حين تتحول القصيدة إلى مسرح جريمة: تفكيك العشق بوصفه شظايا سردية في تجربة الشاعر محمد بنطلحة✍ عبد العزيز الخبشي- المغرب

“قِصَّةُ حُبٍّ، عَلَى اْلأَرْجَحِ”
دَمٌ فَوْقَ الْمَائِدَةِ.
خَيْطٌ مِنَ السَّمَاءِ.
عَيْنَانِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْمَاءِ.
وَتَحْتَ النَّافِذَةِ:
دَوَاةٌ،
وَمَا نْدُولِينْ.
الْبَابُ مُوَارَبٌ.
وَخَلْفَ البَابِ جُؤْذُرٌ لَمْ يَجِئْ
لاَ مِنَ الصَّحْرَاءِ،
وَلاَ مِنَ الْغَابَةِ.
جَاءَ مِنْ ثَغْرَةٍ فِي السَّرْدِ.
لَرُبَّمَا بِسَبَبِ فَقْرَةٍ قَفَزْتُ عَلَيْهَا
وَأَنَا بَيْنَ نَوْمَيْنِ:
عَمِيقٍ،
وَمُتَنَاقِضٍ.
أَوْ لَرُبَّمَا لأَنَّ مَسْرَحَ الْجَرِيمَةِ لَمْ يَكُنْبِخِلاَفِ مَا زَعَمَ ت.س .إليوت –
كَاتِدْرَائِيَّةً،
وَإِنَّمَا قِطْعَةً مِنْ وَرَقٍ مُنْذُ أَنْ نَزَعْنَاهَا فِي الصِّغَرِ
مِنْ دَفْتَرٍ نِصْفُهُ تَارِيخٌ
وَنِصْفُهُ جُغْرَافِيَا،
ثُمَّ
طَوَيْنَاهَا
عَلَى هَيْئَةِ حَانَةٍ عَائِمَةٍ
وَأَقْرَبُ مِينَاءٍ إلَى خَيَاشِيمِنَا يَظْهَرُ فَوْقَ الوَرَقِ،
وَيَخْتَفِي مِنْ أَمَامِنَا.
حَبَّذَا مِجْدافٌ آخَرُ.
حَبَّذَا الْيَأْسُ.
الشاعر محمد بنطلحة – المغرب.
القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب.
تتبدّى هذه القصيدة، الموسومة بقدر من التردد الدلالي “قِصَةُ حُبٍّ، عَلَى اَلٰأَرْجَحِ”، كفضاء شعري ملتبس يشتغل على تخوم المعنى، حيث لا يعود الحب يقينا عاطفيا صافيا، بل يتحول إلى فرضية مهزوزة، أو أثر لغوي يتشكل ويتداعى في الآن ذاته. منذ العتبة الأولى، يدخلنا محمد بنطلحة في اقتصاد لغوي مكثف يقوم على المفارقة: “دم فوق المائدة” لا يحيل فقط إلى مشهد عنيف، بل يزرع بذرة الشك في طبيعة هذا الحب، ويؤسس لانزياح دلالي يجعل من العاطفة جريمة محتملة، أو على الأقل أثرا داميا لعلاقة غير مكتملة. إن الشاعر هنا لا يروي قصة حب، بل يكتب حطامها، أو بالأحرى يكتب إمكانية سردها عبر صور مبتورة ومفككة، حيث يتحول النص إلى شذرات سردية تشتغل بمنطق الحذف والفراغ أكثر مما تشتغل بمنطق الامتلاء والتواصل. وفي هذا المستوى تحديدا، يتجلى البعد الإبداعي للنص من خلال قدرته على تحويل اللغة من أداة نقل إلى بنية توليد، حيث لا تعكس الكلمات الواقع بقدر ما تعيد إنتاجه داخل نظام رمزي خاص، وتغدو الكتابة نفسها فعلا إشكاليا يضع موضع مساءلة العلاقة بين الدال والمدلول. كما يتعزز البعد اللغوي عبر توظيف اقتصاد تعبيري صارم، قائم على التكثيف والاقتصاد في العبارة، بما يجعل كل كلمة محملة بطاقة إيحائية تتجاوز معناها المعجمي المباشر نحو شبكة من الدلالات المفتوحة.
يستثمر محمد بنطلحة بنية التقطيع والتفكيك، فيجزئ المشهد إلى وحدات بصرية وصوتية: “خيط من السماء”، “عينان بين الماء والماء”، “دواة، ومندولين”، وهي صور تتجاور دون رابط سببي واضح، لكنها تتواشج عبر خيط خفي من الإيحاء، حيث تتقاطع الطبيعة (السماء، الماء) مع الثقافة (الدواة، المندولين)، في توليف سريالي يعكس تمزق الذات بين الحلم والكتابة، بين الموسيقى واللغة. إن “العينين بين الماء والماء” تفتح أفقا تأويليا عميقا، إذ تحيل إلى حالة من الغرق الرمزي، أو الانمحاء داخل سيولة الوجود، حيث يفقد الكائن حدوده الصلبة ويذوب في محيط لا متناه من الاحتمالات. هنا، لا يعود الحب تجربة تماسك، بل تجربة تلاشي، حيث الذات لا تكتمل إلا بانكسارها. ومن زاوية التحليل الفني، فإن هذا التقطيع لا يكتفي بإنتاج إيقاع متقطع، بل يشتغل كآلية تفكيك للزمن الشعري نفسه، إذ يتحول الزمن من خطية متواصلة إلى لحظات متجاورة بلا تراتبية، وهو ما يعكس تصورا حداثيا للزمن بوصفه وعيا متشظيا. كما أن هذا التوازي الصوري يمنح النص بعدا تشكيليا أقرب إلى اللوحة التجريدية، حيث تتجاور العناصر دون أن تخضع لمنطق المنظور التقليدي، مما يعزز الطابع الحداثي للنص.
يعمق الشاعر هذا البعد التفكيكي من خلال إدخال عنصر “الجؤذر” الذي “لم يأت لا من الصحراء ولا من الغابة”، وهو كائن بلا أصل، بلا جغرافيا، ينتمي فقط إلى “ثغرة في السرد”. هذه العبارة تكشف بوضوح وعي الشاعر ببنية النص، حيث لا يعود الكائن الشعري جزءا من العالم، بل نتاج خلل سردي، أو فراغ في الحكي. إن بنطلحة هنا يمارس كتابة ما بعد حداثية، تقوض وهم المرجعية، وتعلن أن ما نقرأه ليس تمثيلا للواقع، بل بناء لغوي هش، يمكن أن يتداعى بسبب “فقرة قفزنا عليها ونحن بين نومين”. هذا الوعي بالكتابة كفعل ناقص، كفعل قابل للخطأ والنسيان، يضفي على النص بعدا ميتاشعريا، حيث يصبح النص موضوعا لذاته، ويكشف عن آلياته الداخلية. ومن الناحية الفكرية، يعكس هذا المقطع انخراط النص في أفق إبستمولوجي يشكك في مركزية المعنى وثباته، حيث تغدو الحقيقة ذات طبيعة احتمالية، وليست يقينية. كما يمكن تأويل “الجؤذر” نفسيا بوصفه تمثيلا لعودة المكبوت، أو انبثاق عنصر لاشعوري يتسلل إلى النص دون إذن، مما يجعل القصيدة فضاء لتجليات القلق الوجودي والانفلات النفسي.
في هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى T. S. Eliot دلالة خاصة، إذ يستحضر الشاعر تصورا مغايرا لمسرح الجريمة: ليس كاتدرائية كما قد يوحي إليوت، بل “قطعة من ورق” انتزعت في الطفولة من دفتر مدرسي، نصفه تاريخ ونصفه جغرافيا. هذه الصورة تختزل رؤية محمد بنطلحة للعالم: العالم ليس بنية متماسكة ذات قداسة (كاتدرائية)، بل هو ورقة ممزقة، ذاكرة مشروخة، مزيج من سرديات (التاريخ) وتمثلات (الجغرافيا) تم اقتلاعها من سياقها الأصلي. إن فعل “الانتزاع” هنا يحمل دلالة عنف رمزي، يعيدنا إلى “الدم فوق المائدة”، ويؤكد أن الكتابة نفسها فعل اقتلاع، فعل جرح. ومن منظور رمزي وفلسفي، فإن تقابل “الكاتدرائية” و”الورقة” لا يعكس فقط صراعا بين المقدس والهش، بل يفتح أفقا تأويليا حول سقوط السرديات الكبرى وصعود الكتابة بوصفها بديلا غير مستقر، حيث لم يعد العالم يفهم عبر أنساق مغلقة، بل عبر شذرات متفرقة. كما أن استدعاء الطفولة يمنح النص بعدا رومانسيا مغايرا، غير أنه رومانسية مكسورة، إذ تتحول الذاكرة من فضاء للحنين إلى مجال لإعادة إنتاج الفقد.
وتبلغ القصيدة ذروتها الرمزية في صورة “الورقة التي طويناها على هيئة حانة عائمة”، حيث تتحول الطفولة إلى لعبة، واللعبة إلى استعارة كبرى للوجود. الحانة، بما تحمله من دلالات التيه والنسيان، تصبح هنا فضاء عائما، بلا جذور، يتأرجح بين الحضور والغياب. أما “أقرب ميناء إلى خياشيمنا يظهر فوق الورق، ويختفي من أمامنا”، فيجسد هذا الإحساس العميق باللااستقرار، حيث الأفق دائما مؤجل، والحلم دائما مراوغ. إن الخياشيم، باعتبارها أداة تنفس، تربط بين الجسد والفضاء، لكنها هنا لا تلتقط سوى سراب، مما يعمّق الإحساس بالاختناق الوجودي. وفي هذا المستوى، يتكثف البعد الرمزي ليبلغ درجة من التعقيد تجعل من كل عنصر علامة على انكسار العلاقة بين الذات والعالم، كما يمكن قراءة هذا المشهد من زاوية نفسية-وجودية بوصفه تعبيرا عن وعي مأزوم يدرك هشاشة المعنى ويعجز عن تجاوزه، مما يجعل التجربة الشعرية أقرب إلى اعتراف مبطن بفشل الإمساك بالحقيقة.
في خاتمة القصيدة، تتكثف المفارقة في عبارتين: “حبذا مجداف آخر. حبذا اليأس.” هنا، يتحول الأمل (المجداف) إلى رغبة في الاستمرار، لكن هذه الرغبة تجاور مباشرة تمني اليأس، وكأن الشاعر يعترف بأن الخلاص نفسه مستحيل، وأن الاستمرار في هذا العشق/النص ليس سوى شكل آخر من أشكال الغرق. إن هذا التوازي بين الرغبة واليأس يعكس بنية نفسية مأزومة، حيث الذات معلقة بين إرادة الحياة وإغراء العدم. ومن الزاوية الرومانسية، فإن هذا التوتر لا يعبر فقط عن تجربة عاطفية، بل عن وعي تراجيدي يرى في الحب نفسه شكلا من أشكال الاستحالة، حيث يصبح العشق مجالا لتجريب الحدود القصوى للذات. كما أن هذه الخاتمة تعيد إنتاج البنية الدائرية للنص، بحيث يغدو البدء نهاية، والنهاية بدءا، في حركة لا نهائية تعكس عبثية الوجود.
هكذا، تنجح قصيدة محمد بنطلحة في تفكيك مفهوم الحب، وتحويله من تجربة وجدانية إلى بنية لغوية متشظية، حيث يتقاطع السردي بالشعري، والواقعي بالمتخيل، والطفولي بالميتافيزيقي. إنها قصيدة تكتب غيابها بقدر ما تكتب حضورها، وتؤسس جماليتها على النقص، على الفراغ، على ما لم يقل. ومن خلال هذا الاشتغال الدقيق على اللغة والصورة، يقدم محمد بنطلحة نصا ينتمي إلى أفق ما بعد الحداثة، حيث لا حقيقة نهائية، ولا معنى مستقر، بل فقط شبكة من الإشارات التي تفتح باستمرار على احتمالات لا تنتهي. وبذلك، فإن القصيدة لا تقرأ بوصفها “قصة حب”، بل بوصفها مختبرا جماليا وفكريا لتفكيك المفاهيم الكبرى (الحب، الواقع، الذاكرة)، وإعادة بنائها داخل أفق لغوي مفتوح، يجعل من القارئ شريكا في إنتاج الدلالة، لا مجرد متلقٍ لها.





