بين ذراعَي تامارا – شارع رامبار جي بيجوين للكاتبة الفرنسية فرانسواز ماليه – جوريس (١٩٥١م)Ramprant des Beguines Par Francoise Maller – Joris 1951-جمع وترجمة صنع الله إبراهيم
عند هذه النقطة، أصبحتُ عاجزة عن التفكير. كان من المستحيل تخيُّل المستقبل بدونها. كنتُ عاجزةً عن أن أتصور نفسي في الشوارع التي كانت تقودني دائمًا إليها، أو عابرة للمُنتزه الذي طالما قطعتُه جريًا لأنضمَّ إليها بأسرع ما يمكن. كنتُ عاجزة عن احتمال وجودها بالقُرب مني، في ذلك المنزل الذي ما زال قائمًا. وعن تقبُّل مغادرتها لمنزلها في الصباح، كعادتها، في ملابس الفروسية، وسيرها بمُفردها في الشارع. كنتُ عاجزة عن تصوُّرها في القطار كل يوم سبت، ذاهبة إلى البلدة المجاورة، أو تتناول غذاء خفيفًا من البسكويت والشاي، وتُمارس كل شيءٍ كالعادة، بينما أُقصِيت تمامًا من حياتها. شعرت أني كنتُ قادرة على احتمال الأمر، لو أن زلزالًا ابتلع رامبار دي بيجويين وحوريته المغوية، بئر السُّلَّم عميق الغور وتامارا ذاتها، بحُليِّها وزخارفِها الهشَّة المُثيرة للسخرية، وأقنِعَتِها الأفريقية، وتمائمها المصنوعة من ألياف النخيل.
استعرضتُ في رأسي كل الأشياء الصغيرة التي تملكها والمكدسَة في صناديق الحلوى أو المبعثرة فوق الأرفف، أشياء أُعطيتْ لها، تذكارات، صناديق حياكة من الصدف، وسائد دبابيس، طلاء أظافر، زجاجات عطور، دمًى دقيقة في الملابس الإقليمية. كانت تامارا، من وقتٍ لآخر، تُحطم بعضًا من هذا كله، تلك التي لم تنجح في حمايتها ذكرى سارَّة، ثم تستبدلها بغيرها، فتحل آنية الزهور البراقة الصغيرة مكان الجوهرة الصينية، ويظهر الجواد الزجاجي حيث كان مُنظف المداخن الخزَفي. لا أعرف لماذا كان أصدقاؤها يُصرُّون على إهدائها هذه الحُلي التافهة التي لا تتَّسِق مع شخصيتها. لكنها كانت مغرمة بها، تستمتع بها في لحظات الضجر، كما يحدُث عندما يتعلق أحد السجناء بعنكبوت.
أوه. تامارا! تفجَّعتُ على كل قطعةٍ من أشيائك، ندبتُ المنزل والشارع وضوء المصباح الطازج فوق السهل الذي تنطلِقِين فوقه، ندبتُ مدرسة الفروسية وهوارد النحيف، وكل واحدٍ من الجياد التي تُحبينها — بلزاك، عيسى، هيروندل … وصوت القش يتساقط في نعومة، مثل منديلٍ يُطوى، الخبب الخفيف لجوادك متجهًا إلى السهل، الشمس والمطر فوق وحدتي المفاجئة وأنا واقفة إلى جوار الحاجز الخشبي، شاعرة بالفراغ الذي خلَّفَه غيابك حتى اليوم التالي. بكيتُ على حُزني عند اختفائك، كأنما كان اختفاءً أبديًّا، وفي المرات التي تحدثتِ فيها إليَّ عن إميلي، بقسوةٍ مُتعمَّدة، وعندما تقولين، لغير ما سببٍ على الإطلاق: «كلَّا. لن أراك غدًا.»
لكن ما أحلى تلك الأحزان التي تلاشت في اليوم التالي بين أحضانك! لأنه كان هناك أيضًا ذراعاك، ونوبات غضبك الرقيقة، وجسدك النحيل الفاتر إلى جوار جسدي، واللحظات التي تنتابك فيها فورةٌ من الحنان، فتتحدَّثين إليَّ في رقة، وأنتِ تُغطين عينيَّ بيدك، بدافع من إحساس غريب بالخجل. وكان هناك فمُك العنيف فوق فمي، ونشوتي ونشوتك. كنتُ عاجزةً عن تقبل فكرة حرمانك من لذَّتك أكثر من فكرة فُقداني أنا للذَّتي. تذكرتُ كيف يتلاشى الهدوء المألوف لوجهك فجأة، عندما تومِض البسمة فوقه، وتنفرج شفتاك عن أنَّاتٍ رقيقة، لا تكاد تُسمَع، بينما تنظُرين إليَّ بعينَين نصف مُغمضتَين، كأنك تغرَقين في حنانٍ سائل، وأسمع من جديدٍ تلك الصيحة الحميمة، منطلقة من أعماق كيانك، أسمع أصواتًا كالهديل تنتهي بعويل، بينما أنيابك الحادة تعضُّ على شفتك الشاحبة، ولا تعودين قادرةً على إخفاء نشوتك الخبيثة بل الحيوانية. أجل، كل هذا كان اللُّبَّ المتأجِّج، الحريف، الذي يتفطَّر له القلب .. لبَّ حُبي لتامارا .. النار التي أدفأت عقلَينا، واخترقنا سخونتها خلال جولاتنا على الأقدام، وأثناء الساعات التي كنَّا نقضيها سويًّا في القراءة إلى جوار المدفأة، أو عندما كنَّا نذهب إلى مدرسة الفروسية — السهل، الصباحات، النهر، المنزل، السماء نفسها … الجميع تلقَّوا دفئها. كان النهر سيبقى مجرد نهر، والسماء مجرد سماء، والصباح مجرد صباح، لو لم يغتسِل كلٌّ منهم في ذلك الضوء المُتأجج: وجه تامارا في نشوتها.
•••
عشتُ هذا الجحيم ثلاثة أيام. ادَّعيتُ أن الأنفلونزا هي التي ألزمتني الفراش. وجاء أبي لرؤيتي، وقد بدا عليه الانشغال أكثر من المعتاد، فلمس جبهتي وعندما وجدَها مُلتهبة نصحَني باستدعاء الطبيب. رفضت هذا. وفي اليوم الثالث، شعرتُ بقليلٍ من التحسُّن، وإذا بحادثٍ يُعيدني إلى هوة اليأس. فلِكي أُبرِّر بقائي في الفراش، شكوت الأرق، فجاءتني جوليا بفنجانٍ من شاي الليمون المُحلَّى قليلًا بطعم الفانيليا. وكانت تامارا، في لحظات رقَّتها العارضة، تُقدم لي شاي الليمون ثم تُضيف إليه بعض الفانيليا. وعندما أشربه، كنتُ أشعر بلذَّة انتهاك المُقدسات؛ لأنه كان يذكرني بما تعدُّه لي جوليا، وهو ما كان يُجسِّد لي راحة الحياة الأسرية. كما كان يبدو لي، وأنا أتناول الفنجان من يدَي تامارا، إن حُبي القَلِق، الرعديد، والمشبوب لها، يُنضح، بطريقة ما، حبي البَنوي لجوليا. وهكذا ما إن أبصرتُ الفنجان في يدِ الخادمة وشممتُ تلك الرائحة، حتى بُهِتُّ وانفجرتُ بالبكاء.
تفاقمَت حُمَّاي، وأعلن أبي أنه لا بد من عرضي على الطبيب في الغد، أحببتُ ذلك أم لم أُحبه. وبالصدفة، نمتُ جيدًا في الليل، وعندما رآني الطبيب في اليوم التالي، مُنتعشة، فيما عدا قليل من الشحوب، أعلن أني لا أشكو من شيءٍ ذي بال، وأمرَني بحزم أن أعود إلى المدرسة وأكفَّ عن التمارُض.
صدعت بالأمر، وظللت عدة أيام أجرُّ قدَميَّ من البيت للمدرسة، قائمة بالتفافات سخيفة لأتجنَّب شارعًا أو منزلًا قد يُذكِّرني بتامارا. ولم أعد أتمشى في المُنتزه أو أقترب من قوارب الميناء. لم أعُد أتسكَّع أمام واجهات الحوانيت، حيث تتملَّكني الرغبة في آلاف الأشياء: أقنعة المهرجانات، رءوس المغازل، الرخام الملوَّن. لم أعد أقرأ، لم أعد أفعل أي شيء. وإذا جلست إلى المائدة، كنتُ دائمًا أكسر كوبًا أو طبقًا. فإذا ما غادرتُها لأحضر منشفةً نظيفة، كنتُ أتعرَّض للحظةٍ من الشرود، فما إن أصل إلى الدولاب حتى أكون قد نسيتُ تمامًا ما أبحث عنه. لم يعلق أبي بشيء، لكنه كان يرقُبني في قلق.
في نهاية أحد الأسابيع، لم أعُد قادرةً على تمالُك نفسي، وقررتُ الذهاب إلى مدرسة الفروسية. كنتُ آمُل أن ألتقي بتامارا، فاقتفيتُ أثر الطريق الذي تسلُكه عادة إلى هناك. لكني لم أُبصِر سوى بعض العمَّال فوق دراجاتهم، مُتجهِين في صمتٍ وسرعة إلى أعمالهم، وصوت عجلاتهم يتردَّد في السكون مثل رفيف أجنحة. هل أقلعَتْ تامارا عن الركوب في الصباح؟ أم اتبعت طريقًا أخرى، لتتجنَّبني؟ بلغتُ البوابات الدوَّارة، دفعتُها في رفقٍ كي لا أُحدِث صوتًا، كي أرى دون أن يَراني أحد. فقد خشيتُ أن تكون هناك وتراني فتغضب وتُعنفني أمام هوارد. لكن البوابة أطلقَت صريرًا مُرعبًا، جاء بهوارد نفسه من أحد المرابط بحثًا عن السبب.
قال: «أوه، هالو يا مدموازيل!» وبدا لي صوته أقلَّ طبيعيةً وسماحة من ذي قبل.
قلتُ مُتلعثمة: «هل .. هل مدام سولر هنا؟»
تأمَّلني في فضولٍ ثم قال: «كلَّا .. لا أعرف إذا كانت ستأتي اليوم .. هل تُحبين الانتظار؟»
هالتني فكرة المشهد الذي قد يراه الجوكي فقلت: «كلَّا، كلَّا.» وهربتُ في حالةٍ يُرثى لها.
ما إن بلغتُ ناصية الشارع حتى رأيتُ تامارا. كانت تتقدَّم ناحيتي، غارقةً في التفكير، وهي تضرب حذاءها ذا الرقبة بسوط الركوب. تسمَّرتُ في مكاني عاجزةً عن الحركة، واقتربَت هي دون أن تلمحني. ورغم عذاب الخوف والحزن، لم أتمالك نفسي من التطلُّع بفضولٍ إلى وجهها. أردتُ أن أرى كيف تبدو عندما تظنُّ أنها بمفردها. بدا لي أقلَّ صلابة، مُستغرقًا في تفكيرٍ حاد، بومضة عذوبة فوق الوجنتَين. أكانت تُفكر بي؟ كاد يغشى عليَّ عندما تخللتْ شعرَها بأصابعها، كما تفعل عادة. وأخيرًا، عندما أصبحَتْ على مبعدة عشر ياردات أو أكثر، استقرَّت عيناها فوقي. لم تجفل، وواصلت تقدُّمها بنفس المشية المُتمهِّلة وهي تنظر إليَّ. تمنيتُ أن أهرب، أو أغوص في باطن الأرض، لكني لم أستطع حراكًا. كنتُ مُسمَّرة لصقَ الحائط بفعل قوةٍ غامضة. وخطر لي أنها قد تلطمني على وجهي بسوطها، لكن هذا الخاطر لم يُمدني بالقوة على الحركة. مرَّت بي دون أن تنبس بكلمة، وهي تنظر إليَّ كأني أحد المارة المجهولين، ثم اتَّجهت إلى المدرسة. ورنَّت مسامير نَعْلَي حذائها فوق الحجارة بصوتٍ واضح مُجرد من أي شفقة. سمعتُ صرير البوابة، ثم اختفت. بقيتُ في مكاني، في ناصية الشارع، الذي كان ما زال غارقًا في الظلمة، أسفل ضوء المصابيح المُضطرب. وبعد دقائق ظهرت، مُمتطيةً صهوة بلزاك، وانطلقتْ نحو السهل دون أن تلتفِت لتتبيَّن ما إذا كنتُ في مكاني ما زلت.
هِمتُ على وجهي طيلةَ الصباح في الناحية، مثل كلبٍ ضال، تأخُذني البغتة عندما يدخل أحد الجياد الحظائر أو يخرج منها، على أمل أن ألمحها، مُتوارية عن أنظار هوارد، الذي قِيل له ولا شك إنها لا ترغب في رؤيتي مرةً أخرى. لكني لم ألمح لها أثرًا. فلا بد أنها مضت إلى جانب السهل، مُلتفةً حول البلدة، بحذاء السور والميناء، كي لا تُصادفني. انتهى كل شيء فعلًا.
اتجهتُ إلى منزلي. كنتُ قد غادرتُه في السادسة صباحًا، وبقيتُ في الشوارع المُتربة حتى الظهر. ولهذا كنتُ في حالٍ تعسة، مُتَّسِخة، مُنهكة، وبلا أمل. تمنيتُ أن أصاب بمرَضٍ خطير يُهدِّد حياتي. وعندئذٍ تأتيني تامارا تائبة، لتنحني فوق فراشي وتغمغم: «اغفري لي! لم أُقدِّر حُبك حقَّ قدره!» وبهذه التخيُّلات تمكَّنتُ من هدهدة حزني حتى بلغتُ المنزل، حيث يُمكنني أن ألجأ إلى فراشي وأبكي كما أشاء.
وجدتُ جدي في غرفة المائدة، جالسًا فوق مقعدٍ من الدمقس، أحمر اللون، وساقاه الطويلتان مُمدَّدتان أمامه، وفي فمه غليون.
يعيش الآن جدي، الذي كان صائد سمكٍ في شبابه، مُتقاعدًا برفقة شقراء في الأربعين من عمرها، يدعوها بمُدبرة منزله. كان عكِر المزاج، غير مبالٍ بنظافته أو هندامه عن عمد، ساخطًا على بطالته الإجبارية (بعد أن فقد ذراعًا في حادثة)، يزدري ابنه الذي ارتقى في المراتب الاجتماعية إلى مكانة «صاحب عمل». لهذا كان يجد لذَّةً خبيثة في مُضايقة أبي بين الحين والآخر، بإغارةٍ على منزلنا يعقبها دائمًا شجار عنيف.
«حسنًا! جئتِ أخيرًا، أليس كذلك؟ اعتقدتُ أنكم هجرتُم المنزل كما تفعلون دائمًا عندما ترونني قادمًا. لكم طريقةٌ خاصة في الترحيب بالمرضى والمُعوَّقين! أين رينيه؟»
أجبتُ مُتلعثمة: «أظنُّه خرج.» فقد حالت دهشتي دون ابتكار عُذرٍ ما؛ إذ كنتُ على يقينٍ أن أبي هرب عندما علِم بمَقدِم أبيه.
قال: «بالطبع! لو لم يفعل لدُهِشت! لقد تلفنتُ هذا الصباح لأقول إني قادِم ولم تكوني بالمنزل. لو كنتِ «لخرجتِ» أنت الأخرى ولا شك.» لم أعبأ بإنكار ذلك لأني لا أُصغى عادةً لما يقوله. كنتُ ما أزال أرى تامارا تقترب منِّي دون كلمة، تبدو لا مُبالية، كما لو أننا لم نلتقِ، ولم نتبادل الحُب .. وفكرتُ فجأة: لعلَّها لم تُحبني مُطلقًا. لعلها كانت تتسلَّى وحسب، لتملأ فراغ بعد الظهر الطويل. ربما كانت تهزأ بي منذ وقتٍ بعيد. كلَّا، لم يكن هذا مُمكنًا. كانت حنونًا معي ورقيقة، أحيانًا. ذات يومٍ أحضرتُ لها زهورًا فقالت في رقَّة بالِغة: «يجب ألا تفعلي هذا أيتها الطفلة العزيزة الغبية.» وفي مرةٍ أخرى طلبَتْ منِّي أن أسجل قائمة كبيرة من الكتب لأقرأها. وتذكرت شيئًا. قالت لي ذات مرة، ونحن مُستلقيتان جنبًا إلى جنبٍ فوق أريكة غرفة المعيشة: «هذه هي المرة الأولى، يا أعز الناس، التي أشعر فيها بالسكينة منذ جئتُ إلى هذا المكان.» كانت تدعوني بأعز الناس لدَيها، بواحتها الصغيرة في الصحراء. أجل، لقد أحبَّتني فعلًا، لا شكَّ في هذا. وأراني إلى جوارها مرةً أخرى، نتمشَّى، ونقرأ سويًّا، وقد أشرق وجهها بالبهجة، وأرى من جديدٍ يدَيها الجميلتَين تسحقان أعقاب السجائر فوق المائدة، أو تحيك في حرصٍ بالِغ، كأنها ملَّاح يُصلح شراعًا. أوه، وجهها، دائمًا وجهها … لكن كيف يسعها، لو كانت تحمِل لي أقلَّ قدْر من الحنان، أن تُعاملني بهذه القسوة، وتتظاهر بأنها لم ترَني، ولا تلتفت لتتبيَّن ما إذا كنتُ ما أزال هناك، تائبة هدَّها الحزن … أجل، كنتُ أنا التائبة! فمهما حاولتُ إقناع نفسي باني لستُ مذنبةً في شيء، كنت نادمةً في أعماقي على انصرافي المفاجئ وكلماتي الغاضبة.
ومرة واحدة، بصورة فظة، منطقية، غير مُتوقعة، مثل شعاع ضوء، خطرت لي فكرة: إنها لم تُحرِّم عليَّ العودة! أنا التي فرضتُ على نفسي الحرمان بنفسي! لماذا لم أُدرك منذ ذلك اليوم البغيض، أني أستطيع العودة إلى مسكنها؟ لأني تصوَّرتُ أنها ستأخذ بجدية كلماتي القاطعة، بأني لن أزورها مرةً أخرى. عندما فُهت بتلك العبارة، شعرتُ أني نطقتُ بحكم إعدامي، وكانت تعاستي، التي تمخَّضت عن عبارة «لن أرى تامارا مرةً أخرى على الإطلاق.» من الحدة بحيث حالت بيني وبين أن أُدرك، خلال الأسبوعَين الماضِيَين، أني أنا، وليست هي، من قالتها. إذن … لعلَّها انتظرَت عودتي؟ وربما كانت تعيسةً مثلي، لكن كبرياءها منعتها من اتخاذ الخطوة الأولى؟ ربما ما زالت تُحبني! هذا الأمل، الذي انتعش، في نفس اللحظة التي اعتقدتُ فيها أنَّ كلَّ شيءٍ قد ضاع، رفع معنوياتي إلى السماء. كل شيءٍ الآن يمكن تفسيره. لقد انتظرَتْ عودتي طوال أسبوعين، ولهذا تجاهلتني بدافع من غضبها المشروع. كانت غاضبةً منِّي لأني تركتُها، ولعلَّها ظنَّت أني لم أعُد أُحبها، مثلما ظننتُ أنا أنها لم تعُد تُحبني. فهمتُ كل شيء، وصفحت عن كل شيء، واغتفرتُ كل شيء. حتى العنف الذي مارسته معي، وأثار حفيظتي، بدا لي الآن مشروعًا. لعلَّها ظنَّت أني عازفة عن إمتاعها، أو أني أشعر بالعار من صُحبتها، أو … أيًّا كان الأمر، كنتُ على استعداد لمغادرة المائدة، والاندفاع إلى رمبار دي بيجوين، لأُحيط عنقها بساعدَي، وأُحدثها عن مدى حُبي لها، وعن تعاستي، وعجزي الغبي عن الفهم. لكن ما كان بوسعي أن أترك جدي، الذي جلس هناك، يأكل في صمت، صورة مُجسَّمة للاستياء.
أكل بشراهة، ومسح شارِبَه عدة مرات؛ لأنه كان طويلًا يتخلَّل الحساء. لكنِّي كنتُ أتأمَّله في سماحة. كنتُ مذهولة من غبائي، ومُعاناتي المروعة نتيجة شيءٍ لا وجود له. وبدأت أشعر بالسعادة لأني عانيتُ إلى هذه الدرجة، طالما أنه لم يكن ثمَّة مُبرر، وطالما أني، بعد ساعة، إذا لم تكن تامارا بالخارج، سأستمتِع مرةً أخرى بالسعادة التي خِلتُ أني فقدتُها إلى الأبد، وستكون سعادتي أكثر لأني قادرة الآن على تبيُّن مداها.
نظرتُ إلى مَنكِبَي جدي الكبيرَين، ويده الوحيدة، وقد بدا ضخمًا، تعوزه رشاقة الحركة والتعبير، مثل وحش غريب، ووجهه المُغضن، وعينيه الصغيرتَين الرماديتَين الحذِرتَين، وأدركتُ فجأة أني عاجزة عن كتمان ما بقلبي:
قلت: «أتعلَم يا جدي؟ أنا جد مُغرمة بك.»
رفع رأسه في دهشة، فلم تكن عادتنا أن نتبادل كلمات الحب. سألني في شيء من التبرُّم: «أأنت مريضة؟» لكنه فيما يبدو ندم على وقاحته في الحال ومال نحوي قائلًا: «أجل يا طفلتي. وأنا مُغرم بك. ليس بك الكثير من أبيك، وتبدين أحيانًا مثل واحدةٍ من فتياتنا.» وكان يعني بذلك الصيادين، مقابل بنات أصحاب الأعمال، الأعداء. اعتبرتُ حديثه من قبيل الثناء. لكني التمستُ عذرًا، بعد الحلوى مباشرة، للانصراف.
قلت: «إنهم ينتظرونني في المدرسة الآن.»
قال: «آه! أنا أعرف ماذا تعنين بالمدرسة. حسنًا، حذارِ أن تحملي وإلا أنت تعرفين ما سينالك من أبيك!»
تضرَّج وجهي بشدة، على ما أظن. لكني لم أعبأ بنصيحته. شعرتُ أنه مسرور من فكرة قيامي بأفعالٍ ما من وراء ظهر أبي.
قلت: «وداعًا يا جدي.»
قال وهو يُمسكني من خاصرتي: «لينا، إذا واجهتكِ أي متاعب، تعالَي إلى جدِّك العجوز، وسوف يُصلح كل شيء. والآن، اذهبي أيتها التافهة التي لا تصلح لشيء.»
لم يحدُث أبدًا من قبل أن تخلَّى عن تحفُّظه. وأدركتُ أني فُزت بعطفه. وشجَّعني ذلك، إذ اعتبرته إشارةً من السماء.
مضيتُ دون إمهالٍ إلى رامبار دي بيجوين. وارتقيتُ الدرج جريًا، دون أن أُلقي نظرَتي الودودة المُعتادة إلى التماثيل الأنثوية، وضغطتُ جرس الباب. فعلتُ ذلك دون تفكير، ودون حتى أن أنتظر حتى ألتقط أنفاسي.
فتحت تامارا الباب بعد برهة.
كانت خطتي الوحيدة أن أُلقي بنفسي بين ساعدَيها، وأترك العنان لدموعي، ثم تتولى الصدفة أمر الباقي. لكنها وقفت بعيدًا، فعجزتُ عن تنفيذ ما نوَيتُه، وبقيتُ أمامها في بلادة، أُحدِّق في خطوط الأرضية. فاضت عيناها، الباردتان عادة، بنظرةٍ ساخرة. لكنها تكلَّمت، كما اعتقدت، بشيءٍ من الرقة.
«آه … ها أنتِ قد جئت!»
قلت: «أجل، فكرت .. اعتقدت …» وتلعثمت، عاجزةً عن التعبير، وأنا في مكاني عند المدخل.
تراجعَتْ إلى الوراء، مُفسحة لي الطريق، وقالت: «ادخلي لحظة.»
وجدتُ نفسي أخيرًا وسط الحجرة. وبأمل التوصُّل إلى مصالحة، خطوتُ نحو الأريكة لكنها جلست فوق ذراع مقعدٍ واستوقفَتْني قائلة: «أنا أمنعك من الجلوس. أجيبيني أولًا. هل تغلَّبتِ على نوبة غضبك الصغيرة؟ هل ندمتِ على انصرافك؟»
غمغمت: «أجل.» كانت تتأمَّلني من أعلى إلى أسفل، فشعرتُ باضطرابٍ شديد، وارتعدتُ خوفًا من ألا تتطوَّر الأمور بيننا كما تمنيت.
«تُريدين العودة؟ كأن شيئًا لم يحدُث؟»
أطرقت برأسي.
«حسنًا جدًّا. اطلُبي الصفح.»
وكانت تعبث دون اهتمامٍ بنرد.
«إذا أردتِ البقاء، فيجب أن تنحني فوق ركبتيك، وتطلُبي المغفرة.»
لم يكن هذا بوسعي. ليس بدافع الخِزي أو العناد. فلم يكن بإمكاني الركوع وسط هذه الغرفة، وأمام هذه المرأة، التي كانت تتأمَّلني بتهكُّم، وتسألني التوسُّل طلبًا للمغفرة على شيء ارتكبَتْهُ هي في حقي. هكذا وقفتُ مكاني بلا حراك، أُناشدها بعيني ألَّا تُطالبني، وأن تُدرك أني نلتُ كفايتي من العقاب لو كنتُ أستحقُّه، وأني أُحبها.
اعتدلتْ واقفة، وتقدمتْ منِّي في عزم، ودون أن تُضيف كلمة، استغلَّت بغتتي، وأمسكتني من كتفيَّ ثم دفعتني نحو الباب. وعندما صرت في الخارج، أغلقته خلفي.
بقيتُ وحدي في بئر السُّلم الذي ساده الصمت. وجاءني صوت ارتطامٍ مُتتابِع من الفناء. لا بد أن أحدًا كان ينفض سجادة. لم أعد قادرة على احتمال المزيد. فبعد ما عانيت من عذاب، راودَني الأمل المجنون، وأخيرًا هذا السقوط من جديد في هاوية التعاسة، التي لن يكون لها حدٌّ هذه المرة. فلن تتراجع عن موقفها، ومهما توسَّلتُ وناشدت، سيبقى بابها مغلقًا إلى الأبد في وجهي. إلى الأبد.
ضغطتُ الجرس من جديد. لم تفتح الباب. فالتصقتُ به: «تامارا! إنها أنا! افتحي الباب، أتوسَّل إليك! سأفعل كل ما تطلبين!»
انتظرتُ مدة طويلة في سكونٍ مُطبق. كانت في الغرفة ولا شك. فعندما دخلتُ كان الباب المؤدي إلى المطبخ مغلقًا، وما كان بوسعها أن تفتحه دون أن أسمع صوت احتكاكه بالأرض. ومعنى هذا أنها لا تزال في الغرفة، خلف هذا الجدار، وأنها سمعت صوتي. كنتُ أعرف أن أي شيءٍ يحدث عند العتبة، يُسمع بسهولة في الداخل. ومع ذلك لم تفتح لي! كانت تتعمَّد تعذيبي، وتريد أن ترى إلى متى سأبقى مُتوسِّلة أمام الباب المُغلَق. لكن ذلك لم يكن بذي أهمية كبيرة. فلن أنصرف قبل أن أراها. فما كان بوسعي أن أواجه مرةً أخرى أيامًا كتلك التي مضت. يستطيع المرء أن يتقبَّل نازلةً ما، عندما لا يُدرك كُنهها بالضبط، عندما تأتي بشكلٍ مفاجئ، وتهبط فوقك كثقلٍ هائل لا فكاك منه. لكن عندما تعرف التفاصيل الكاملة لها. وتكون قد قضيتَ أسبوعين تحت وطأتها، وعانيتَ كافة مراحلها: المرض، الآمال الزائفة، الذكريات، الانتظار القلق والمُثير للسخرية، وعندما تكون قد تجاوزت هذا الجحيم، وشعرت بأنك قد نجوت، وأصبحت على أُهبة أن تُقدِّم شفتيك لفرحٍ جديد، تكفي كلمة واحدة لأن تقضي عليك، ولهذا لا يمكن احتمالها. إذ كيف يمكنك الاحتفاظ بصفاء التفكير، كيف يمكن أن ترفض أية تضحية، أو ترفض التوقيع على حُكم إعدامك؟
توسَّلتُ إليها: «تامارا!» وفي مواجهة هذا الصمت فقدتُ كل سيطرة. كان لا بد من إجبارها على الاستجابة، ومن رؤيتها مرة أخرى، مرة واحدة أخرى. فإذا كان الفراق مُحتمًا، فلا يجب أن يتم الأمر هكذا، دون وداع، وبلا إيضاح. انتابني هياج بالِغ، وتمنَّيتُ لو أطلَقَت العنان لغضبها، وانفجرت ثائرتها، واتَّهمتْني بشيءٍ ما على الأقل!
«تامارا! افتحي الباب. سأطلب الصفح والمغفرة! تامارا! يجب أن أراك!»
ضغطتُ الجرس مهتاجة، وخَبَّطْت على الباب، وأنا أنشج وأتوسَّل. لم أعبأ بأن يسمعني السكان الآخرون، ولم تعُد تامارا نفسها بذات أهمية. فقد استحوذت عليَّ فكرة واحدة: لا بد من فتح الباب.
«سأظلُّ هنا حتى تفتحي! سأبقى طول الليل!»
غصصتُ بالدمع. وبلغ بي الأمر أن ضربتُ الباب بحذائي، ظنًّا مني أنها ستفتحه عندئذٍ اتقاءً للفضيحة. وأخيرًا، خانتني قواي، فتهاويت على أرض البسطة، وأنا أُردِّد في هيستيرية كلماتٍ غير مفهومة، وأعض منديلي، وأتمرَّغ على الأرض، وأضرب رأسي في الحائط، هذا الباب المغلق.
وفجأة، أُسْكِتُّ وشُلَّ كياني: فقد خرجَت تامارا إلى البسطة. انحنت فوقي، فأنهضتني فوق قدمي، وقادتني وهي تسندني إلى الداخل، نحو المطبخ، قامت بكل هذا في برود، أدركتُ معه أن سلوكها نابع من الضرورة. واصلْتُ البكاء في صمت، بمِثل ما واصل قلبي الدق، وكدت أختنق بدموعي المكظومة وأنا أسعل وألتقط أنفاسي. كان ثمة صنبور يَقْطرُ في بطء. كنتُ خائفة، شاعرة بالخِزي، وكلما نظرتُ إليها عاودني السعال والنشيج بشكلٍ لا إرادي. وبعد دقائق أمسكتني من رقبَتي، ودون أن تعبأ بمقاومتي، وضعت رأسي أسفل صنبور الماء البارد، بعد أن فتحته على سعته. وأخيرًا أطلقتني، وانتظرَتْ في صمتٍ حتى انتهيتُ من تجفيف وجهي وعنقي، ثم أشارت لي أن أتبعها إلى غرفة المعيشة. وهناك أومأت إلى وسط الأرضية وقالت بإيجاز: «اركعي.»
هذه المرة ركعتُ دون تردُّد. ففي تلك اللحظة كان بوسعها أن تُرغمني على أي شيء.
قلت في ذلة: «اصفحي عني!»
نظرت إليَّ لحظة.
قالت: «طيب.»
ثم تقدَّمَت مني. ظننتُ أنها تنوي الاستمرار في تعذيبي، وأنها ستصفعني، وعاهدتُ نفسي على الخضوع والقبول بكل شيء. لكنها ركعت إلى جواري، واحتوتني بين ذراعَيها، وقبَّلتني، ببطء، ودُربة وحلاوة، إلى أن دفعتني إلى الخلف، ورقدتُ بين ذراعَيها فوق الأرضية.
•••
لم أعهد مُطلقًا من قبل لذَّةً أكثر حدةً من تلك التي عرفتُها في ذلك اليوم الذي ظننتُ فيه أني فقدتها. ولم أُدرك من قبل بمِثل هذا الوضوح، مدى سلطانها عليَّ، واللذة الشريرة التي تستمدُّها من استخدامه.





