الزَّهرة المستحيلة – راما وهبة

في حديثي عن الشِّعر اليوم أريد أن أتحدَّث عن كائن أعرفه، لا عن كائن اللُّغة. لأنَّ معرفتي بالعالم هي ممَّا رأيت، وإن كان ما رأيته لا يتعدَّى ما رأته البشريَّة وما تراه على كوكبها كلَّ يوم. العين وما ينطبع فيها هما أشدُّ ما ينفذ إلى تجربتنا الداخليَّة وإلَّا لم تكن مناماتنا نماذج متلاحقة من الصُّور. تغيب عن أحلامنا الرَّوائح والمذاقات، الأصوات واللُّغة أيضاً مضمران، ولا أذكر أنَّني رأيتُ في الحلم شفاهاً تتحرَّك.
الرُّؤية أيضاً هي انطباعات لها درجاتها المختلفة، هي أطياف وانعكاسات وشدَّة وتحوُّل، لذا لا تعود الرُّؤية واحدة للشَّيء نفسه. بل إنَّ وعينا لحضوره يُقاس بوعينا لأنفسنا. الرُّؤية في حركة تكشف وتُضمر، إيقاعات يتداخل فيها الضَّوء بظلاله ولا يعود الفصل ممكناً بين جسد وجسد أو بين ماء وماء، وكم يحدث أن يشفَّ عن ولوجهما معاً لحظاتنا الأنقى.
الشِّعر بالنسبة إليَّ ليس كائن اللغة، بل هو كائن الشَّمس والهواء والتَّمرُّد والجوع والتَّهجير تحت الأزرق اللَّامتناهي لما يحتشد في السُّجون وما يفجِّرُ الوعيَ وقيمه الكبرى. كم كان خروجنا أرعن من بطون أمَّهاتنا، كم الموت ضئيل، وكم نجهل عن الهواء الذي يتلاشى بين الأجنحة وصوت خفقانها.
قبل أن أقرأ للشَّاعر أدونيس، في عمر الخامسة عشرة تقريباً، لم يكن يخطر لي أنَّني قد أكتب نصَّاً شعريَّاً، لأنَّ الشِّعر العربيَّ الذي تلقَّيته في الكتب، الشِّعر بوصفه كائن اللُّغة، لا يقترب من حواسي الأولى، ولا أستطيع معه أن أنساب، أن أسهو، أن أشعر أنَّه لا فاصل بين المرئَّيات و الأقاصي. اطَّلعت على كتب كثيرة في الفلسفة والأديان، في النَّقد الأدبيِّ والتَّصوف، في الرِّوايات وكتب السِّيرة، وكلُّ هذه الكتب كانت تحمل لغة تتناسب إلى حدٍّ ما مع مادَّتها والأبعاد التي تنكشف للقارئ من خلالها. أما شعريَّاً فلم أصل إلى الرُّؤية الشِّعريَّة كما هي في كل عنصر حيٍّ وميِّت، كما هي في الانفعالات والحوادث والمصادفة، كما هي تصميمٌ وانبثاقٌ من خرائب، كما هي عاطفةٌ وإيحاءٌ ولمسُ ملاكٍ في الحجر، كما وجدتُّها ذلك الوقت في نصوص الشَّاعر أدونيس. وخلال سنوات متلاحقة من قراءاتي لكتبه ودراستي لها في مرحلة الدراسات العليا في الجامعة، اكتشفت كيف ينتقل الكاتب من حساسيَّة الشَّاعر إلى عقل الفنَّان الذي يتجاوز الثَّقافة ويبدع في المتخيَّل المشتعل في ذهنه.
قراءاتٌ نادرةٌ في الشِّعر بعدها رأيتُ فيها متَّسعاً للتَّنفس، كتابات لا تقول بل تتشكَّل، وأكثرها حريَّة هي ما يحقِّق خروجه عن الزَّمن. لذا لا أشعرُ بالخوف على الشِّعر ممَّا سيأتي. كما لا أخافُ على الزَّهرة المستحيلة التي تكبُر على شرفتي الآن. صحيح أنَّ الزَّهرة لا تتطوَّر مع الزَّمن، ومع ذلك فهي تحتفظ بالدَّهشة كاملة. ولا أظنُّ أن أحداً سوف يفضِّل زهرة آليَّة عن التي يجدها في الطَّبيعة، وإن كان لديه الحدّ الأدنى من التَّعاطف الإنسانيِّ.
الزَّهرة ببتلاتها البيضاء الخمس، تنتصب على التُّراب، ترتعش تحت الضَّوء، تلامسُ حوافَّ النَّدى، تقلب أسطورة الخلق، تصيرُ هي الخالقة. ليس في حياتها أوهامٌ، ولا في زوالها معنى العدمِ. الزَّهرة التي تموتُ تبقى زهرةً، لكنَّ الإله الذي يموتُ لا يعود إلهاً. هكذا تعرَّفت إلى الشِّعر في حديقة بيتنا للمرَّة الأولى. قبل أن أرى أزهاراً مشابهة بين حطام ما خلَّفته الحروب، في الصُّور الفوتوغرافيَّة لمناسبة ما، قرب أسرَّة المشافي و الولادات، و فوق القبور التي تُسقى لنسأل: أيُّ زهرةٍ مازالت تنبضُ في الدَّاخل؟
٤ نيسان ٢٠٢٦





