مقالات فكرية

الاسلام المدني – الاجتماعي أم الاسلام السلطوي – السياسي ؟سيّار الجميل

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية ونظارات، يجلس على طاولة ويبدو جادًا أثناء التفكير.

منفعة المؤسسات الاجتماعية للناس أزاء مضار قوى الاسلام السياسي

عندما يسمع الأسوياء حكايات رجال الدين المعمّمين المسلمين وهم يقّصون مواعظهم باسم هذا الفقه أو ذاك يغرق الناس بالضحك والاستهزاء والسخرية. انّ هؤلاء يقدّمون صورة سيئة جداً للعالم ونحن في القرن الحادي والعشرين. دعوني أعالج اليوم فروقات الدين كمنظومة اجتماعية وأخلاقية وبين الاسلام كبرنامج سياسي للسلطة او للدولة . لست فقيها حتى أصدر الفتاوى، بل قارئاً قضى عمره في فهم النصوص وادراك المعاني. وسأحاول توضيح الفارق ولماذا يرى بعض المفكّرين أنّ المؤسسات الاجتماعية الدينية أفادت الناس عبر تاريخنا أكثر بكثير من السلطات والقوى والاحزاب التي تسمّت بـ ” الاسلامية”وفي مقدمتها سلطة رجال الدين في بعض بقاع عالمنا الاسلامي ، وكل بلد تبلور الاسلام فيه حسب بيئته وثقافته وتقاليده ونظامه الاجتماعي . وقد تناولت في الحلقة السابقة موضوع الاسلام السياسي وفواجعه ..دعوني اليوم أبحث في الاسلام الاجتماعي ودوره الانساني.

انه ممارسة الدين في المجال الاجتماعي والأخلاقي وبناء الانسان حضارياً دون السعي إلى السيطرة على السلطة السياسية. ويشمل مثلًا على أعمال الخيرات والزكوات والصدقات ثم التركات والأوقاف والتعليم الديني والدنيوي ومساعدة الاخيرين في مقدمتهم الفقراء واليتامى والمساكين والتضامن الاجتماعي. ومن أهم المؤسسات التاريخية في هذا المجال: الوقفيات والمؤسسات الخيرية. ان كلا من الاثنتين لعبتا دورًا ضخمًا في تاريخنا ببناء المدارس والبيمارستانات (المستشفيات) والخانقاهات وتنوير الطرقات والحمامات والمواصلات ودور المسنين ورعاية الفقراء ودورالايتام ودور المعتوهين وذوي العاهات وتربية اليتيمات وتمويل العلماء واعاشة الغرثى والمحتاجين واعانة المعوزين والنفقة على أعمال البر والحراسات وصالح الأعمال وبناء الاسواق والخانات والنفقات على التعليم وطلبة العلم ومعاشات المدرسين وخزائن المكتبات وكلها جارية من ايرادات الوقفيات على امتداد قرون من الزمن .

هناك عدة أسباب يذكرها علماء الاجتماع، منها: العمل المباشر مع المجتمع وأنّ المؤسسات الاجتماعية تعمل مباشرة في محو الفقر وتطوير التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي . لذلك يشعر الناس بأثرها المباشر. ومن ثمّ الابتعاد عن صراع السلطة السياسة التي هّمها الاساسي هو السياسة (أو: الدولة) لا المجتمع وتمتلك نزعة قمع وتملّك وعسكرة وتنافس على السلطة وصراعات داخلية طائفية ومصالح متضاربة وانقسامات ضارية ولغة متدنية وعندما يدخل الدين هذا المجال قد يتحوّل إلى أداة صراع سياسي بدل أن يكون مصدرًا للوحدة الأخلاقية وسيبتعد الناس حتماً عن العبادات وتختفي المرونة ذلك أن العمل الاجتماعي غالبًا أكثر مرونة من الدولة.

ان باستطاعة المؤسسات الخيرية التحرك بسرعة والاستجابة لحاجات الناس والعمل خارج البيروقراطية الحكومية.ان التاريخ الإسلامي في كلّ أزمنته لم تكن الدولة تدير كلّ خدماته الاجتماعية والاقتصادية عدا الحسبة وادارة النظم وتقوم مؤسسات المجتمع بالخدمات وتصبح تقاليده حضارية ومدنية مثل: مؤسسة الأوقاف والجمعيات الخيرية. لقد وجدت ان اعظم الوقفيات قد تطورت منذ القرن الخامس عشر على أيدي العثمانيين وبقيت ركناً أساسياً في المجتمع لعدة قرون . أما المؤسسات الخيرية، فقد وجدت السنوسيين – مثلا – في القرن التاسع عشر قد وصلوا بتجربتهم الاجتماعية الى مستوى تطبيق الاشتراكيات التعاونية في القرن العشرين.

برغم ذلك، يظل الإسلام السياسي جذابًا في بعض المجتمعات لعدّة أسباب: الشعور بالظلم أو الفساد السياسي والبحث عن نظام أخلاقي للحكم والرغبة في مقاومة النفوذ الخارجي لذلك يرى البعض أن الحل هو إقامة دولة إسلامية. ولكن يرى الآخرون أن قوة الإسلام التاريخية كانت في المجتمع وليس في الدولة. أي أن كان المجتمع الإسلامي غنيًا بالمبادرات الاجتماعية سيخلق دولة عدالة وانصاف واحسان لتنمو بقدراتها الحضارية وتكسب احترام العالم بقوتها لا بمشروعاتها التوسعية وفرض أغراضها الخاصة لتهلك الحرث والنسل.

لا يمكن الربط بين ازدهار المجتمع وبناء الحضارة، الا من خلال فهم مبدأ فقهي عنوانه “المصالح المرسلة”. من أجل جعل الشريعة قادرة على مواكبة حياة المجتمع وتطوره. فما هي ؟ انها تعني: المصلحة العامة للناس التي لم يرد نصّ صريح في القرآن أو السنة يجيزها أو يمنعها، لكن العقل يرى أنها تحقق الخير للمجتمع. وكلمة مرسلة تعني أنها: غير مقيدة بنص محدد ، لكنها لا تخالف مقاصد الشريعة. وأمثلة مبسطة لا تعد ولا تحصى لم ترد في الشريعة ، مثلاً: نظام المرور او إصدار جوازات السفر أو إنشاء الجامعات الحديثة أو قوانين حماية البيئة أو اجازة ادوية محددة ، او اجازة سباقات رياضية، أو تبدّل أزياء البشر حسب تقادم الاجيال، او ركوب القاطرات والطائرات أو شرب الشاي والقهوة .. الخ أي أن هذه الأمور تحقق مصلحة عامة للمجتمع، لذلك يمكن للدولة أو المجتمع تنظيمها وفق مبدأ المصلحة. وان كثيرا من الفقهاء ربطوا هذه المصالح بمقاصد الشريعة ، وهي حماية الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال فإذا كان الإجراء أو القانون يحمي هذه المقاصد أو يعززها فهو غالبًا يدخل ضمن المصلحة. ان من أبرز من طوّر هذه الفكرة من العلماء الذين أعطوا هذا المفهوم أهمية كبيرة: الغزالي وابو اسحق الشاطبي ومالك بن أنس وخاصة في الفقه المالكي حيث استُخدم هذا المبدأ كثيرًا.

لأن المجتمعات تتغير باستمرار. لو التزم الفقه فقط بالنصوص الجزئية دون النظر إلى مصلحة المجتمع قد يصبح عاجزًا عن التعامل مع الاقتصاد الحديث والتكنولوجيا والقوانين المعقدة وإدارة الدول وأساليب التفاوض والطب الحديث ومفاهيم العصر وعلوم الجيولوجيا وعلوم الفضاء وغيرها .. لذلك كانت المصلحة المرسلة أداة للتجديد. تبدأ طبيعة العلاقة بين المصالح المرسلة وازدهار المجتمع عندما يُسمح للعقل والاجتهاد بالنظر إلى مصلحة الناس: تتطور القوانين وتقوى المؤسسات ويزدهر المجتمع وتحترم المرأة وتصان حقوق كلّ الناس . إن الحضارة الإسلامية ازدهرت عندما كان باب الاجتهاد مفتوحًا. وعليه، فالمصالح المرسلة مبدأ فقهي يسمح باتخاذ قرارات أو سن قوانين تحقّق مصلحة المجتمع حتى لو لم يرد نص مباشر بشأنها، بشرط ألّا تخالف مقاصد الشريعة. وهي محاولة تاريخية في الفكر الإسلامي للجمع بين النص الديني وحاجات المجتمع المتغيرّة.

يعد هذا المبدأ الفقهي الشهير ضرورة اسلامية للتوازي مع تقادم الزمن . ان العلاقة بين الضرورات والحدود اليوم يمكن النظر إلى الأمر من خلال المفهوم والتفسير فالحدود (المحظورات) هي نصوص شرعية معينة مثل قطع يد السارق . أما الضرورات، فتتمثل بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة. وان الممارسة تطبيق العقوبة بطريقة تحفظ المصلحة العامة وتحمي المجتمع بمعنى أن الدين يبقى مرجعًا، لكن الاجتهاد يتيح تكييف التطبيق وفق الضرورات الحديثة. وعليه ، لماذا لا تقرّ كل دول العالم الاسلامي على الاطلاق قطع يد السارق ؟ هناك مبدأ المرونة في تطبيق الحدود وفق مقاصد الشريعة والزمن. وذلك يساعد على مواكبة تطورات الحياة والمجتمع دون الإخلال بالأسس الدينية. وأن الأفعال المحظورة شرعًا يمكن السماح بها إذا اقتضتها مصلحة الحياة أو التزام حفظ النفس أو المال أو العقل. ان مجتمعات اليوم تختلف كثيرًا عن مجتمعات القرن السابع أو العاشر. وعليه ، فان بعض الحدود التي نص عليها الفقه القديم كانت في سياق معين (الاقتصاد، الأمن، الجرائم البسيطة). ولكن مع تعقد المجتمعات الحديثة، وضعف أجهزة العدالة أو الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية تجعل تطبيق بعض الحدود صار صعبًا أو غير عملي. مثال: قطع يد السارق فثمة عقوبات مدنية وجنائية بديلة مثل السجن والغرامة، لأسباب عدة تتناسب مع العصر.

هناك عدة أسباب، منها الشرعية الدستورية الرمزية واستخدام عبارة “دولة إسلامية” لإظهار هوية المجتمع والدستور، وليس بالضرورة تطبيق جميع الحدود التقليدية.فضلا عن الاجتهاد والمرونة فكثير من الفقهاء اليوم يرون أن التطبيق الصارم للحدود لا يكون عمليًا إلا في ظروف محددة جدًا، وأن الغاية من الشريعة هي العدالة والمصلحة، وليس العقوبة فقط. وأن التعقيدات الحديثة كالتعداد السكاني الكبير ، والنزاعات الاجتماعية ، ونمو الفقر والبطالة مع اقرار الأنظمة القانونية الحديثة . كل هذه وتلك تجعل التطبيق التقليدي للحدود العقابية صعبًا أو مهددًا للاستقرار.

ان الفقه الإسلامي لم يأت ليجمّد المجتمع، بل ليحافظ على مقاصد الشريعة في أي عصر مع مراعاة الظروف وسنن الحياة . يركّز الإسلام المدني على المجتمع ويعزز التكافل والأخلاق ويحرّم الفتن والكراهية والاحقاد والشتائم وتأثيره مباشر على حياة الناس. أما الإسلام السياسي فيركز على السلطة والدولة والحرب والعسكرة ويزرع الأحقاد وينشر الفتن ويدخل في صراعات سياسية ونتائجه تعتمد على طبيعة الحكم والمؤسسات. وعليه، فان المؤسسات الاجتماعية الإسلامية خدمت الناس عمليًا أكثر بكثير جدا من قوى الاسلام السياسي الذي استخدم الاسلام شعارات واشعال حروب وكراهية أوطان ونكث للعهود وسبي للنساء وتهجير للملل والاديان وقتل للناس الأبرياء وتفجير وتفخيخ وتصدير للموت وتدمير بنى كاملة. انّ صناعة القوة تأتي من خلال بناء مجتمع حضاري زاهر لا من خلال بناء دولة تسلطية دموّية توسّعية فاقدة للعقل والمنطق.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading