كتابات حرة

سوريا 8 ديسمبر 2024 وتغيير المعادلة الصعبة – سيّار الجميل – كندا

469823075 10228326793780445 5716940657029758118 n

دعوني اليوم أتوسّع قليلاً بشأن أخطر حدثٍ تاريخيٍ عربي قلبَ نظام حكم بشار وحافظ الأسد في سوريا .. أقرأ ردود فعل متباينة حول ما يحدث في سوريا . ومن المستغرب أنّ الشعب السوري بقضّه وقضيضهِ يستقبله بفرحٍ غامرٍ وبدموع مثيرة من قوة النشوة في حين تصدر أصوات عربية ، وخصوصاً من بعض العراقيين بالقدحِ والتأويلات والعواطف السياسية والانشائيات العابرة والتباكي المبطّن بلا تفكير بما كان ، وبلا تأمل في العوامل التي أنتجت هذا الحاضر .

ان العالم يتابع كلّه ما حدث في سوريا من تغييرٍ جذريٍ ، قلبَ كلّ الموازين رأساً على عقب ، وخصوصاً بعد هروب بشار الأسد وسقوط نظامه السياسي الذي عمّر أكثر من خمسين عاماً ، اذ ورثَ الحكم عن أبيه في عملية مضحكة في تبديل فقرة في الدستور خلال ثلاث دقائق .. واذا كان العالم قد نسيَ سوريا وما فعله هذا النظام الراحل بأهلها الكرام وبمجتمعها على عهدي الأب والأبن من جرائم وانتهاكات ، فانّ السوريين قد دفعوا أثمان باهضة جداً يصعب تخيّلها .

حدث التغيير دراماتيكياً خلال اسبوع وانهار النظام العاتي في ساعات ، وخرج الشعب السوري عن بكرة أبيه منذ الفجر يملؤه الفرح وتغرورق عيونه بالدموع .. ولقد تابعت مجرياته ليل نهار باهتمامٍ بالغٍ لأنه كما وصفَ بـ ” يومٍ تاريخي ” عبّر عن ارادة شعبية وطنية مهما كانت الادوات ومهما تنوعت العناصر ومن وقف من وراء الأستار ..

انني أكتب الان كمؤرخ لا كسياسي. وكنت قد صرفت أكثر من أربعين عاماً في متابعتي لشؤون كلّ شؤون المنطقة ، فالمراقب ينبغي أن يبحث في الأسباب ويتابع المجريات لا أن يبقى يتخيّل ما ستؤول اليه النتائج ويخيف الناس، فقد قالت العرب : ربّ ضارةٍ نافعة ! وأعتقد أن من يتفلسف بذلك انمّا يعبّر عن انعكاسات قلب المعادلة وعودة سوريا الى أهلها الحقيقيين .. وان تغيير نظام الحكم فيها قد اعاد التوازن السياسي الى منطقة الشرق الأوسط عموماً ، وهذه حقيقة لا ينكرها الّا من يصطف مع حلفاء النظام السابق وفي مقدمّتـهم ايران .

ان منطقة الشرق الاوسط لا يمكن أن يقوم بالتنظير في شؤونها الّا من خبر تاريخها منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم ، وأدرك قوّة التحدّيات فيها وعناصر القوة والضعف في بنيتها .. ورؤيته المقارنة بين النتائج التاريخية وهي التي تعدّ كتلة كبرى وبين الجزئيات السياسية التي تتميز بسرعة متغيراتها كونها مجهرية لا يمكن رؤيتها. انّ الحدث السوري هو حدث خطير في نتائجه على المدى الطويل لا على المدى القصير ، وهو سيسحب غيره والعراق في مقدمتهم . وعليه ، فانني انصح بعدم اطلاق الاحكام من خلال توقعّات وعواطف واعلاميات مضادة . ان ما حدثَ وتحقّق على الارض يوم 8 ديسمبر الجاري قد قلب الموازين كلها في الشرق الاوسط ، ولا تسمعوا الى ما يشيعه البعض من الكتاب الانشائيين أو الذين ينقلون ويترجمون النصوص عن الاخرين. اذ يلوكون العبارة ” انّ المنطقة مقبلة على التقسيم”، وكأن بشار الاسد كان سيحمي وحدة سوريا وهو نفسه الذي ساهم في تدميرها وتجزئتها مع حلفائه الذين قاموا بتفسيخ البلاد وجعل ارضها مرتعا مباحا للبغاة من فصائل وقوى خارجية حاربت السوريين على أرض وطنهم !

1662168997380820241209093104314

ان اضطراب تاريخ سوريا المعاصر قد أوصل حافظ الأسد الى سدّة الحكم في سوريا .. فالخلل في سياسات سوريا منذ زمن الانقلابات العسكرية ومعاناة القوى السياسية من العسكر طويلاً ومن ثمّ عانت من نتائج سياسات مؤدلجةسواء كانت قومية شوفينية متنوعة والاحزاب الفاشية والراديكالية ، كما ومرت بتجربة البعث المريرة والوحدة الاندماجية الفاشلة مع مصر من دون التفكير بنتائج ما تسبّب من أضرار في البنية الاجتماعية ، وبروز التمايزات وصولاً الى استلاب السلطة من قبل ضباط يمثلون نزعة الاقلية للانتقال الى زمن الدكتاتورية والدخول في نفق الظلام الطويل والقسوة مع المعارضين كما ساهم بانعاش الارهاب وتنميته وتوظيف الإسلام السياسي المتطرّف والطائفي والعنصري وارسال الارهابيين الى العراق وغيره .. وكانت قد ضاعت الجولان على يد حافظ اسد. الذي قبل بالتسوية. والمشروع الأمريكي لاحقا ، وقد استقطب حالة الصراع بينه وبين البعثيين في العراق .. ولم تطلق رصاصة واحدة من الجولان ضدّ اسرائيل مع تدخّله السافر باسم الردع في لبنان وما فعله أخوه رفعت فيها ، ثم تحالفه مع ايران ضدّ العراق أيام الحرب العراقية الايرانية وعندما مات، ورّث الحكم لابنه في نظام جمهوري ، فكان أن غدا أكثر قسوة وحماقة مع غبائه الشديد في تحالفاته الاقليمية. وكما احتضن الاب حافظ للارهاب الذي مثله أوجلان ، فقد احتضن ابنه للارهاب ضد العراق بعد 2003 . وقوّي تحالفه مع ايران بحيث جعل سوريا مسرحاً لكلّ القوى والمرتزقة التي تمثل حماية له ولحكمه . وكان قاسياً على شعبه بعد اندلاع الثورة ضد نظامه عام 2011. فكان تحالفه القوي مع ايران والروس ليزيد تهتكا واضطهادا . ومنذ انتصار الحدث يوم 8 ديسمبر والصور تظهر بفضائحها ما قام بفعله بشار الاسد ونظامه في قمع السوريين واضطهادهم بالالاف المؤلفة وقد فتح الباب اليوم لظهور مستندات ووثائق ومصوّرات وأوراق تفضح ما فعله العهد السابق بالسوريين واللبنانيين والعراقيين وغيرهم .

لسنا أحرص على سوريا والسوريين من أهل سوريا أنفسهم ، وهم أدرى بحاضرهم ومستقبلهم انّ شعب سوريا قد توحدّت ارادته اليوم ، ويكفيه فخراً أنه هو الذي أسقط نظام الحكم ، وهو الذي سيحددّ طريقه ومستقبله بنفسه. لقد جمعتني على امتداد حياتي العملية والاكاديمية صداقات عميقة مع أبرز المفكرين والكتاب والمبدعين السوريين من الذين ناضلوا ضدّ الحكم الجائر للاب وابنه منذ ان كنت في بريطانيا ابان السبعينيات ثم من عرفتهم في الجزائرابان الثمانينيات وفي بيروت ابان التسعينيات ، ثم في الامارات وقطر ابان العشرين سنة الأخيرة وكلهم من اتجاهات سياسية شتى، وأغلبهم من المناضلين الاحرار بدءاً بالوزيرين السوريين ابراهيم ماخوس وهاني الهندي والسفير الشاعر نزار قباني وانتقالا الى الصديقين فوزي الشقفة وميشيل كيلو ووصولاً الى الاستاذين المفكرين برهان غليون وعزيز العظمة مع نخبة كريمة من الآخرين وخبرت تفكيرهم وقوة حججهم ومنطقهم .

انّ الشعب السوري. الذي دفع ثمنا غاليا من أبنائه قتلا وتشريدا وفقرا وانسحاقا يستحّق أن نقول كلمة حق والوقوف معه لا التنكيل بالحدث والتشكيك فيه ، وهو حدث غيّر موازين الشرق الاوسط ، ومهما كان مخلّص شعبه من حكم الاسد ومن ابناء سوريا فهو من دون شك أفضل من غيره بكثير .. لا يمكن ان تنعت هذا بالارهاب ان لم تعترف بما مارسه الاخرون من ارهاب أيضا بحق السوريين ! يكفي ان خمسة ملايين لاجئ سوري في تركيا ينتظرون العودة الى ديارهم وبيوتهم التي وزعها بشار على الطفيليين الايرانيين ظلما وعدوانا . إلا يكفي ذلك لأن يثوروا ضدّ. هذا الدكتاتور؟ انّ اية ثورة بحاجة إلى أن يساعدها. ويقف معها أيّ طرف كما هو منطق الثورات في العالم فالثورات لا تصنعها الملائكة . وقد انتصرت الثورة السورية اليوم بايدي ابنائها. ولقد أعجبني التحول السلمي للسلطة بكلّ سلالة واحترام .

A12T 08 12 2024 07 40 51

دعوني اقول بأن سوريا على مفترق طرق الان. آما ان توّحد نفسها. وتستعيد حياتها. أو تنزلق في صراعات لا سمح الله ولكن بدأ لي أن السوريين كلهم وراء التغيير السلمي. وأعتقد أنّ الموجة ستهبّ على العراق قريباً ولكن وضع العراق لا يشبه سوريا. فالمجتمع السوري أكثر توازناً من العراق. حذار حذار من ان يستلب هذا الحدث أي طرف من الأطراف .. حافظوا على انتصاركم من أجل سوريا حرة مدنية وقوية ، وقفوا بوجه التحدّيات فما تحقق ليس بالامر الهين أبدا .. ان الانتصار الاكبر هو اعادتكم للتوازن في الشرق الاوسط وايقاف المشروعات الطائفية المقيتة .. فهل سيبدأ مشروع عربي جديد متقّدم عندما يعود العراق الى حياته الطبيعية واستقلال ارادته ؟ ان ذلك ليس ببعيد .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading