ظاهرة التفاهة والرداءة في العالم المعاصر:بين هيمنة السطحية وتراجع القيم وتشظّي المجتمعات – سيار الجميل

أولاً: مقدمة : مفهوم التفاهة
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة مست مختلف جوانب الحياة الإنسانية، من الثقافة والإعلام إلى السياسة والاقتصاد والتعليم. ومن أبرز الظواهر التي أثارت اهتمام المفكرين والباحثين في العقود الأخيرة ما يمكن تسميته بـ”ظاهرة التفاهة”، أي صعود الأشخاص والأفكار والمحتويات السطحية إلى واجهة المشهد العام على حساب الكفاءة والمعرفة والقيم الإنسانية الرفيعة. وقد أصبح الإنسان المعاصر محاطًا بسيل هائل من المعلومات والصور والمحتويات التي تمنحه المتعة الفورية، لكنها كثيرًا ما تفتقر إلى العمق والمعنى. لا تعني التفاهة مجرد البساطة أو الترفيه، بل تشير إلى هيمنة ما هو سطحي وعابر على حساب ما هو جاد ومؤثر. فالتافه في هذا السياق هو ذلك الذي يحظى بالاهتمام والشهرة والتأثير رغم محدودية إسهامه الفكري أو الأخلاقي أو العلمي. وقد أشار عدد من المفكرين المعاصرين إلى أن المجتمعات الحديثة أصبحت تقيس النجاح بعدد المتابعين والمشاهدات أكثر من قياسه بالإنجاز الحقيقي أو القيمة المعرفية.
ثانياً: المفكر الكندي ألان دونو قصد الرداءة لا التفاهة
المفكر الكندي آلان دونو، أعرفه جيدا قبل شهرته وشاركت في بعض فعالياته في اقليم كيبك الكندي قبل سنوات ، واسم كتابه الشهير هو La médiocratie ( 2015) (وترجم عربياً إلى: نظام التفاهة أو عصر التفاهة). وترجمة La médiocratie إلى العربية ليست واحدة نهائية، بل هي اجتهادية لأن الكلمة الفرنسية médiocratie مركّبة (من médiocre = الرداءة/الوسطية، و -cratie = حكم/سلطة). لذلك ظهرت عدة ترجمات، لكل منها دلالة، واذا كان آلان دونو قد قصد الرداءة المؤسسية ، فأنا أقصد التفاهة المجتمعية لدى الانسان المتعصب ( كتابي: المزامنات الأولى ،2002 ، 2016) ..
يصف آلان دونو في كتابه عالماً لم تعد فيه الكفاءة ولا المعرفة العميقة معياراً للتقدّم، بل صار الامتثال والسطحية والقدرة على التكيّف مع الرداءة هي العملة الرائجة. فالنظام، كما يراه، لا يُقصي الموهوبين بشكل مباشر، بل يُعيد تشكيل المعايير بحيث لا يعود للتميّز مكان، ويُكافأ من يلتزم بالحد الأدنى المقبول دون أن يثير الأسئلة أو يخلخل البنى القائمة. في هذا المناخ، تتسلل التفاهة إلى المؤسسات، من الاقتصاد إلى الإعلام إلى الجامعة، حتى تصبح القاعدة لا الاستثناء، ويغدو الصوت النقدي عبئاً، فيما يُحتفى بمن يجيد تكرار السائد بلغة مهذبة وخالية من العمق. إنه عالم تُدار فيه الرداءة بكفاءة، وتُقصى فيه الجرأة باسم المهنية، فيتحول الإنسان من باحث عن الحقيقة إلى موظف داخل نظام يُنتج المعنى الزائف ويعيد تدويره.
ثالثاً: أسباب انتشار التفاهة / الرداءة
هيمنة منطق الربح التجاري على الإعلام. والثورة الرقمية وسهولة صناعة المحتوى ونشره. وتراجع القراءة وخبا الاهتمام بالمعرفة العميقة في مجتمعاتنا. مع رحيل قيم الماضي وانتشار الطائفية والانقسامية وثقافة الاستهلاك السريع والبحث عن المتعة الفورية. وضعف المؤسسات التربوية والثقافية في بعض المجتمعات. ويتبلور العلاج الأسمى مع تعزيز التربية على التفكير النقدي. ودعم الثقافة الجادة والبحث العلمي. وتشجيع القراءة والحوار الفكري. وتطوير إعلام مسؤول يوازن بين الترفيه والمعرفة. وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية والإنسانية في التعليم والحياة العامة.
مظاهر التفاهة في مناحي الحياة
1. في السياسة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي
في بعض الدول، أصبح الخطاب السياسي يعتمد على الصورة الإعلامية والشعارات المختصرة أكثر من اعتماده على البرامج والأفكار. ويُلاحظ أحيانًا أن الجاذبية الإعلامية للسياسي أصبحت عاملًا مؤثرًا في نجاحه أكثر من كفاءته أو خبرته. وغدت الشهرة في كثير من الأحيان متاحة لأي شخص قادر على صنع الاكاذيب وإثارة اللغط أو جذب الانتباه، بغض النظر عن مضمون ما يقدمه. فبينما يقضي العلماء والباحثون سنوات طويلة في إنتاج المعرفة، قد يحصد شخص يقدم محتوى سطحيًا ضحلاً ملايين المشاهدات خلال ساعات. وأصبحت الأخبار المثيرة والفضائح والحياة الخاصة للمشاهير تحظى باهتمام أكبر من القضايا العلمية والثقافية والإنسانية المهمة.
2. في التربية والتعليم الاكاديمي والثقافة والفن والعلاقات الانسانية
تأثرت المنظومة التعليمية بثقافة السرعة والاستهلاك، فأصبح بعض الطلاب يبحثون عن النجاح السريع والحصول على الشهادات دون الاهتمام الحقيقي ببناء المعرفة أو تنمية التفكير النقدي. كما تراجعت مكانة القراءة العميقة أمام المحتوى السريع والملخصات المختصرة. وشهدت بعض المجالات الفنية انتشار أعمال تحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا رغم محدودية قيمتها الفنية أو الفكرية، بينما تجد الأعمال الجادة صعوبة أكبر في الوصول إلى الجمهور الواسع. وأصبحت العلاقات في بعض الأحيان محكومة بمنطق الاستعراض والصورة الخارجية. فبدل التركيز على الصدق والوفاء والتواصل الإنساني الحقيقي، بات البعض يقيس نجاح حياته الاجتماعية بعدد الإعجابات والمتابعين.
رابعاً: الاحتيال الجمعي باسم المعرفة ( المزيفة)
في زمن التفاهة، لا يكتفي بعضهم بالجهل، بل يلبسه ثوب المعرفة ويمارسه بوصفه سلطة. ترى أفراداً يتحدثون باسم “البحث العلمي” وهم أبعد ما يكونون عن روحه ومنهجه، فقراءاتهم مبتورة، واستنتاجاتهم خاوية، وأحكامهم تُلقى كحقائق نهائية بلا سند متماسك أو أي تحقق منهجي. الأخطر من ذلك ليس خطأهم فحسب، بل يقينهم المغلق؛ إذ يتعاملون مع النقد بوصفه اعتداءً، ومع التصحيح بوصفه تقليلاً من شأنهم، فيرفضون أيّ مراجعة أو حجّة أو وثيقة تخالف ما استقر في أذهانهم. إنهم يمارسون نوعاً من الاحتيال العلمي الناعم، حيث تُستبدل الأدلّة بالادعاء، والمنهج بالانطباع، والتواضع المعرفي بنبرة فوقية لا ترى في الآخرين إلا تلامذة متأخرين. وهكذا يتحوّل الخطاب العلمي إلى ضجيج، وتغدو الحقيقة ضحيةً بين جهلٍ واثقٍ ونرجسيةٍ لا تُصحَّح.
خامساً: ازدواجية التافهين
وثمّة وجهٌ آخر أكثر ابتذالاً لهذه التفاهة، يتجلى في ازدواجية صارخة؛ حيث يتزيّن بعضهم بخطاب المرونة والتقدمية والتمدّن، بينما تنكشف ممارساته على أرض الواقع بوصفها طائفيةً ضيقة ومحاصصاتٍ مقنّعة. فهو لا يرى في المشهد إلا أبناء دائرته، ولا يكرّس في ذاكرته إلا أسماءً بعينها يكرّرها بإلحاح، كأنها تمثّل الحقيقة وحدها، متجاهلاً عمداً أو لاوعياً كل ما عداها. وحين يشيد، فإنه يشيد ضمن حدود انتمائه، لا ضمن معايير القيمة والمعرفة. هذه الانتقائية الفجّة، التي تتغذّى من وعيٍ باطنٍ مثقل بالتحيّز، تتحول إلى أداة إقصاء مبطّن، بل إلى تنكيل رمزي بالآخر المختلف. وما نراه في العراق مثال صارخ على هذا الانحدار، حيث يُعاد إنتاج الانقسام تحت لافتات حداثية زائفة، فيغدو الخطاب الراديكالي التقدّمي أو الثوري القومي أو حتى الليبرالي الحر .. مجرد قناع هشّ يخفي وراءه ذهنيةً تقليديةً إقصائية لا تختلف كثيراً عمّا تدّعي معارضته.
سادساً: التافهون واقصاء المبدعين
ليس غريباً، في هذا السياق، أن يتحوّل الفضاء الأكاديمي ذاته إلى ساحة إقصاء مغلّف بشعارات نبيلة وفي بواطنه غلو وكراهية بشعة . فكم من أستاذٍ حمل شوق العودة إلى بلده كما هو حال الاستاذ (س) ملبّياً دعوة وجدانية نحو وطنه ، ظانّاً أنه سيجد بيئة تحتفي بالمعرفة وتراكمها، فإذا به يُواجَه بجدار من الاتهامات الجاهزة قبل أن تطأ قدماه أرض العراق . لا نقاش في نتاجه، ولا مساءلة لمنهجه، ولا احتراماً لمكانته بل تصنيف مسبق يختصره في خانة طائفية ضيقة، ويُقصيه باسم قيم يُفترض أنها نقيض الإقصاء. هنا لا تعود المشكلة في حادثة بعينها، بل في بنية ذهنية تُخفي خوفها من الاختلاف خلف ادعاء ات واهية، وتستخدم اللغة الأخلاقية سلاحاً رمزياً لتصفية الحضور العلمي غير المرغوب فيه. إنها لحظة ينقلب فيها المفهوم إلى نقيضه: فمناهضة العلماء تُمارَس بروح طائفية مقززة ، والدعوة إلى الانفتاح تتحوّل إلى آلية لإغلاق الأبواب، والتهميش وتشويه السمعة لتغدو الجامعة-في بعض تجلياتها مرآةً لخلل أعمق في الوعي الجمعي، لا مجرد مؤسسة لإنتاج المعرفة.
سابعاً: الإقصاء المعرفي، أو الانتقائية الأيديولوجية وتزوير الوعي
ثمّة انحطاط أخلاقي صريح يتخفّى في بعض الكتابات المعاصرة، لا علاقة له بالاختلاف المشروع ولا بالمنافسة العلمية، بل هو إقصاء متعمّد وممنهج لكل اسم لا ينسجم مع القناعات الضيقة لكاتبه. يتعمّد بعض الكتّاب حذف مفكرين بارزين من المشهد، رغم حضورهم العلمي الواضح وأعمالهم الرصينة منذ أكثر من ستين سنة وحتى اليوم ، لا لضعفٍ في نتاجهم، بل لأنهم ينتمون إلى فضاء عقائدي أو طائفي أو أيديولوجي مغاير. هذا السلوك ليس مجرد انتقائية، بل هو تزوير للوعي الثقافي، وعبث مقصود بخرائط المعرفة، حيث يُعاد إنتاج المشهد على صورة الولاءات لا على معيار القيمة. إن إحياء أسماء استُهلكت، وتكرارها بوصفها مرجعية وحيدة، مقابل الصمت المريب عن معاصرين أكفاء، يكشف عن ذهنية تخشى الاعتراف، وتعجز عن مواجهة التنوع، فتلوذ بالإلغاء بدل الحوار. إنها ليست كتابة، بل ممارسة إقصائية فجة، تُخفي عجزها خلف ادعاء الثقافة، وتشي بانحدار أخلاقي عميق يضرب جوهر الفعل المعرفي في مقتل. ان عشرات بل مئات الكتّاب ينشرون ويهذون من عندياتهم بلا دقة ولا لغة ويرددون مصطلحات ومرادفات بلا فهم ولا معنى ، علما بأن لا ينفعنا التنظير والانشائيات بقدر ما ينفعنا النقد والمنهج واخلاقيات الكتابة .
ثامناً: كيف ؟ انه التواطؤ الصامت ضد الكفاءة.
ثمّة شكل أكثر خفاءً من الرداءة، لا يظهر في ضعف الفكرة بل في سوء النية الثقافية، حين يتعمّد بعض الكتّاب التغافل عن ذكر مفكرين بارزين من بيئتهم نفسها، لا لقصورٍ في نتاجهم، بل لاختلافٍ عقائدي أو طائفي أو أيديولوجي. هنا لا يكون الصمت بريئاً، بل يتحوّل إلى ممارسة إقصاء معرفي، يُعاد من خلالها تشكيل الذاكرة الثقافية على نحو انتقائي، يُبرز أسماءً استُهلكت أو عفا عليها الزمن، ويُقصي أخرى حيّة وفاعلة ومؤثرة. إنها ليست منافسة، لأن المنافسة تفترض الاعتراف بالآخر، بل هي نوع من التواطؤ غير الاخلاقي ضد الحقيقة، حيث تُدار الثقافة بمنطق الولاء لا بمنطق القيمة. في هذا السياق، يغدو الكاتب حارساً لحدود ضيقة لا باحثاً عن المعرفة، وتتحوّل الكتابة من فعل اكتشاف إلى أداة فرز وإلغاء، بما يكشف عن أزمة أخلاق قبل أن يكون أزمة منهج.ومشكلة تفكير متوارث عبر الأجيال.
تاسعاً: خاتمة تقول : الحصيلة في العلاجات
إن ظاهرة التفاهة والرداءة ليست مجرد مشكلة ثقافية عابرة، بل تحدٍ حضاري يمسّ طريقة تفكير الإنسان المعاصر ورؤيته للعالم. فحين تصبح الشهرة أهم من الكفاءة، والضجيج أهم من الحقيقة والتشويه متعمد ، والتهميش اداة جمعية ، والمظهر أهم من الجوهر، تدخل المجتمعات في حالة من الخلل القيمي والمعرفي. ومع ذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تظل ممكنة عبر التعليم والثقافة والوعي النقدي، وعبر إعادة الاعتبار للمعرفة والأخلاق باعتبارهما أساس التقدم الإنساني الحقيقي. مع تعزيز التربية وممارسة التفكير النقدي. ودعم الثقافة الجادة والبحث العلمي. وتشجيع القراءة والحوار الفكري وقبول الآخرين فهم ابناء وطن واحد قبل أن يكونوا جماعات تأكل واحدتها الأخرى . وعلى الدولة وكل مؤسساتها تقع مسؤولية التوازن والعدالة وتطوير إعلام مسؤول يوازي بين القيم الوطنية والمعرفة وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية والإنسانية في البلاد.





