وجه التحديد. ولعلَّه أراد فقط أن يُحذرني من الإهمال والكسل. هذا، على الأقل، هو ما قاله. لكن أسئلته كانت مُوجهةً بطريقة غامضة، ومُفعمة بالتلميحات، مما أرسل الرعدة في أوصالي.

كان ثمة علاج لكل هذا، كما ذكرت تامارا ذات مرة. فيُمكنني استباق الإشاعات، بأن أذكُر لأبي أني أراها بين الفينة والأخرى، وأطلُب إذنه في مواصلة زيارتها. وما من شكٍّ في أنه لن يعترِض، ومن ناحيةٍ أخرى سيستاء بالتأكيد لو علِم من الآخرين بأمر هذه الزيارات التي يَجهلها. لكن نصيحة تامارا بمصارحة أبي جاءت عرَضًا، وبدا لي أنها لا تخشى، إلا بقدْرٍ ضئيل للغاية، من الافتضاح، وفي الواقع لا تشعُر بالخوف — أو بالأحرى لا تفكر بالأمر — ولهذا تركتُ الوقت يمرُّ دون أن أعمل بنصيحتها. ولم أكن أملك، على أية حال، الشجاعة الكافية لإثارة الموضوع أثناء اللحظات الوجيزة التي أقضيها مع أبي.

كانت تامارا نفسها تُهمِل دائمًا اتخاذ الحيطة إهمالًا تامًّا، وعندما نصحتني بمصارحة أبي، خِلتُ أنها مدفوعة في ذلك بحسِّ الواجب، لهذا كانت دهشتي مضاعفة عندما سألتني بجدية عما إذا كنتُ قد قمتُ بما أشارت به عليَّ.

أجبتها بلا تردُّد: «كلَّا، لم أجرؤ.»

سألتني بحدة: «قولي من فضلك، لماذا لا تفعلين أبدًا ما أُشير به عليك؟ منذ شهور وأنا أتحدَّث إليك عن هذا الأمر، وأنت دائمًا تؤجِّلين! هل ستظلِّين مُهملةً دائمًا هكذا؟»

أفعمتني لهجتها المُستاءة ذعرًا. أردتُ أن أدافع عن نفسي، مُلتمسةً عذرًا ما، لكني تلعثمتُ تحت وقع نظراتها الباردة. بدت لي مخاوفي مضحكة، وانتهى بي الأمر أن أشَحْتُ بوجهي ولزمتُ الصمت. شعرتُ أنه ليس عدلًا منها أن تلومني على عدم الطاعة، طالَما أنها لم تتحدث عن هذا الأمر إلا عرَضًا. وبالرغم من ذلك شعرتُ بالإثم؛ لأنها حتى لو كانت أمرتني، فربما كنتُ وجدت الشجاعة كي أعترف بسلوكي الخفي لأبي.

تأمَّلتْني ببرود، وانتظرتْ أن أتكلم، وعندما لم أفعل قالت: «أعترف بأني لم أكن واضحةً في حديثي. لكن لتفهمي الآن: أمامك أسبوع تتحدَّثِين فيه إلى أبيك. فإذا لم يسمع خلاله …»

لم تستكمِل تهديدها. لكني تخيلتُ أنها تتوعَّدني بأن تتحدَّث إليه بنفسها. وكان هذا الحل، في الواقع، يُناسبني تمامًا.

أجبت: «لماذا لا تُخبرينه أنتِ بنفسك؟» كنتُ مستاءة من اللهجة المتسلطة التي استخدمَتْها، خاصة وأني لم أكن قادرةً على إبداء أيِّ مقاومة.

كررَتْ دون أن تُجيبني: «أسبوع واحد!» وانتقلت إلى موضوعاتٍ أخرى.

خلال الأسبوع الذي تلا ذلك، حاولتُ فعلًا، عدة مرات، استجماع شجاعتي لأتحدَّث إلى أبي. وكأنما تحالفَتْ جميع العناصر ضدي، فلم يحدُث أن كان أبي منشغلًا بالصورة التي بدا عليها وقتئذ: كان دائم الذهاب والمجيء، يُتلفِن، ويرتِّب موعدًا …

لم تذكر تامارا الأمر ثانية، وظلَّت ودودة كعادتها، بلحظات الصمت والبرود المألوفة. لهذا لم أشعُر بالقلق لعجزي عن طاعتها. وقدَّرتُ أن جلَّ ما ستفعله إذا استاءت، هو أن تمتنع عن رؤيتي عدة أيام. ورغم بهجتي المُتزايدة بصُحبتها، فإني كنتُ أراها بكثرة تحتمِل فراقًا وجيزًا. بل إن الابتعاد عنها يُتيح لي أن أُفكر فيها، وفي الأحداث الأخيرة، ويؤدِّي بها إلى الضجَر بكل هذه السِّرية، فتتحدَّث بنفسها إلى أبي، وتكفيني عناء هذا الواجب.

انتظرت، مُؤجِّلةً المهمة من يومٍ إلى آخر، وعندما سألتني أخيرًا، كأنما عرَضًا: «هل عرف أبوك؟» فوجئت، وتضرَّج وجهي، فلم تعُد مُضطرة لانتظار إيضاحاتي المُتعثرة. بدا عليها التفكير لحظةً ثم قالت: «إذا أعطيتُك أسبوعًا آخر، هل ستجدِين الشجاعة؟»

لم تظهر عليها أمارات الغضب. ولأني كنتُ لا أزال أعتقد أنها ستتولى الأمر بنفسها في النهاية، أجبتُ مؤكدة: «كلَّا. لن أجد الشجاعة أبدًا!»

وقبل أن تُتاح لي فرصة للحركة، أو أُدرك ما سيقع، صفعتني مرَّتَين، وبعُنف. وصُعقتُ.

لم يَصفعني أحدٌ من قبل مُطلقًا، ولا أبي. فإذا أراد عقابي وأنا صغيرة، كان يُغلق عليَّ باب غرفتي. جمدتُ في مكاني، يخنقني النشيج الغاضب، وأحاول التقاط أنفاسي، وأُدرك ما حدث. أما هي فقد تطلَّعت إليَّ في هدوء.

قالت: «لن أُعطيك أسبوعًا آخر. يومان فقط. وإذا لم تنصاعي لأوامري هذه المرة، ستنالين المزيد!»

أثار هدوءُها جنوني. لم تكن تملك حتى عُذر الاستسلام لنزوة غضب. فقد صفعتني بتعمُّد، بدافع الخسَّة المُطلقة!

صِحتُ في صوتٍ مُختنق: «كلَّا، لن أُطيعك! سأذهب. ولن تريني ثانية!»

انصرفتُ جريًا، وصفقتُ الباب من خلفي.

عندما بلغتُ المُنتزه، انهرتُ فوق أريكة، وأنا أهتزُّ من النشيج، وقد غمرَني شعور بالظلم وسوء الحظ لدرجةٍ لم أعهدها من قبل.

أدركتُ أنه لا بد من الذهاب إلى المنزل، لكني بقيتُ في مكاني، لا أدري كم من الوقت. وأخيرًا تذكرتُ أن المساء قد حلَّ، وأن جوليا تحتفظ لي بعشاء، فبدأتُ مَسيرتي نحو المنزل في بطء، وفكرة تعاستي تستولي عليَّ كل عشْر ياردات، فتخنقني الدموع، وأستنِد إلى الجدار لأبكي، قبل أن أنطلِق من جديد. ولِحُسن الحظ، لم أُصادف أحدًا من معارفي، فما كنتُ سأتمكن من السيطرة على نفسي، فأُفضي بكلِّ شيءٍ التماسًا لشيءٍ من الراحة.

عندما ولجتُ شارعنا، أبصرَتْني مدام لوسيت، وانتابها الهلَع من مشيتي المُتعثرة، فجَرَتْ من حانوتها ونادَتْني.

سألتني وهي تقودني داخل الحانوت، الذي لم يكن به أحد لحُسن الحظ: «ماذا حدث يا عزيزتي المسكينة؟» كنتُ قد بدأتُ أتمالك نفسي بعض الشيء، لكن كلماتها الشفوقة أثارت فيضًا جديدًا من الدموع. كنتُ عاجزة عن التفوُّه بحرف. فماذا كان بوسعي أن أُخبرها؟ أغلقَت الباب بسرعة وشدَّت رتاجَهُ ثم قادتني إلى الغرفة الخلفية، قائلةً في رقَّة وهي تتطلَّع حولها بحثًا عن مكانٍ أستلقي فيه: «بوسع الزبائن العودة في الغد!» لم يكن هناك غير كرسيٍّ مُفكك الأوصال، بلا ظهرٍ أو مسندَين، ومقعد كبير من القش قرب المدفأة، حيث تستريح عادة. وعندما لم تجد مكانًا غيرهما، جلستْ في المقعد، وأخذتني فوق ركبتَيها، كأني طفلة.

واصلتُ البكاء عدة دقائق كما لو كان قلبي يتمزَّق، وأنا أفكر في تفسيرٍ لتعاستي أُقدِّمه لها. وأخيرًا، مدفوعة بشيطانٍ ما، نهنهتُ في رثاء وإشفاق قائلة: «أبي له عشيقة!»

بدا كأن هذه العبارة البسيطة قد نفذت إلى قلب مدام لوسيت. والواضح أنها كانت تعتقد أن فتاةً شابة مِثلي من حقِّها أن تُصدَم وتحزن عندما تعلم بأمرٍ كهذا. ولم أحاول العثور على عُذر آخر.

غمغمتْ وهي تضمُّني بين ذراعَيها: «يا عزيزتي المسكينة! يا طفلتي العزيزة المسكينة!» شعرتُ أن ما أثَّر في مشاعرها أكثر من أي شيءٍ آخر هو براءتي، ففي نظرها، تكشَّفَت كافة مَباذل العالَم لي عندما عرفتُ بالحياة المزدوجة التي يعيشها أبي، وتخيَّلَتْ أن ذكرى أُمي ضاعفت من حُزني. حدستُ كل هذا من تعليقاتها.

قالت: «يا حَمَلي الوديع! لا تبكِ هكذا يا ملاكي الصغير! المسكينة، البائسة، ويتيمة الأم!»

بدا لي أنها وجَّهت الكلمات الأخيرة إلى السماء، التي دعَتْها لأن تشهد تعاستي. هنا شعرتُ بشيء ما زلتُ أذكره بكل خِزي. كان حُزني قد خفَّ مؤقتًا، وجفَّتْ دموعي، فأدركتُ أنني يجِب أن أعود إلى المنزل دون تأخير، لكني مضيتُ أنتحِب دون رغبةٍ حقيقية، لمُجرد أن أستدرَّ مزيدًا من شفقة مدام لوسيت.

قلت: «وأُمي المسكينة كانت طيبة للغاية. كيف يستطيع نسيانها؟ إن هذا يُشعرني أني يتيمة حقًّا!»

حصدتُ ما سعيتُ إليه: فقد اغرورقَتْ عيون المرأة الفاتنة، وإذا بها تنهض واقفة، وقد تذكَّرت فجأة أني في السادسة عشرة، ولا يجوز احتضاني هكذا بين ذراعيها. لكنها جذبتْني من جديدٍ إلى كتفِها، ومزجت دموعها بدموعي، وهي تحاول التسرية عني.

ساعدَني هذا على أن أنسى تامارا تمامًا لبرهة. ففي الغرفة الخلفية الصغيرة المُعتمة، إلى جوار النار المُتأجِّجة، ووسط الروائح النظيفة المُحببة للورق والأقلام والصلصال، بينما التصقت بكل قوَّتي بهذا الشخص الجميل الحسَّاس الذي كان يُحاول إعادتي إلى صوابي، مُسترخيةً تمامًا بصورة مُمتعة بعد الانفجار العنيف لدموعي، شعرتُ بالسعادة التامة، ولم تُساورني غير أُمنية واحدة: أن أُطيل أمد هذه اللحظة. ويعلم الله كم من الأمور البشِعة كان بوسعي اختلاقها من أجل ذلك، ضد أبي المسكين. لكنني لم أكن بحاجةٍ إلى ذلك. فقد ألِفَت مدام لوسيت، منذ هجرَها خطيبُها في الثانية والعشرين من عمرها، أن تتحدَّث عن كافة الرجال باعتبارهم أوغادًا أنذالًا. هكذا مضت تُوجِّه اللوم إلى أبي، قائلة إنه من العار أن يتركني وحيدةً ليجري خلف النساء، ونصحتني بأن أتوسَّل بالشجاعة، وأتقبَّل كل شيء، وأكدَتْ لي أن أبي، عندما يتقدَّم به العمر، سيكتشف أني الشخص الوحيد الذي أُحبُّه وبقي على وفائه.

لم يرُق لي هذا المستقبل كثيرًا، على أني لم أكن مُصغية لصوتها الرقيق وهو يُردِّد هذا الهراء. كان خدِّي ملتصقًا برقبتها البيضاء، التي بلَّلتها دموعنا، وبين الفينة والأخرى كنتُ أطبع عليها قبلة، مثلما يفعل الأطفال. كانت رائحتها تُشبه رائحة الحبر، ورائحة الكعك المسكر. وتبدَّي ثدياها المُستديران الأبيضان من فتحة بلوزتها. شعرت كأنما هُدهدْتُ، وأُرْضيتُ، ووُوسيتُ. وفكرت ساخرةً أن ما اجتذبها فيَّ للأسَف هو براءتي، فقد كان جمالها حليبيًّا، ناعمًا، يُغري بالالتهام، مُختلفًا كليةً عن جسد تامارا ذي العضلات القوية.

أخيرًا أعانتني على السير، وقادتني إلى الباب.

قالت: «اذهبي الآن يا هيلين. فلا بدَّ أنهم قلقون عليك. أفضل حلٍّ لك أن تكوني باردةً مع أبيك. لا تُحدثيه عن شيء، فلن يألو جهدًا في الدفاع عن نفسه، وربما نجح في إقناعك، خاصة وأنك شغوفة به هكذا إلى درجة العبادة!»

لم أقُل أبدًا إني أعبد أبي، لكن مدام لوسيت أوَّلت حُزني على هذه الصورة. فقد ظنَّت أن ما يُعذبني أساسًا هو خوفي على أبي من الخطيئة. وكانت تراني أحيانًا في الكنيسة، التي كنتُ أذهب إليها لأستمتع بموسيقى الأرغن ورائحة البخور. كانت الكنيسة وقتئذٍ تشغل فضاءً كبيرًا في خيالي، وآخر أقلَّ منه بكثيرٍ في اهتماماتي الروحية. وعلى أية حال، فقد أقلعتُ عن الذهاب إليها كليةً بعد أن تعرفتُ إلى تامارا، فلم أعُد بحاجة إلى التماس النشوة في مكانٍ آخر.

كانت دموعي قد جفَّت، وتمالكتُ نفسي، عندما بلغتُ المنزل. لم يكن المستقبل يشغل سوى حيزٍ ضئيل للغاية من تفكيري. ولم تترك فيَّ الوجبة الصامتة، عبر المائدة من أبي، أثرًا ما. كنتُ أُفكر في مدام لوسيت، فذكراها كانت لا تزال طازجة، وأقبلتُ أستعيد تفاصيلها على مهَل.

أويتُ إلى الفراش في هذا المزاج السعيد. كانت النافذة مفتوحةً بسبب اعتدال الطقس. وسمعتُ خلالها من يتدرَّب على السُّلَّم الموسيقي فوق بيانو. لم تتجاوز الساعة التاسعة عندما ولجتُ حجرتي، لكني كنتُ منهوكة القوى من جرَّاء بكائي، أشعر بوهَنٍ في ساقيَّ، فاضطررتُ إلى الرقاد. كان فراشي إلى جوار النافذة. وظللتُ أمدًا طويلًا مفتوحة العينَين، لا أُفكر في شيءٍ ما مُحدَّد، أتطلع إلى السماء المعتمة، وأنوار المنازل المجاورة، تتلألأ وراء شجرة الليمون، ويتسلَّل ضياؤها خلال خيمة أوراقها الخفيفة، فيُحوِّلها إلى شجرةٍ من أشجار عيد الميلاد. كان بوسعي أيضًا أن أرى مزراب الأمطار، مثل لسانٍ جافٍّ مُستقيم، وقد انزلق فوقه شبَح قطة، وبعيدًا، فوق تلٍّ منبسط القمة، شجرة وحيدة مُلتوية، مثل أشجار الشرق الضامرة. كم حاولتُ خلال جولاتي أن أعثر على تلك الشجرة، بلا جدوى.

قبل أن أُفيق تمامًا في الصباح التالي، وبينما كنتُ ما أزال بين النوم واليقظة، أخذت أتقلَّب في فراشي، كأنما كنتُ أتشبث بالنعاس، لأتجنَّب شيئًا يقبع في انتظاري، شيئًا انحنى فوق فراشي، ولمس وجهي. استيقظتُ مأخوذة. ما الذي أعطاني الإحساس بأن شيئًا رطبًا لمسني؟ لعلَّ قطرات مطر تسلَّلت من النافذة، أو ربما … عندما لمستُ خدِّي أدركتُ أنه مُبلَّل بالدموع، وفكرت: «لن أرى تامارا مرةً أخرى على الإطلاق.» لم أتذكَّر أني تدبَّرتُ هذه الإمكانية بالأمس في شيءٍ من الإذعان. بل إني كنتُ أفكر، أمس، في ضروبٍ أخرى من الراحة واللذَّة. فلماذا بُعث حزني فجأة من جديد؟ بل كيف انطلقت هذه الكلمات من فمي على حين غرة: «لن أرى تامارا مرةً أخرى على الإطلاق.» بالأمس، لم تُحرِّك هذه الفكرة شيئًا، ولم تُوقِظ أية مشاعر. لعلَّها كانت مثل الجراح التي لا يشعر بها المرء فور حدوثها، ولا يتألَّم منها إلا بعد ساعات. كنتُ عاجزة عن الفهم، فالدموع التي ذرفتُها في المُنتزه، دموع الغضب والحزن والخزي، جفَّت بسرعة. لقد عرفتُ هذه الدموع من قبل، عندما كان أبي يزجُرني، أو تُوجِّه جوليا اللوم لي، لكن حزني ساعتها كان حزن الطفل المُعاقَب، الذي يمكن تخفيفه بكلمةٍ رقيقة. وعندما استغرقتُ في النوم بالأمس، كنتُ أشعر بالسكينة وبشيءٍ من الخَدَرْ. لم أحلم، ولم أستيقظ أثناء الليل. ومع ذلك، ها هي الآن الكلمات المُرعبة: «لن تُشاهدي تامارا ثانية.»

بكيتُ بدرجةٍ أقل بكثير من الليلة الفائتة، لكني أخذتُ أذرَع حجرتي جيئةً وذهابًا، والألم يُمزقني، ورقدتُ ثم نهضتُ من جديد عشرات المرَّات. جرَّبتُ أن أقرأ أو أدرس، دون جدوى. وفي ثورة غضبٍ جنونية، مزقتُ نقشًا قديمًا كنتُ أعتزُّ به. وأنا أُردِّد: «غير ممكن، غير حقيقي!» لكني كنتُ مُضطرَّةً للاعتراف بأنه مُمكن وحقيقي، فشعرتُ من جديدٍ بالأسى والحيرة والعذاب. غضبتُ من نفسي، ومن كلماتي البلهاء: «سأذهب، ولن تَرَيني ثانية!» .. هذه الكلمات البلهاء التي فُهْتُ بها. وتلقَّتها بجديةٍ ولا شك. والمؤكد أنها لن ترغب في أن أتراجع عنها. استأتُ أيضًا من عجزي عن تذكُّر ما شعرتُ به من غضب عندما صفعتني. استعدتُ ما دار بيننا من حوارٍ قبل أن تفعل، لأتبيَّن ما دفعني إلى الانصراف وصفق الباب. ولم أشعر بغير المزيد من الأسف. ثم أضيف الخوف إلى يأسي. فماذا لو أن تامارا، بدافع الانتقام، لم تكتف بأنها لن تراني مرةً أخرى. وأخبرت أبي بكل ما دار بيننا؟ وماذا لو أنه حبسَني عند ذلك في المنزل أو أرسلني إلى الدير، أو حال بيني، بطريقةٍ ما وبين رؤية تامارا مرةً أخرى! فلا أراها مُطلقًا بعد الآن! لكن ماذا يدعوني إلى التفكير بهذا الشكل طالما أني، بالفعل، لن أراها بعد الآن؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading