قيادات وزعامات وطبقات حاكمة بمعزل عن الشعب !سيّار الجميل

أولاً: تساؤلات مثيرة عن إشكاليات مركبّة
هل تؤمن بإرادة الشعب العراقي؟ هل تؤمن بأنه صنع تاريخه المعاصر بنفسه ؟ وما سرّ الانقسام في بنيته منذ القدم ؟ الا ترى ان في كل عهد طبقة سياسية تحكم وتتحكم بمعزل عن الشعب الذي هو بأمس الحاجة الى الارادة الوطنية والى المنطق وعن روح العصر؟ أطرح تساؤلاتي الموجعة لأنها تلمس العصب بلا مجاملة. فأين الارادة بوصفها طاقة كامنة، لا بوصفها فعلًا سياسيًا أو شعاراً حزبياً . والإرادة العراقية عاشت بقهر وانكسار ! لا لأنها غير موجودة، بل لأنها حوصرت، وكُسِرت، وتهشمّت وتوارثت الانقسام وقد ضاعت الخيوط اليوم .
ثانياً: هل صنع العراقيون تاريخهم المعاصر بأنفسهم؟
لا كليّا ولا جزئيًا فقط. في لحظات نادرة:انتفاضات، احتجاجات، رفض صامت، صبر طويل..كان الشعب حاضرًا. لكن في لحظات الحسم الكبرى، كانت القوى المنظمة (داخلية وخارجية) أسبق، وأدهى، وأكثر امتلاكًا للأدوات. أما مهمة الشعب فتتمّثل بـ “التصفيق”… وهو هنا ليس طبعًا أخلاقيًا، بل نتيجة منظومة: دولة لا تصنع مواطنًا بل تابعًا. سياسياً لا مشاركا حقيقياً ومن يحكم يريد الولاء والتصفيق والهتاف، وهو يكافئ جوقات المّداحين ويمقت كل الصامتين ويعاقب الاعتراض والمعارضين . تاريخ طويل من الخوف، ثم الإحباط، ثم اللامبالاة نعم، في كل عهد تقريبًا كانت هناك طبقة سياسية تتحكم بالمصير بمعزل عن الشعب. وثمّة من يقول : ان الشعب لم يزل بدائياً، أو مجموعة أقليات، فليس له ولهم الحق ان يعترضوا ! ان الطبقة لم تنزل من السماء، بل نبتت في تربة انقسام اجتماعي عميق وهويات متنازعة تُقدَّم على مفهوم “المواطنة” مع غياب مشروع وطني جامع، وإصرار على الغباء والتخّلف .. وتعليم لا يدرّب على التفكير النقدي بل على التلقين . أسأل: هل الشعب غير منسجم وغير موحّد وبعيد عن منطق العصر؟ والجواب : نعم… لكن ليس بطبيعته مثل هذا بل لأن الانقسام جرى تغذيته واستثماره حتى صار واقعًا يُستخدم حجةً ضده. فماذا نقول ؟ نقول: المشكلة ليست في “شعب لا يستحق دولة”، بل في دولة لم تُصمَّم يومًا ليستحقها الشعب، وليست في شعب عاجز، بل في منظومة تتغذى على عجزه وتخاف من وعيه.، فتفوّقت التناقضات بشكل مذهل: اعجب من زعماء حكموا العراق يصلّون ويصومون وهم قتلة وخونة ومن أعتى المجرمين ..
ثالثاً: نحن ضحايا التاريخ
ونقول أيضًا ، أن التغيير لن يأتي دفعة واحدة، ولا بشعارات كبرى بل ببناء بطيء ووعي، وتنظيم، ومساءلة، وكسر ثقافة الزعيم، وانتفاء العدالة وسباق المصالح .. والانتقال من “نحن ضحايا التاريخ” إلى “نحن مسؤولون عن كسره”. نعم، انه كلام موجع؟ لننظر لا الى المؤسسات ، بل الى طبقات حكمت العراق في القرن العشرين ولم تزل : طبقة القادة من الشريفيين ومن ثمّ طبقة الضباط الاحرار من الانقلابيين وبعدها طبقة الرفاق البعثيين 1963 ثم طبقة عسكر من الناصريين والعارفيين 1966 ثم طبقة اوليغارية حزبية 1968 ثم طبقة من ذوي القربى 1979 ، ثم طبقة ملالي معممّين منذ 2005. فهل ثمة أمل بانتظار طبقة جديدة قادمة؟
سأكون صريحًا معكم حتى النهاية، بلا تجميل ولا شعارات. إذا قرأنا تسلسل الطبقات في اعلاه نلاحظ حقيقة قاسية تقول: العراق لم يُحكَم في تاريخه الحديث بطبقة نشأت من أذكياء المجتمع ورجالاته المدنيين ثم صعدت بآلياته الطبيعية، بل بطبقات جاءت عبر القطيعة: انتداب، انقلاب، وصاية، تدخلات ، احتلال، أو تفويض خارجي/عسكري/ أو هيمنة غطاء طائفي. ففي كل مرة يُكسر المسار، ولا يُبنى تراكم. انّ الرهان على “طبقة قادمة” هو إعادة إنتاج للوهم نفسه. لماذا؟ لأن أيّ طبقة تأتي في ظل دولة ريعية ومجتمع منقسم وسلاح خارج الدولة واقتصاد مفجع غير منتج وثقافة سياسية زبائنية لأناس لا تعرف فن السياسة ستنتهي بالضرورة إلى نسخة جديدة من الاستحواذ، مهما كان شعارها جميلًا.
رابعاً: لا معنى للتاريخ !
إذن أين الأمل إن بقيت طبقة ترث أخرى؟ الأمل إن وُجد ليس في من يحكم بل في كيف يُحكَم مجتمع يدرك قدرته من قبل قواه الحيوية الفاعلة ، وتتمفصل فيه العدالة وكلّ انسان مناسب في مكانه المناسب . وهنا لبّ المسألة: لا طبقة منقذة دون عقد اجتماعي جديد. لا وجوه جديدة بلا شخصية وحركة وفعل وخدمة البلد ليل نهار ..لا سياسة دون تفكيك الدولة الغنيمة .. وما دام الحكم يُفهم كفرصة للنهب والحماية لا للخدمة، فلن تتغيّر الوجوه بل الأقنعة فقط. لا أمل دون تحوّل في وعي “الناس العاديين” من تابع لطائفة/زعيم/حزب إلى مواطن يطالب، ويحاسب، ويصول ويجول سياسيًا. لا معنى للتاريخ إن لم نكسر دورته، فالانقلاب العسكري انتهى، والحزب العقائدي احترق، والطائفية بلغت نهايتها الأخلاقية والعملية. ما بقي هو الفراغ… والفراغ خطير، لكنه أيضًا فرصة. فهل ثمة أمل؟ نعم، لكن ليس قريبًا، وليس رومانسيًا، وليس تلقائيًا. الأمل ليس في “المنقذ”، بل في نشوء بطيء لطبقة وسطى واعية، مهنية، منظمة لا تستولي على الدولة، بل تُجبرها على التغيّر. العراق لن ينهض بطبقة تحكمه، بل بمجتمع يمنع أي طبقة من اختطافه. وهذا لعمري طريق طويل، مؤلم، ومفتوح على الفشل… لكن كل الطرق الأخرى جُرِّبت، وانتهت إلى ما نعرفه.
خامساً: التاريخ السياسي لم يصنعه المجتمع
أعترف بأن: التاريخ السياسي المعاصر للعراق صُنع فوق المجتمع لا منه. وأن “إرادة الشعب” كانت موجودة أخلاقيًا لكنها مُعطّلة سياسيًا وأن انتظار طبقة منقذة هو استمرار في الحلقة نفسها وأضيف ، وهنا بيت القصيد،أن هذا الاعتراف ليس حكمًا بالإعدام، بل تشخيصًا. لأن أخطر ما يمكن أن نقوله هو: لا أمل. هذا يُريح المستبد أكثر مما يُوجع الضحية. الأصدق هو أن نقول: نعم، الشعب لم يحكم نفسه، لكنه أيضًا لم يُمنَح الشروط ليحكم نفسه. والاعتراف بهذا هو بداية الخروج من الوهم، لا نهايته.
نعم، يا ابناء المجتمع اعترفوا . والاعتراف هنا ليس هزيمة، بل نقطة وضوح نادرة. انه سيد الأدلة ولم اجد حاكما عراقيا واحدا اعترف بأخطائه ابداً ولم أجد حزباً عراقياً واحداً راجع نفسه واعتذر من الشعب حتى من سموا أنفسهم بالمعارضة الوطنية كانوا يتعاملون مع قوى عربية واجنبية على عينك يا تاجر . نعم، هذه واحدة من أكثر الحقائق إيلامًا في التجربة العراقية: الاعتراف غائب تمامًا عن ثقافة الحكم، بل عن ثقافة السياسة عمومًا. والحاكم لا يخطئ، والحزب لا يعتذر، والهزيمة تُسمّى “مؤامرة”، والكارثة تُعاد صياغتها على أنها “مرحلة انتقالية”.
سادساً: لماذا لم يعترف حاكم عراقي واحد بأخطائه؟
لأن الاعتراف في بنية السلطة العراقية ليس فضيلة بل خطرًا وضعفاً. من يعترف: يفتح باب المساءلة ويُضعف هالة العصمة. ويكسر صورة “المنقذ” أو “الرمز”وهذه السلطةمن الملكية إلى الجمهوريات، من العسكر إلى الحزب، من الفرد إلى الطائفة قامت كلها على نفي الخطأ لا على تصحيحه. أما الأحزاب… فهنا المأساة أعمق. الحزب عندنا لم يكن أداة مجتمع، بل بديلًا عنه. ولهذا: لا يراجع نفسه، لأن المراجعة تعني أنه ليس “الحقيقة” . لا يعتذر، لأن الاعتذار يعني أنه ليس “الضحية الدائمة”.. حتى من سمّوا أنفسهم “معارضة وطنية، وقد تعاملوا مع قوى عربية وأجنبية سواء كانت مسالمة ام عدائية لا بوصفها وسيلة اضطرارية، بل بوصفها مصدر شرعية. ومن يستمد شرعيته من الخارج، لا يعود إلى الداخل ليعتذر. والجملة التي تختصر كل هذا وبلا مواربة: السياسة في العراق لم تُبنَ على فكرة المسؤولية، بل على فكرة البراءة الدائمة. كلهم أبرياء… والبلد وحده المذنب. لهذا فإن أخطر ثورة مطلوبة في العراق.. ليست انقلابًا، ولا حزبًا جديدًا، ولا طبقة قادمة، بل ثورة أخلاق سياسية وتربويات بيداغوجية للمجتمع برمته .. ان وجدت دلائل على ذلك كله ، اعلم أن شيئًا ما بدأ يتغيّر فعلًا. إلى ذلك الحين، يبقى الاعتراف كما قلت سيد الأدلة… والغائب الأكبر.
سابعاً: مقاربات ومفارقات
سؤالي الأخير : هل هناك تجارب عربية شبيهة بالعراق من قريب او بعيد .. فما الرؤية ؟ سؤال في مكانه… لأن عزل العراق عن محيطه يُريحه أخلاقيًا، لكنه لا يفسّر مأساته. نعم، هناك تجارب عربية شبيهة بالعراق من قريب ومن بعيد، لكن العراق يبقى حالة أشدّ تركيزًا، كأن كل أمراض الشرق اجتمعت فيه دفعة واحدة. دعني أعطيك رؤية مقارنة، لا قائمة أسماء فقط:
سوريا – الشبه العميق والمؤلم ، وهي أقرب حالة للعراق، لكن بمسار معكوس زمنيًا. دولة بناها العسكر والحزب فثمة إنكار مطلق للخطأ :” رائد الأمة ” و ” الزعيم الأوحد” ، و ” أبو الثورات” و ” الأب القائد ” ، ” القائد الضرورة ” و ” الأخ القائد ” طبعة من ” القائد للابد ” .. الخ وكان تدمير المجتمع باسم الدولة . الفرق الجوهري: في سوريا الدولة سبقت المجتمع وسحقته، وفي العراق المجتمع سبق الدولة لكن جرى تفكيكه. النتيجة واحدة تقريبًا: شعب بلا تمثيل، وسلطة بلا مساءلة. أما ليبيا فهي تشبه عراق ما بعد 2003 أكثر من أي بلد آخر. كان إسقاط النظام في فراغ وبلا بديل مؤسسي ، وكان تفكك السلطة إلى شبكات. ان الخارج لاعب دائم “ثورة بلا دولة”، ولكن الفارق أن ليبيا لم تعرف أصلًا دولة عميقة، بينما العراق غدت لديه دويلات هشة داخل دولة، لكنها كُسرت. أما اليمن، فتجد الانقسام المُزمن، وهو يشبه العراق في: البنية القبلية/المناطقية مع تدخل الخارج . وأن السلطة تُدار بالتوازنات لا بالقانون، لكن اليمن يعيش تاريخًا أطول من التعايش مع الانقسام، بينما العراق كان مشروع دولة حديثة ثم انكسر فجأة ليكون بايدي العسكريتاريا وحياة الاوليغاريات . أما مصر ، فان الشبه البعيد بين العراق ومصر التي تشترك مع العراق في: دولة ما فوق المجتمع مع احتقار السياسة والمساءلة وإنكار الخطأ الرسمي ، لكن الفارق الحاسم: مصر حافظت على الدولة، حتى لو خنقت المجتمع. لكن العراق خسر الاثنين معًا.





